مظاهر محبة النبي صلى الله عليه وسلم

مظاهر محبة النبي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فإن الحب وإن كان من أعمال القلوب إلا أنه لا بد وأن تظهر آثاره على الجوارح قولاً وفعلاً، ولما كان الحب أمراً يمكن أن يستتر وراء الدعاوى والمزاعم، ويقع في الاشتباه؛ كان لا بد من التمييز بين الصادق فيه وبين الدعي الكاذب، وبين من سلك في حبه مسلكاً صحيحاً وبين من انحرف بمسلك حبه عن الصواب.

وقد جرت العادة أن الدعاوي لا تقبل إلا ببينات، فالبينة على من ادعى، ولو يعطى الناس بدعواهم لاختل ميزان الحق والعدل.

وطالما استغلت دعوى الحب لله ​​​​​​​ ولرسوله ﷺ، أو حب الصالحين؛ لتسويغ ألوان من البدع، وضروب من الغلو، وجعلها مقبولة؛ طالما كان دافعها هذا الحب المزعوم. لذلك لا بد من ظهور الشواهد الصادقة، والمظاهر الواضحة؛ لمحبة رسول الله ، واتباعها بآثارها على السلوك والأفعال؛ وذلك لبيان أن حب الرسول  مقيد بضوابط تحكمه، ومحدد بعلامات تؤكد صدقه، وآثار تظهر على من اتصف به، وهذه العلامات والمظاهر كثيرة، ومن ذلك:

1- طاعة الرسول  واتباعه: إن أقوى شاهد على صدق الحب – أياً كان نوعه – هو موافقة المحب لمحبوبه، وبدون هذه الموافقة يصير الحب دعوى كاذبة، وأكبر دليل على صدق الحب لرسول الله  هو طاعته واتباعه، فالاتباع هو دليل المحبة الأول، وشاهدها الأمثل، وهو شرط صحة هذه المحبة، وبدونه لا تتحقق المحبة الشرعية، ولا تتصور بمعناها الصحيح.

وإذا كان الله – سبحانه – قد جعل اتباع نبيه  دليلاً على حبه سبحانه؛ فهو من باب أولى دليل على حب النبي  قال تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة آل عمران:31) قال ابن كثير – رحمه الله -: “هذه الآية حاكمة على كل من ادعى محبة الله وليس هو على الطريقة المحمدية بأنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي، والدين النبوي في جميع أقواله وأفعاله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله  أنه قال: مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ1، ولهذا قال: إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ أي يحصل لكم فوق ما طلبتم من محبتكم إياه، وهو محبته إياكم، وهو أعظم من الأول كما قال بعض العلماء الحكماء: “ليس الشأن أن تُحِبَّ؛ إنما الشأن أن تُحَبَّ”، وقال الحسن البصري وغيره من السلف: “زعم قوم أنهم يحبون الله فابتلاهم الله بهذه الآية فقال: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ2 فتبين من هذا أن الاتباع هو أعظم شاهد على صدق المحبة، بل هو من أجلُّ ثمارها، فالصادق في حب النبي  هو من أطاعه، واقتدى به، وآثر ما يحبه الله ورسوله على هوى نفسه، وظهرت آثار ذلك عليه من موافقته في حب ما يحبه، وبغض ما يبغضه، ويؤكد القاضي عياض على ارتباط هذه المحبة بالموافقة والاتباع فيقول: “اعلم أن من أحب شيئاً آثره، وآثر موافقته، وإلا لم يكن صادقاً في حبه، وكان مدعياً، فالصادق في حب النبي  من تظهر علامة ذلك عليه، وأولها: الاقتداء به، واستعمال سنته، واتباع أقواله وأفعاله، وامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، والتأدب بآدابه في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، – وشاهد هذا قوله تعالى: قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ وإيثار ما شرعه على هوى نفسه وموافقة شهواته قال الله تعالى: وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (سورة الحشر:9) وقد استفاضت نصوص الكتاب والسنة في تعظيم شأن الاتباع، وبيان أهميته، وأن سعادة المسلم في الدارين موقوفة على متابعة النبي ، وأن شقاء من شقي، وهلاك من هلك؛ إنما كان بسبب مخالفته لما جاء به الرسول .

