نية الإمام الإمامة

نية الإمام الإمامة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله، وصحبه .. أما بعد:

مسألتنا التي بين أيدينا هي: هل يجب على الإمام أن ينوي الإمامة؟ بمعنى: هل يلزمه أن ينوي عند قيامه للصلاة أنه إمام، أم أن الواجب عليه أن ينوي أداء الفرض؟

قبل البدء بذكر كلام العلماء في هذه المسألة لا بد من تعريف النية:

النية في اللغة: القصد، قال البيضاوي: النية عبارة عن انبعاث القلب نحو ما يراه موافقاً لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر. اهـ.

وشرعاً: العزم على فعل العبادة تقرباً إلى الله – تعالى -.1

والنية ركن من أركان الصلاة لا تصح إلا بها بإجماع العلماء قال ابن رشد الحفيد: (وأما النية فاتفق العلماء على كونها شرطاً في صحة الصلاة لكون الصلاة هي رأس العبادات التي وردت في الشرع لغير مصلحة معقولة: أعني من المصالح المحسوسة)2، وقال ابن المنذر: (وأجمعوا على أن الصلاة لا تجزئ إلا بالنية)3، وقال ابن هبيرة: (وأجمعوا على أن النية للصلاة فرض كما قدمنا).4

ومحلها القلب، والتلفظ بها بدعة محدثة.

وأما حكم نية الإمام الإمامة: فقد اختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال:

القول الأول: لا يشترط على الإمام أن ينوي الإمامة مطلقاً، وهو مذهب الشافعية.

أدلتهم: عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان رسول الله يصلي من الليل في حجرته، وجدار الحجرة قصير، فرأى الناس شخص النبي  فقام أناس يصلون بصلاته، فأصبحوا فحدثوا بذلك، فقام ليلة ثانية فقام معه أناس يصلون بصلاته، صنعوا ذلك ليلتين أو ثلاث، حتى إذا كان بعد ذلك جلس رسول الله فلم يخرج، فلما أصبح ذكر ذلك الناس، فقال: إني خشيت أن تكتب عليكم صلاة الليل رواه البخاري.

وعن ابن عباس قال: نمت عند ميمونة – رضي الله عنها – والنبي عندها تلك الليلة، فتوضأ ثم قام يصلي، فقمت عن يساره، فأخذني فجعلني عن يمينه، فصلى ثلاث عشرة ركعة، ثم نام حتى نفخ، وكان إذا نام نفخ، ثم أتاه المؤذن فخرج فصلى، ولم يتوضأ) رواه البخاري ومسلم.

وعن أبي سعيد الخدري أن رسول الله أبصر رجلاً يصلي وحده فقال: ألا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه فقام رجل فصلى معه.5

ووجه الاستدلال في الحديث الأول: أن الصحابة  صلوا مع رسول الله ولم ينوِ إمامتهم، ولم ينكر عليهم، والحديث الثاني: أن ابن عباس  قام يصلي مع النبي أثناء الصلاة بعدما أحرم، ولم ينكر عليه، فدل ذلك على أن نية الإمام الإمامة غير مشروطة.

وأما الحديث الثالث: فهو واضح في الدلالة حيث أن الرجل لم ينوِ الإمامة؛ لأن الذي قام معه قام بعد أن أحرم بالصلاة، والنية لا تكون إلا قبل تكبيرة الإحرام.

2. القول الثاني: لا تشترط نية الإمامة إلا في حال واحدة وهي إمامة الرجل للنساء، فلا يصح أن يقتدين بالإمام إلا بنية الإمامة لهن، وهو مذهب أبي حنيفة، وعللوا ذلك بتعليل غير صحيح.

3. القول الثالث: وجوب نية الإمام في كل موضع تشترط فيه الجماعة، وقد حددوها في أربعة مواضع: الجمعة، والجمع بين العشائين للمطر، وصلاة الخوف، والاستخلاف، وهو قول المالكية، وعللوا ذلك بتعليل غير سليم من النقد.

4. القول الرابع: تشترط نية الإمامة مطلقاً، وهو مذهب الإمام أحمد، وأكثر أصحابه6 وعللوا ذلك بتعليل منتقد.

والقول الذي تدل عليه الأدلة الصحيحة ما ذهب إليه الشافعية من أن نية الإمام الإمامة لا تشترط في أي حال من الأحوال، وأدلتهم في ذلك واضحة، وأن الإمام تلزمه نية أداء الفرض كغيره من المصلين، والله أعلم بالصواب.

وإلى هنا نصل إلى ختام هذا الموضوع، وقد عرفنا أقوال العلماء في هذه المسألة التي تهم الإمام، وكذلك المأموم.

نسأل الله أن يفقهنا في الدين، وأن يعلمنا الحكمة والقرآن .. والله الموفق.


1– انظر (تيسير العلام) لعبد الله آل بسام (1 /23). ط: مكتبة دار الفيحاء 1414هـ.

2– بداية المجتهد (1 /120).

3– الإجماع ص36.

4– الإفصاح (1 /122).

5– رواه الإمام أحمد، والترمذي، وأبو داود، والحاكم وصححه، ووافقه الذهبي (1 /209)، وأخرجه البيهقي وابن خزيمة. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2652).

6– انظر (أحكام الإمامة والائتمام) للمنيف، ص200.