عُمَّـار المساجد

عُمَّـار المساجد

عُمَّـار المساجد

الحمد لله الذي جعل المساجد للمسلمين بمثابة المعاهد والأندية والمعسكرات والميادين, وجعل الجُمَع والجماعات من أعظم شعائر الدين, والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين, خير من عمر بيوت الله فكان أفضل من أقام شعائر الدين, وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين …أما بعد:

فهذه نبذة عن عمارة المساجد بنوعيها وبيان لفضلها فنقول:

العمارة لغة:ما يعمر به المكان، وعمارة المساجد بمعناها العام تشمل العمارة بنوعيها الحسية والمعنوية، فهي تشمل بناء وإنشاء المساجد، وترميمها وخدمتها وتنظيفها، والصلاة فيها ولزومها وعبادة الله فيها، وتعيين الأئمة والمؤذنين فيها، وفتح حلق الذكر فيها من تعليم القرآن والفقه والتفسير والحديث وغيرها من العلوم النافعة، وإجراء الأرزاق على العاملين فيها، وإنارتها وفرشها والوقف عليها مما فيه مصلحة لها، كوقف مساكن للإمام والمؤذن والمعلم وطلاب العلم فيها وعمل المياضئ وغير ذلك من مصالحها, قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} الآية. قال: قد أثبت الإيمان في الآية لمن عَمَّر المساجد بالصلاة فيها وتنظيفها وإصلاح ما وهى منها وآمن بالله1.

ولقد رتب الله -سبحانه وتعالى- فضلاً عظيماً لمن بنى المسجد أو شارك فيه، فقال سبحانه وتعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (18) سورة التوبة.

الشاهد: قوله تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّه}, ووجه الدلالة: أن قوله (يعمر): دال على العمارة بالبناء، كما دل على العمارة بالعبادة؛ لأن باني المسجد يتقرب إلى الله تعالى ببنائه، فهو يعمر المسجد طاعة لله سبحانه وتعالى. ويستفاد من قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (114) سورة البقرة. فيستفاد من مفهوم هذه الآية الكريمة أن من يعمر المساجد ويسعى في إصلاحها مأجور عند الله، قد عمل عملاً صالحاً، يحمد عليه في الدنيا والآخرة.  

الأدلة من الكتاب على مشروعية عمارة المساجد:

جاء الحث على عمارة المساجد في كتاب الله تعالى, إما في عموم الأدلة الدالة على مشروعية الإنفاق في سبيل الخير, وإما نصاً صريحاً في عمارة المساجد فهي على نوعين:

أولاً: النصوص العامة ومنها:

1- قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (92) سورة آل عمران. ففي هذه الآية حث على الإنفاق في سبيل الخير، واستنهاض للهمم في الإنفاق من أغلى ما يملكه الإنسان في سبيل الله تعالى، ولذلك لما سمع أبو طلحة -رضي الله عنه- هذه الآية بادر إلى وقف أحب أمواله إليه، وهي بيرحاء (حديقة مشهورة)2.

2- قوله تعالى: {وَمَا يَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلَن يُكْفَرُوْهُ وَاللّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} (115) سورة آل عمران.

ثانياً: الأدلة الخاصة بعمارة المساجد ومنها:

1- قوله تعالى: {فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُه} (36) سورة النــور. والمراد بالبيوت هنا المساجد، ومعنى (أَذِنَ): أي أمر وقضى، ومعنى (تُرْفَعَ): تبنى وتعلى، قاله مجاهد وعكرمة فيما نقله القرطبي.وقال الشيخ ابن سعدي: {أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ} هذان مجموع أحكام المساجد، فيدخل في رفعها: بنائها، وكنسها وتنظيفها من النجاسات والأذى، وصونها من المجانين والصبيان الذين لا يتحرزون عن النجاسات، وعن الكفار، وأن تصان عن اللغو فيها، ورفع الأصوات بغير ذكر الله, فالله تعالى أمر ووصى بعمارة المساجد والقيام عليها وصيانتها.

2- بل ذكر تعالى أن عمارة المساجد هي وظيفة الأنبياء كما في قوله تعالى: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة. فالله تعالى يشيد بنبيه وخليله إبراهيم -عليه السلام- ببنائه للبيت الحرام, وتشير الآية إلى أن بناء المساجد من الأعمال الخيرية التي يثاب عليها الإنسان مع القبول، فجاء في آخر الآية ما يرشد إلى أن بناء البيت من الأعمال الصالحة التي عملها إبراهيم مع ابنه إسماعيل، حيث سألا ربهما أن يتقبل منهما عملهما إنه هو السميع العليم.

3- قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (18) سورة التوبة. ففي هذا النص القرآني شهادة لعُمَّار المساجد، ذلك أن عمارة المساجد من شأن المؤمنين وهم الحقيقيون بعمارة المساجد حسياً ومعنوياً.

الأدلة من السُنَّة على مشروعية عمارة المساجد:

وردت أحاديث كثيرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في عمارة المساجد وبنائها، فمن ذلك:

1- حديث عثمان -رضي الله عنه- وفيه: إني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- يقول: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا, قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: (-يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللَّهِ- بَنَى اللَّهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الْجَنَّةِ)3.

2- عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ –رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا يُذْكَرُ فِيهِ اسْمُ اللَّهِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)4.

3- عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ –رضي الله عنهما- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (مَنْ بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ كَمَفْحَصِ قَطَاةٍ أَوْ أَصْغَرَ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ)5.

4- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ)6.

5- ما رواه البخاري وغيره عن أنس -رضي الله عنه- لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة أَمَرَ بِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ: (يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا) قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ7.

لقد كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أسوة حسنة لأصحابه -رضوان الله عليهم- فحين بدأ الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يتخلفوا عن مشاركته في عمارة المسجد، بل ساهموا في توسعة المسجد مرات متعاقبة، وكان لأحاديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في عمارة المساجد مكانة في نفوس أصحابه، فأنشأوا المساجد وعمروها في أماكن مختلفة، ومواقع متعددة نشير إلى بعض مساهمات الصحابة والتابعين في هذا المجال، فمن ذلك:

1- بناء أبي بكر الصديق مسجداً بفناء داره وذلك قبل الهجرة، مما يعد أول ما بني من المساجد في الإسلام، فعن عائشة زوج النبي -صلى الله عليه وسلم- قالت: (لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَيَّ إِلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ, وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إِلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً, ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ, فَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقِفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ يَعْجَبُونَ مِنْهُ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ, وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكُ عَيْنَيْهِ إِذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ, فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ)8.

2- بناء عمار بن ياسر مسجداً يصلي فيه، وهو أول ما بني في الإسلام بالمدينة، فقد ذُكرت  بعض الروايات التي تفيد أن أول من اتخذ مسجداً في بيته يصلي فيه عمار بن ياسر, وأشار إلى سبق أبي بكر لعمار في بناء المسجد، فيكون المراد أن عمار بنى أول مسجد في الإسلام بالمدينة.

3- مشاركة الصحابة -رضوان الله عليهم- في بناء مسجد قباء، وهو المسجد الذي أسس على التقوى المذكور في قوله تعالى: {لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ} (108) سورة التوبة. ومسجد قباء كان أسس بالمدينة أول يوم، فإنه بني قبل مسجد النبي -صلى الله صلى الله عليه وسلم- ولقد قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يشاركه صحابته الكرام ببناء مسجد قباء.

4- المشاركة في بناء مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فعن  أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدِمَ الْمَدِينَةَ, فَنَزَلَ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ فِي حَيٍّ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ, فَأَقَامَ فِيهِمْ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً ثُمَّ إِنَّهُ أَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا مُتَقَلِّدِينَ بِسُيُوفِهِمْ, قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَلَى رَاحِلَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ رِدْفُهُ وَمَلَأُ بَنِي النَّجَّارِ حَوْلَهُ حَتَّى أَلْقَى بِفِنَاءِ أَبِي أَيُّوبَ, قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يُصَلِّي حَيْثُ أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ وَيُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ, ثُمَّ إِنَّهُ أَمَرَ بِالْمَسْجِدِ, قَالَ: فَأَرْسَلَ إِلَى مَلَإِ بَنِي النَّجَّارِ فَجَاءُوا فَقَالَ: (يَا بَنِي النَّجَّارِ ثَامِنُونِي بِحَائِطِكُمْ هَذَا) قَالُوا: لَا وَاللَّهِ لَا نَطْلُبُ ثَمَنَهُ إِلَّا إِلَى اللَّهِ, قَالَ أَنَسٌ: فَكَانَ فِيهِ مَا أَقُولُ: كَانَ فِيهِ نَخْلٌ وَقُبُورُ الْمُشْرِكِينَ وَخِرَبٌ, فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالنَّخْلِ فَقُطِعَ وَبِقُبُورِ الْمُشْرِكِينَ فَنُبِشَتْ وَبِالْخِرَبِ فَسُوِّيَتْ, قَالَ فَصَفُّوا النَّخْلَ قِبْلَةً وَجَعَلُوا عِضَادَتَيْهِ حِجَارَةً, قَالَ: فَكَانُوا يَرْتَجِزُونَ وَرَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَعَهُمْ وَهُمْ يَقُولُونَ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُ الآخرة… فَانْصُرْ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَةْ 9.

ولم يكتف عمر ببناء المسجد الأقصى فقط، بل أمر ببناء مسجد عند كل كنيسة.

وما كان هذا الفضل من الله إلا لعظمة هذه المساجد وأهمية وجودها في الأرض للمسلمين، ولقد كان السلف الصالح -رضوان الله عليهم- إذا فتحوا بلاداً بنوا فيها المساجد، وتركوا فيها من يعلم الناس الخير، ويؤدي رسالة هذه المساجد، باعتبارها مركزاً إسلامياً لتفقيه المسلمين في شؤون دنياهم وآخرتهم.