ونخلص من هذا إلى أن أقوى مظهر، وأوضح شاهد على صدق المحبة لرسول الله ﷺ؛ هو الاتباع، وبدونه تصبح المحبة دعوى مجردة عن الدليل، وقولاً لا يصدقه عمل.

2- تعظيم النبي ﷺ، وتوقيره والأدب معه: إن تعظيم النبي  هو ما يقتضيه مقام النبوة والرسالة من كمال الأدب، وتمام التوقير، وهو من أعظم مظاهر حبه، ومن آكد حقوقه  على أمته، كما أنه من أهم واجبات الدين، وهذا التعظيم مثل المحبة من حيث كونه تابعاً للمعرفة، فعلى قدر المعرفة يكون التعظيم، وتكون المحبة، لذلك كان الصحابة  أكثر الناس حباً وتعظيماً لرسول الله  لمعايشتهم له، وقربهم منه.

وتعظيم النبي  يكون بالقلب، واللسان، والجوارح، فالتعظيم بالقلب هو ما يستلزم اعتقاد كونه رسولاً اصطفاه الله برسالته، وخصه بنبوته، وأعلى قدره، ورفع ذكره، وفضله على سائر الخلق أجمعين، كما يستلزم تقديم محبته على النفس، والولد، والوالد، والناس أجمعين.

أما التعظيم باللسان فيكون بالثناء عليه بما هو أهله مما أثنى به على نفسه، أو أثنى به عليه ربه، من غير غلو ولا تقصير، ويدخل في ذلك الصلاة والسلام عليه، كما يشمل الأدب في الخطاب معه، والحديث عنه .

وأما التعظيم بالجوارح فيشمل العمل بطاعته، وتجديد متابعته، وموافقته في حب ما يحبه، وبغض ما يبغضه، والسعي في إظهار دينه، ونصرة شريعته، والذب عنه، وصون حرمته, وعلى ذلك فأساس التعظيم للنبي  وقاعدته التي ينبني عليها هو تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وعبادة الله بما شرع، فمن فقد هذا الأساس، أو أخل به؛ فقد أخل بتعظيمه وتوقيره ﷺ، وهذا الإخلال يأتي من أمرين كليهما على طرفي نقيض:

أولهما: الجفاء والتفريط في حقوقه  وذلك كنسبته إلى ما لا يليق بمقام النبوة كالطعن في صدقه أو أمانته وعدالته، وذلك كصنيع ذي الخويصرة التميمي الذي طعن في قسمة رسول الله  للغنائم كما روى ذلك البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري  قال: “بَيْنَمَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ  وَهُوَ يَقْسِمُ قِسْمًا؛ أَتَاهُ ذُو الْخُوَيْصِرَةِ – وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيم -ٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ اعْدِلْ! فَقَالَ: وَيْلَكَ وَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ أَعْدِلْ، قَدْ خِبْتَ وَخَسِرْتَ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَعْدِلُ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّه ائْذَنْ لِي فِيهِ فَأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: دَعْهُ فَإِنَّ لَهُ أَصْحَابًا يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَهُ مَعَ صِيَامِهِمْ، يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ3، ويشبه هذا الصنيع صنيع المنافقين، ومن انطمست بصائرهم؛ فلم يعرفوا للنبي  قدره، ولم يحفظوا حرمته.

ثانيهما: الغلو في النبي ، ورفعه فوق مرتبته التي وضعه الله عليها وذلك كاعتقاد أنه يعلم الغيب مطلقاً، أو أن وجوده سابق لهذا العالم، وأن من نوره خلق الكون كله إلى غير ذلك من الاعتقادات الباطلة التي لم ترد في سنته، وقد أوجب الله على الأمة كلها تعظيم النبي وتوقيره فقال تعالى: إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا۝ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (سورة الفتح:8-9) فالتسبيح لله ​​​​​​​، والتعزير والتوقير للنبي  قال تعالى: فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (سورة الأعراف:157)، والتعزير بمعنى التعظيم قال ابن جرير في تفسير الآية الأولى: “معنى التعزير في هذا الموضع: التقوية، والنصرة، والمعونة، ولا يكون ذلك إلا بالطاعة، والتعظيم، والإجلال”4 ويعرف ابن تيمية – رحمه الله – التعزير بأنه اسم جامع لنصره، وتأييده، ومنعه من كل ما يؤذيه، والتوقير اسم جامع لكل ما فيه سكينة وطمأنينة من الإجلال والإكرام، وأن يعامل من التشريف، والتكريم، والتعظيم بما يصونه عن كل ما يخرجه عن حد الوقار”5. وقد أبان الله ​​​​​​​ في كتابه عن وجوه الأدب مع النبي  وتعظيمه، وما ينبغي على المسلم أن يتأدب به مع رسول الله  وذلك في آيات شتى، وبأساليب متنوعة.

