صلاة المأموم في سطح المسجد

صلاة المأموم في سطح المسجد

الحمد لله الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له في الملك، ولم يتخذ ولداً وخلق كل شيء فقده تقديراً، والصلاة والسلام على من أرسله الله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله، وكان الله بما يعملون بصيراً، أما بعد:

فإن المقصود بالعنوان هو اقتداء المأموم بإمامه في صلاة الجماعة في المسجد وهو في سطح المسجد، فيا ترى ما حكم صلاة هذا المأموم في سطح المسجد مقتدياً بمن في المسجد، هل تصح صلاته، وهل اقتداؤه صحيح، وله أجر صلاة الجماعة، أم تعتبر مقطوعة عن صلاة الجماعة أصلاً؟

وللجواب عن هذا التساؤل المهم نستعين بالله ونقول: اتفق العلماء – رحمهم الله تعالى – على أن سطح المسجد من المسجد، يجوز الاعتكاف فيه، إلا أن مالكاً – رحمه الله – قال: “أكره للمؤذن المعتكف أن يرقى إلى ظهر المسجد”، وقال في متابعة المأموم لإمامه: “لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد”، وقال في المدونة: وكان آخر ما فارقنا مالكاً أنه كره أن يصلي الرجل خلف الإمام بصلاة الإمام على ظهر المسجد، قال: ولا يعجبني هذا من قوله، وقوله الأول به آخذ”1.

وأما بقية علماء المذاهب الثلاثة: فذهبوا إلى أن صلاة المأموم مقتدياً بإمامه والمأموم على ظهر المسجد صحيحة دون ذلك التفصيل، والدليل على هذا ما رواه البخاري تعليقاً: أن أبا هريرة  صلى على سقف المسجد بصلاة الإمام2، قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: “هذا الأثر وصله ابن أبي شيبة من طريق صالح مولى التوأمة وفيه ضعف، لكن رواه سعيد بن منصور من وجه آخر فاعتضد”3، وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي أنه قال بصحة صلاة المؤذنين فوق المسجد يوم الجمعة بصلاة الإمام، وأما قول مالك وتخصيصه للجمعة فلا يُعلم له دليل.

أما خلوة المسجد – وهي اسم لقبو المسجد، وهو بناء مسقوف سقفه يوازي أرضية المسجد غالباً، وأبوابه تكون إلى المسجد أو خارجه – فقد قال مالك: “لو أن إماماً يقوم على ظهر المسجد، والناس خلفه أسفل من ذلك لا يعجبني، وقال في المدونة: وكره مالك أن يصلي الإمام على شيء هو أرفع مما يصلي عليه من خلفه، قال: قلت: فإن فعل؟ قال: عليهم الإعادة، وإن خرج الوقت؛ لأن هؤلاء يعبثون، إلا أن يكون على دكان يسير الارتفاع4.

وأما صلاة الإمام وحده بظهر المسجد، والناس يصلون خلفه أسفل منه؛ فهي مكروهة؛ لكونها بدعة ومخالفة صريحة للسنة، ولكن إن كان مع الإمام جماعة، ووراءه جماعة أسفل منه؛ فمفهوم كلام مالك – رحمه الله – أن صلاتهم صحيحة، وهذا هو الحق – إن شاء الله -، ونص الشافعي على هذا، فقال: “ولو كان – أي الإمام – أرفع منهم أو أخفض لم تفسد صلاته، ولا صلاتهم”، ونص عليه الإمام أحمد، ورواه ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز، والحسن البصري5.

وكلام الإمام الشافعي – رحمه الله – هو قوله: “ولو كان – أي الإمام – أرفع منهم أو أخفض لم تفسد صلاته، ولا صلاتهم، ولا بأس أن يصلى المأموم من فوق المسجد بصلاة الإمام في المسجد إذا كان يسمع صوته، أو يرى بعض من خلفه، فقد رأيت بعض المؤذنين يصلي على ظهر المسجد الحرام بصلاة الإمام، فما علمت أن أحداً من أهل العلم عاب عليه ذلك، وإن كنت قد علمت أن بعضهم أحب ذلك لهم لو أنهم هبطوا إلى المسجد”6.

وحجة الشافعي وأحمد ومن معهما حديث أبي حازم قال: سألوا سهل بن سعد : من أي شيء المنبر؟ فقال: “ما بقي بالناس أعلم مني، هو من أثل الغابة، عمله فلان مولى فلانة لرسول الله ، وقام عليه رسول الله  حين عمل ووضع، فاستقبل القبلة فكبر، وقام الناس خلفه، فقرأ وركع، وركع الناس خلفه، ثم رفع رأسه ثم رجع القهقرى فسجد على الأرض، ثم عاد إلى المنبر، ثم ركع، ثم رفع رأسه، ثم رجع القهقرى حتى سجد بالأرض، فهذا شأنه”7، قال أبو عبد الله: قال علي بن عبد الله: سألني أحمد بن حنبل – رحمه الله – عن هذا الحديث، قال: فإنما أردت أن النبي  كان أعلى من الناس، فلا بأس أن يكون الإمام أعلى من الناس بهذا الحديث.

فهذا الحديث أوضح الإمام أحمد دلالته على أن الصلاة في الخلوة مع الإمام حال اتصال الصفوف، أو وجود صفوف مع الإمام؛ فإنها صحيحة بحمد الله تعالى8.

نسأل المولى – تبارك وتعالى – أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا التأويل، إنه سميع قريب، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


1 المدونة لـ(الإمام مالك رحمه الله) (ج 1 / ص 166).

2 صحيح البخاري (ج 2 / ص 124).

3 فتح الباري لابن حجر (ج 2 / ص 85).

4 المدونة (ج 1 / ص 164).

5 أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية لـ(إبراهيم بن صالح الخضيري).

6 الأم لـ(الشافعي) (ج 1 / ص 200).

7 رواه البخاري برقم (364) (ج 2 / ص 125).

8 استفيد الموضوع من كتاب: أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية لـ(إبراهيم بن صالح الخضيري).