بناء المسجد من مال حرام

بناء المسجد من مال حرام

بناء المسجد من مال حرام

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الأمين, وعلى آله وصحبه الغر الميامين, والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين..

أما بعد:

فإن مما ينبغي الاهتمام به والتنبيه عليه ولفت النظر إليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم وهو قائد البشرية ومعلم الناس الخير بقوله وفعله وهدايته للناس فيما يهمهم في أمر دينهم ودنياهم ومعاشهم ومعادهم, وهو رؤوف بأمته رحيم بها- كان أول عمل قام به -صلى الله عليه وسلم- بعد هجرته إلى المدينة تأسيس المسجد لما له من رسالة سامية وغاية عظيمة، وهدف نبيل وعاقبة حميدة في الدنيا والآخرة، فمنه سطعت شمس الإيمان تخرج الناس من الظلمات إلى النور، نور العلم والمعرفة لهداية البشرية وإخراجها من ظلمات الجهل إلى نور العلم ملتزمة بهدي النبي -صلى الله عليه وسلم- تتأدب بآدابه، وتسير على نهجه القويم وسيرته الفذة على الصراط المستقيم، وعلى هذا درج المسلمون الأوائل باهتمامهم بالمسجد فإذا أرادوا الإقامة في بلد كان أول ما يشتغلون به بناء المسجد.

ولقد رتب الله تعالى فضلاً عظيماً لمن بنى المسجد أو شارك فيه، فقال سبحانه وتعالى:{إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللّهِ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسَى أُوْلَئِكَ أَن يَكُونُواْ مِنَ الْمُهْتَدِينَ} (18) سورة التوبة.

ويستفاد من قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ} (114) سورة البقرة, أنَّ من يعمر المساجد ويسعى في إصلاحها مأجور عند الله، قد عمل عملاً صالحاً يحمد عليه في الدنيا والآخرة.

لذا يجب على المسلمين أفراداً وحكومات أن يعطوا المسجد العناية التامة والتعاون المثمر وذلك بعمارته الحسية بالبناء وتلمس الأماكن المحتاجة إلى ذلك ليعم الخير، وعمارته المعنوية بأداء رسالته في الصلاة جماعة فروضاً ونوافل وإقامة الجمعة والجماعات، وقراءة القرآن والذكر والتسبيح والتهليل والاعتكاف وتعلم العلم وتعليمه وعقد المحاضرات والندوات التي تحيي المسجد، وتبث فيه روح المحبة والأخوة والتكافل الاجتماعي، وصيانته عما لا يليق به وجعله مصدر إشعاع ونور وهداية، كما كان في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وفيما نشهده اليوم من عناية بالمساجد ما يبشر بالخير ويدعو بالتفاؤل.

وإن مما يتساءل عنه الكثير من الناس عن حكم بناء المسجد والصلاة فيه إذا كان قد بني من مال حرام؟!

وللإجابة على هذا التساؤل فإن ما ينبغي معرفته أن المال الحرام إما أن يكون محرماً لعينه، وإما أن يكون محرماً لكسبه.

فالمحرم لعينه كالمال المغصوب والمسروق، فهذا لا يحل لأحد الانتفاع به وهو يعلم أنه مسروق من فلان، بل يجب رده إلى صاحبه.

وطريقة التوبة من غصب هذا المال أن يرد إلى صاحبه، ولا يجزئ الغاصب التبرع به لبناء مسجد وهو يقدر على رده إلى صاحبه, لكن إن تعذر رده إلى صاحبه, كالمال الذي تغتصبه بعض الحكومات الظالمة من الناس فلا حرج في إنفاقه في مصالح المسلمين العامة ومنها بناء المساجد.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: “إذا كانت الأموال قد أخذت بغير حق وقد تعذر ردها إلى أصحابها ككثير من الأموال السلطانية (أي التي غصبها السلطان); فالإعانة على صرف هذه الأموال في مصالح المسلمين كسداد الثغور ونفقة المقاتلة ونحو ذلك من الإعانة على البر والتقوى; إذ الواجب على السلطان في هذه الأموال إذا لم يمكن معرفة أصحابها وردها عليهم ولا على ورثتهم أن يصرفها مع التوبة إن كان هو الظالم إلى مصالح المسلمين, هذا هو قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة وأحمد وهو منقول عن غير واحد من الصحابة وعلى ذلك دلت الأدلة الشرعية..” انتهى1.

وأما المحرم لكسبه فهو الذي اكتسبه الإنسان بطريق محرم كبيع الخمر، أو التعامل بالربا، أو أجرة الغناء ونحو ذلك، فهذا المال حرام على من اكتسبه فقط، أما إذا أخذه منه شخص آخر بطريق مباح فلا حرج في ذلك، كما لو تبرع به لبناء مسجد، أو دفعه أجرة لعامل عنده، أو أنفق منه على زوجته وأولاده، فلا يحرم على هؤلاء الانتفاع به، وإنما يحرم على من اكتسبه بطريق محرم فقط, وطريقة التوبة من هذا المال المحرم التخلص منه، وإنفاقه في وجوه البر ومنها بناء المساجد.

قال النووي -رحمه الله-: “قال الغزالي: إذا كان معه مال حرام وأراد التوبة والبراءة منه, فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه أو إلى وكيله, فإن كان ميتاً وجب دفعه إلى وارثه, وإن كان لمالك لا يعرفه ويئس من معرفته فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة, كالقناطر والربط والمساجد، ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه, وإلا فيتصدق به على فقير أو فقراء…” إلى أن قال: “وهذا الذي قاله الغزالي ذكره آخرون من الأصحاب, وهو كما قالوه؛ لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر, فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين, والله -سبحانه وتعالى- أعلم”2.

وسئل الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله- عن حكم الصلاة في مسجد بني من مال حرام؟!

فأجاب: “الصلاة فيه جائزة ولا حرج فيها؛ لأن الذي بناه من مال حرام ربما يكون أراد في بنائه أن يتخلص من المال الحرام الذي اكتسبه، وحينئذٍ يكون بناؤه لهذا المسجد حلالاً إذا قصد به التخلص من المال الحرام، وإن كان التخلص من المال الحرام لا يتعين ببناء المساجد، بل إذا بذله الإنسان في مشروع خيري حصلت به البراءة”3.

نسأل الله العظيم أن يوفقنا وسائر إخواننا وجميع المسلمين لما يحبه لنا ويرضاه من القول والعمل, فإنه لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم, والحمد لله رب العالمين, وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً دائماً إلى يوم الدين4.

 


 


1 مجموع الفتاوى (28/283) واالسياسة الشرعية لـ(ابن تيمية (ص66).

2 المجموع للنووي (9/351).

3 “مجموع فتاوى ابن عثيمين” (12/ سؤال رقم 304) وانظر: الشرح الممتع له “رحمه الله” (4/344).

4 استفيد الموضوع بتصرف من: كتاب المشروع والممنوع في المسجد لـ(محمد بن علي العرفج) وأحكام المساجد في الشريعة الإسلامية لـ(إبراهيم بن صالح الخضيري).

و http://www.islamqa.com/index.php?ln=ara .