وقد اشتملت سورة الحجرات في صدرها على مجموعة من التوجيهات التربوية للمسلمين في كيفية تعاملهم مع رسول الله ، والتأدب معه فقال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ۝ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ۝ إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ۝ إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ۝ وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (سورة الحجرات:1-5).

فقد أشارت هذه الآيات إلى بعض وجوه الأدب مع النبي  منها: – عدم التقدم بين يدي الله ​​​​​​​ ورسوله  بقول، أو فعل، أو إذن، أو تصرف كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قال ابن جرير في تفسير هذه الآية: “لا تعجلوا بقضاء أمر في حروبكم، أو دينكم؛ قبل أن يقضي الله لكم فيه ورسوله، فتقضوا بخلاف أمر الله، وأمر رسوله”6، وهذا الأمر فرض باق على الأمة إلى يوم القيامة مثل طاعته  حياً وميتاً، فالتقدم بين يدي سنته بعد وفاته  كالتقدم بين يديه في حياته، ولا فرق بينهما عند ذوي العقول السليمة، فالأدب كل الأدب معه  تقديم سنته وأقواله على كل قول أو رأي.

ومنها: عدم رفع الصوت فوق صوت النبي ، وعدم الجهر له بالقول مخافة حبوط العمل، فالأدب معه في حياته غض الصوت عنده مع الهيبة والإجلال له، وأن يكون مجلس علم وحلم، ووقار وسكينة، وأن يكون الحديث معه بتأدب وتلطف.

وإذا كان الله ​​​​​​​ قد حرم رفع الأصوات فوق صوت نبيه ، وحرم الجهر له بالقول لما في ذلك من الجفاء والإيذاء لنبيه ، فكذلك رفع الأصوات عند قبره  في حكم رفع الصوت عنده في حياته من حيث التحريم؛ لأن حرمة النبي  ميتاً كحرمته حياً، وقد شدد الفاروق عمر بن الخطاب  النكير على رجلين رفعا أصواتهما في المسجد النبوي وذلك فيما رواه البخاري بسنده عن السائب بن يزيد قال: “كنت قائماً في المسجد فحصبني رجل، فنظرت فإذا عمر بن الخطاب  فقال: اذهب فاتني بهذين، فجئته بهما، قال: من أنتما أو من أين أنتما؟ قالا: من أهل الطائف، قال: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما؛ ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله !”7. وإذا تقرر هذا علمنا أن ما يحدث من كثير من الناس عند قبره  من رفع الأصوات واختلاطها، وصنيع من يسمون”بالمزورين” من رفع الأصوات عند القبر، والتشويش في المسجد النبوي، كل هذا من الأمور المحرمة؛ لما فيها من إيذاء النبي ، وانتهاك حرمة المسجد. ومن مخالفة الأدب في هذا الباب رفع آراء بعض البشر، وأقوالهم، ومذاهبهم على سنة النبي ، ومحاولة إسكات صوت السنة، والداعين إليها، وفي هذا من الإيذاء والجفاء ما هو أكبر بكثير من مجرد رفع الصوت عند النبي  قال أبو بكر بن العربي: “حرمة النبي  ميتاً كحرمته حياً، وكلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه، فإذا قرئ كلامه وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك في مجلسه عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة في قوله تعالى: وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ (سورة الأعراف:204)، وكلام النبي  من الوحي، وله من الحرمة مثل ما للقرآن إلا معان مستثناه، بيانها في كتب الفقه، والله أعلم”8.