ولا ينبغي أن يتولى عمارة المسجد بالبناء من العمال ونحوهم إلا المسلمون ما داموا موجودين وقادرين على ذلك، وهم أحق وأشرف وأولى من غيرهم, وهكذا تخطيط عمارة المسجد يجب أن يكون بأيدٍ مسلمة مؤمنة، ولا يعتمد على أحد من الكفار في شيء من هذا.

 قال الله تعالى: {مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَن يَعْمُرُواْ مَسَاجِدَ الله شَاهِدِينَ عَلَى أَنفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ* إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (17-18) سورة التوبة. فقد نفى الله سبحانه في الآية الأولى نسبة عمارة المساجد للمشركين، ولقد كان المشركون في مكة مخدوعين بأعمالهم التي كانوا يقومون بها في خدمة المسجد الحرام وخدمة الحجاج إليه، كما قال الله تعالى في الآية التي بعد هاتين الآيتين: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللّهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}(19) سورة التوبة. ويرون أن ما يقومون به من ذلك أعظم مما يقوم به المسلمون من عمارة بيوت الله تعالى بعبادته وحده، فكيف يعتقد المشركون ذلك وهم يعترفون بكفرهم بالله جل وعلا؟! إن أعمالهم تلك التي تخيلوها صالحة ليست كذلك؛ لأن العمل الصالح المقبول عند الله تعالى لا بد أن يكون خالصاً له سبحانه لا يخالطه شيء من الشرك، وأن يكون على وفق شريعته جل وعلا، فأما أعمالهم فإنها باطلة لا يستفيدون منها في الآخرة، بل إن مصيرهم الخلود في النار.

إنما يعمر مساجد الله تعالى على الحقيقة من جمع الصفات الخمس المذكورة في الآية الثانية وهي: الإيمان بالله سبحانه إيماناً صادقاً لا تشوبه أي شائبة من الشرك، وآمن باليوم الآخر بما فيه من حساب وثواب أو عقاب، وجعل عمله كله مبنياً على هذا الإيمان، وأقام الصلاة التي هي عمود الإسلام ورأس العبادات البدنية, وآتى الزكاة التي هي رأس العبادات، ولم يخش إلا الله جل وعلا، والخشية أثر من آثار الإيمان بالله سبحانه وباليوم الآخر، ولكن جاء النص على الخشية من أجل تجريد القلوب من تعظيم أي مخلوق وتفريغها لتعظيم الله سبحانه وحده، حيث إن الحامل الأكبر للمشركين على الشرك خوفهم من غير الله تعالى؛ وذلك أنهم اعتقدوا بأن أوثانهم تضر وتنفع.

فهؤلاء المؤمنون المتقون الذين جمعوا تلك الصفات هم من الذين وفقهم الله سبحانه للطريق المستقيم الموصل إلى رضوانه وجنته, ومن هنا لم تقتصر معنى عمارة المساجد على المعنى الحسي بل عمارة المساجد أن تعمر بالعبادة, فالمساجد هي بيوت العبادة للمسلمين، فالمسلم يحرص على الذهاب إلى المسجد لأداء الصلوات به لما في ذلك من أجر عظيم، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ غَدَا إِلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَاحَ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُ فِي الْجَنَّةِ نُزُلًا كُلَّمَا غَدَا أَوْ رَاحَ)10. وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَطَهَّرَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ مَشَى إِلَى بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ لِيَقْضِيَ فَرِيضَةً مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ كَانَتْ خَطْوَتَاهُ إِحْدَاهُمَا تَحُطُّ خَطِيئَةً وَالْأُخْرَى تَرْفَعُ دَرَجَةً)11. ومن يداوم على عمارة المساجد والصلاة فيها، ويتعلق قلبه بها فهو من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم القيامة,نسأل الله -سبحانه وتعالى- بمنه وكرمه أن يجعلنا منهم؛ إنه جواد كريم – وصلى الله وسلم على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه أجمعين, والحمد لله رب العالمين12.


 


1 المشروع والممنوع في المسجد لـ(محمد بن علي العرفج) (1/11) تفسير القرطبي (8/90).

2 رواه البخاري -2150- (8/113).

3 رواه البخاري -431- (2/239) ومسلم -828- (3/129).

4 رواه ابن ماجه -727- (2/440) وصححه الألباني في سنن ابن ماجة برقم(735).

5 رواه ابن ماجه -730- (2/443) وأحمد -2050- (5/82) وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم(6129).

6 رواه ابن ماجه -238- (1/281) وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (77).

7 رواه البخاري -2564- (9/323) ومسلم -816 -(3/114).

8 رواه البخاري -456- (2/284).

9  رواه البخاري -3639- (12/318)ومسلم -816- (3/114).

10 رواه مسلم -1073- (3/421).

11 رواه مسلم -1070- (3/418).

 12 مراجع الموضوع:

1- عمارة المساجد المعنوية وفضلها لـ(عبد العزيز عبد الله الحميدي).

2- المشروع والممنوع في المسجد لـ(محمد بن علي العرفج).

3- أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية لـ(إبراهيم بن صالح الخضيري).

4- http://www.7nona.com/osra/209.html