لماذا نحفظ القرآن؟

لماذا نحفظ القرآن

لماذا نحفظ القرآن؟

الحمد لله الذي جعل القرآن تبياناً لكل شيء، وهدى ورحمة للمؤمنين، وجمع فيه أصول الدين وفروعه، وأصلح به الدنيا والدين، وأشهد أن لا إله إلا الله الملك الحق المبين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أكمل الخلق وسيد المرسلين، اللهم صل وسلم وبارك على محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم إلى يوم الدين..

أما بعد:

فقد يتساءل متسائل ويقول: لماذا صار الدعاة مهتمين -ضمن دعوتهم إلى الله- بحفظ وتحفيظ الصغار والكبار كتاب الله تعالى؟

فالجواب عن هذا التساؤل الجيد أن يقال, إننا نحفظ وندعو لحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب لما في هذا الأمر من فضل وخير ويسر عظيم, ويتبين ذلك من خلال النقاط التالية:

1- التأسي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقد كان -عليه الصلاة والسلام- يحفظه، ويراجعه مع جبريل -عليه السلام- ومع بعض أصحابه.

2- حفظ القرآن مشروع لا يعرف الفشل, ولو سألت كيف ذلك, فالجواب هو أن المسلم حين يبدأ بحفظ القرآن الكريم بعزيمة قوية ثم يدب إليه الكسل والخمول فينقطع عن مواصلة الحفظ، فإن القدر الذي حفظه منه لا يضيع سدى، بل إنه لو لم يحفظ شيئاً فإنه لن يحرم أجر التلاوة، فكل حرف بعشر حسنات.

3- حملة القرآن هم أهل الله وخاصته كما في الحديث، وكفى بهذا شرفاً.

4- حامل القرآن يستحق التكريم، ففي الحديث (إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ)1.

5- الغبطة الحقيقية تكون في القرآن وحفظه، ففي الحديث المتفق عليه يقول –عليه الصلاة والسلام-: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ, رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ). وفي رواية البخاري: (رَجُلٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ فَسَمِعَهُ جَارٌ لَهُ فَقَالَ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُهْلِكُهُ فِي الْحَقِّ فَقَالَ رَجُلٌ لَيْتَنِي أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتِيَ فُلَانٌ فَعَمِلْتُ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ)2.

6- حفظ القرآن وتعلمه خير من متاع الدنيا، ففي الحديث الصحيح قال –صلى الله عليه وسلم-: (أَفَلَا يَغْدُو أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَيَعْلَمُ أَوْ يَقْرَأُ آيَتَيْنِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ -عَزَّ وَجَلَّ- خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ وَثَلَاثٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعٌ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَرْبَعٍ وَمِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنْ الْإِبِلِ)3. وتذكر أن الإبل في ذلك الزمان كان أنفس المال وأغلاه.

7- حافظ القرآن هو أولى الناس بالإمامة، فعَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يَؤُمُّ الْقَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللَّهِ)4. وتذكر أن الصلاة عمود الدين, وثاني أركان الإسلام.

8- حفظ القرآن الكريم رفعة في الدنيا والآخرة، قَالَ عُمَرُ –رضي الله عنه-: "أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَدْ قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ)5.

9- حافظ القرآن يقدم في قبره، فبعد معركة أحد وعند دفن الشهداء كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يجمع الرجلين في قبر واحد ويقدم أكثرهم حفظاً.

10- يشفع القرآن لأهله وحملته يوم القيامة، وشفاعته مقبولة عند الله تعالى، ففي حديث أبي أمامة الباهلي –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: (اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ)6. فهنيئاً لمن يشفع له هذا الكتاب العظيم في ذلك اليوم العصيب.

11- حفظ القرآن سبب للرفعة في درجات الجنة، فعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَنْزِلَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَؤُهَا)7.

12- حافظ القرآن مع السفرة الكرام البررة، ففي الحديث الصحيح عَنْ عَائِشَةَ –رضي الله عنها- عَنْ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: (مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ)8.

فيا له من شرف كبير أن تكون مع من قال الله فيهم: {فِي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ* مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ* بِأَيْدِي سَفَرَةٍ* كِرَامٍ بَرَرَةٍ} (13-16) سورة عبس.

13- حافظ القرآن أكثر الناس تلاوة له، فحفظه يستلزم القراءة المكررة، وتثبيته يحتاج إلى مراجعة دائمة، وبذلك يحوز الأجر العظيم, فعن ابن مسعود –رضي الله عنه- أن النبيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قال: (مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ وَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا لَا أَقُولُ الم حَرْفٌ وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ)9.

14- حافظ القرآن يقرأ في كل أحواله؛ فبإمكانه أن يقرأ وهو يعمل أو يقود سيارته أو في الظلام، ويقرأ ماشياً ومستلقياً، فهل يستطيع غير الحافظ أن يفعل ذلك؟

15- حافظ القرآن لا يعوزه الاستشهاد بآيات القرآن الكريم في حديثه وخطبه ومواعظه وتدريسه، أما غير الحافظ فكم يعاني عند الحاجة إلى الاستشهاد بآية، أو معرفة موضعها.

هذا نزر يسير من الأسباب التي تزرع في القلوب حب حفظ كتاب الله تعالى, فهل بعد هذا نزهد في حفظ ما نستطيع من كتاب الله؟!10.

نسأل الله أن يوفقنا لحفظ كتابه والعمل به في جميع أحوالنا, ونسأله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا, وأن ينفع بنا الإسلام والمسلمين, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم,  وسبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم, والحمد لله رب العالمين.


 


1 رواه أبو داود – (ج 12 / ص 473) وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (2199).

2 رواه البخاري -4638- (15/437).) ومسلم -1350- (4/249).

3 رواه مسلم -1336- (4/229).

4 رواه مسلم -1078- (3/428).

5 رواه مسلم -1535- (4/252).

6 رواه مسلم -1337- (4/231).

7 رواه أبو داود -1252- (4/263) والترمذي -2838- (10/156) وقال الألباني: "حسن صحيح" انظر: تحقيق سنن الترمذي (2914).

8 رواه البخاري -4556- (15/267) ومسلم -1329- (4/219) واللفظ للبخاري.

9 رواه الترمذي -2835- (10/153) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1416).

10 استفيد الموضوع بتصرف يسير من مقال للشيخ محمد بن صالح المنجـد –أثابه الله- من موقع: http://majdah.maktoob.com/vb/showthread.php?t=667 .