ومن الأدب مع الرسول  عدم جعل دعائه كدعاء الناس بعضهم بعضاً كما قال تعالى: لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا (سورة النور:63).

3- ومن مظاهر محبته محبة قرابته، وآل بيته، وأزواجه، وصحابته: ويتمثل هذا في توقيرهم، ومعرفة فضلهم، وحفظ حرمتهم، ومكانتهم، وبغض من أبغضهم أو آذاهم، وقد أوصى النبي  الأمة بآل بيته خيراً كما أخرج ذلك مسلم في صحيحه بسنده عن زيد بن أرقم  قال:”قام رسول الله  يوماً فينا خطيباً بماء يدعى خُمَّا بين مكة والمدينة، فحمد الله، وأثنى عليه، ووعظ وذكر، ثم قال: أَلَا أَيُّهَا النَّاسُ: فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ: أَوَّلُهُمَا كِتَابُ اللَّهِ؛ فِيهِ الْهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ، وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمْ اللَّهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَه، قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ، وَآلُ عَقِيلٍ، وَآلُ جَعْفَرٍ، وَآلُ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُلُّ هَؤُلَاءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ”9.

4- ومن مظاهر حبه  حب أصحابه، ومعرفة فضلهم وقدرهم، والثناء عليهم بما هم أهله، والانتصار لهم ممن يؤذيهم وبغير الخير يذكرهم؛ فهم خير هذه الأمة بعد نبيها، ويكفي أنهم فازوا بشرف صحبة النبي ، وأن الله قد خصهم بهذا الشرف دون غيرهم من العالمين، فكانت لهم منزلة الصحبة التي لا تعادلها أي منزلة سواها في هذه الأمة.

وقد أثنى الله عليهم في كتابه في مواضع كثيرة منها قوله تعالى: وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (سورة التوبة:100)، وقال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ (سورة الفتح:18)، وقال تعالى: لِلْفُقَرَاء الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ۝ وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ۝ وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (سورة الحشر:8-10) فهذه الآيات وغيرها تتضمن الثناء على الصحابة، وتذكرهم بالخير وسابق الفضل، وعلو المنزلة، كما تبين حال من أتى بعدهم من المؤمنين بأنهم يستغفرون لهم، ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلاً لهم، وهذا هو شأن المؤمنين مع صحابة رسول ، ومن أتى بعدهم من صالح المؤمنين.

ولقد صدق عبد الله بن مسعود  في وصفهم حيث قال: “إن الله نظر في قلوب العباد فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، فاصطفاه لنفسه، وابتعثه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد  فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجلعهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن، وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيئ”10. فصار من لوازم محبة رسول الله  محبة صحابته وقرابته، وأهل بيته، ومعرفة فضلهم، والثناء عليهم بما هم أهله، والدفاع عنهم، وصون حرمتهم11.

هذه بعض من مظاهر حبه – عليه الصلاة والسلام -، وهناك مظاهر أخرى نكتفي بما ذكرنا منها؛ إذ المقام لا يتسع لذكر غيرها، فنسأل الله بمنه وكرمه أن يوفقنا لمتابعة عبده ورسوله محمد ، وأن يجعلنا ممن صدق في حبه وحب رسوله، ونسأله – جل وعلا -، أن يحشرنا غداً تحت لوائه.. اللهم اسقنا بيده الشريفة من حوضه شربة هنيئة لا نظمأ بعدها أبداً، إنك سميع مجيب.

والحمد لله رب العالمين.


1 رواه البخاري 2499 (9-201) ومسلم 3243 (9-119) واللفظ لمسلم.

2 تفسير ابن كثير (2-32).

3 رواه البخاري 3341 (11-442) ومسلم 1765 (5-299).

4 تفسير الطبري (22-208).

5 الصارم المسلول لابن تيمية (1-425).

6 تفسير الطبري (22-272).

7 رواه البخاري 450 (2-275).

8 أحكام القرآن لابن العربي (7-162).

9 رواه مسلم 4425 (12-134).

10 رواه أحمد 3418 (7-453).

11 مستفاد بتصرف من كتاب محبة الرسول بين الاتباع والابتداع لـ(عبد الرؤوف محمد عثمان).