Share |

حدث وتعليق

الوحدة الحقيقية

الوحدة الحقيقية

الحمد لله الواحد القهار، العزيز الغفار، مقدر الأقدار، مكور الليل على النهار، تبصرة لأولى القلوب والأبصار، الذي أيقظ من خلقه من اصطفاه فأدخله في جملة الأخيار، وفق من اختار من عبيده فجعله من الأبرار، أحمده حمداً على جميع نعمائه، وأسأله المزيد من فضله وكرمه، وأشهد أن لا إله إلا الله إقراراً بوحدانيته، واعترافاً بما يجب على الخلق كافة من الإذعان لربوبيته، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وحبيبه المصطفى من خليقته، وأكرم الأولين والآخرين من بريته، أما بعد:

فإن الوحدة الإسلامية مقصد من المقاصد الكبرى في التشريع الإسلامي، ولا شك أن هذا المفهوم مقتبس من توحيد الله عز وجل، وأن هذه الأمة أمة توحيد واتحاد، واقرأ قوله تعالى: {إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ}1، وفي آية أخرى: {وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ}2.

إن المتأمل في هذا الشهر الكريم، يَبِينُ له أنه معين للمسلمين على الاعتصام بحبل الله، ويدفعهم إلى اتخاذ الوسائل المشروعة، التي تجمع كلمتهم على الحق، وتقوي رابطتهم، وتحقق أخوتهم، وتجعلهم يتعاونون على البر والتقوى، كما يدعوهم إلى اجتناب كل وسيلة تحدث بينهم الفرقة والتنازع المؤدي إلى فشلهم وذهاب ريحهم، فهو شهر الوحدة الحقيقية العظيمة.

إن الأمة الإسلامية الآن تعاني من تفكك وتشرذم واختلال ليس بعده اختلال، حتى إن من يرى حالها يحسب أنها لا تملك من أمر نفسها شيئًا، وأنها لا حول لها ولا طول، وإن كان الأمر خلاف ذلك تماماً؛ فهي تملك الحول والطول، بل وإن ما يحيكه لها أعداؤها من مكر وخديعة لن ينال منها إن هي اتقت وصبرت {وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ لاَ يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ}3، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}4. ومن النفحات الرمضانية نستمد العلاج لما يحل بالأمة من أدواء؛ ففي رمضان نزل القرآن الذي من عمل به فلن يضل أبدا، فهو دستور الأمة، والذي أنزله هو خالقها ورازقها ومدبر أمورها، {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا}5، وما أبلغ القرآن، فقال: "شفاء" وهو النتيجة النهائية التي ليس معها احتمال، فلم يقل: "دواء"؛ لأن الدواء قد يشفي وقد لا يشفي.

والخطاب القرآني صالح لكل زمان ومكان، فهو {ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ}6. وهو خطاب لا يفرق بين جنس وجنس، ولا بين قوم وقوم، ولا ديار وديار، إذاً هو دستور الوحدة الإسلامية، وصمام أمانها.

ولذا فعلينا كما كنا حريصين على قراءة القرآن في رمضان؛ أن نأخذ منه العبرة والعزة، وقرآننا يحضنا على الوحدة على العمل للدين.

مظاهر الوحدة الحقيقية:

ومما يعين المسلمين على الاجتماع والائتلاف في شهر رمضان المبارك، المظاهر الآتية:

المظهر الأول: اهتمام عامة المسلمين بدخول شهر رمضان وخروجه:

إن المسلمين في كل أنحاء الأرض، يهتمون بدخول شهر رمضان وخروجه؛ حرصاً منهم على عدم فوات يوم من أيامه؛ لذلك تجد كثيراً منهم يتطلعون إلى رؤية هلاله، في نهاية اليوم التاسع والعشرين من شهر شعبان، وهلال شهر شوال في نهاية اليوم التاسع والعشرين من شهر رمضان، ويسأل بعضهم بعضاً عن رؤيته، وعلماء الفلك يجتهدون في الحساب الذي يثبتون به دخول الشهر وخروجه، بل تجد الحكومات في الشعوب الإسلامية، تهتم بذلك على أحد الوجهين، لتعلن لرعاياها دخول الشهر وخروجه.

وقد تداعى العلماء والمفكرون، بل وبعض حكومات الشعوب الإسلامية، إلى اتخاذ الأسباب التي توحد ابتداء الصيام ونهايته، وفي هذا الاهتمام الجماعي بدخول الشهر وخروجه، ما يدفع المسلمين شعوباً وحكومات إلى الاجتهاد في جمع كلمتهم وتعاونهم على مصالحهم.

المظهر الثاني: الاستبشار بدخول رمضان:

إن خطباء الجوامع في الشعوب الإسلامية يخصصون خطبهم في آخر جمعة من جمع شهر شعبان بقدوم رمضان وذكر فضائله وحث الناس على حسن استقباله واغتنام فرصة ما منحهم الله تعالى من بقائهم على الحياة؛ ليبلغوا بها الشهر الفضيل.

ثم إن المسلمين إذا ثبت عندهم دخول شهر رمضان، استبشروا بدخوله، ويسارع بعضهم بتهنئة بعض ويبشر بعضهم بعضاً في القرى والمدن والحارات، في الدولة الواحدة.

كما يهنئ بعضهم بعضاً في كل الدول، ويتبادلون الدعوات، بأن يوفق الله الجميع لصيامه وقيامه، ولا سيما في هذا العصر الذي كثرت فيه وسائل الاتصال، وتطورت تطوراً، يتيح للجميع التواصل السريع في كل أنحاء الأرض.

إن هذه العاطفة الجماعية التي يظهرها المسلمون بعضهم لبعض، أفراداً وأسراً وجماعات ودولاً، بدخول شهر رمضان من أهم الحوافز للتفكير الجاد في اتخاذ أسباب اجتماعهم واعتصامهم بحبل الله، للتعاون على تحقيق مصالحهم، ودفع المفاسد والمضار عن أمتهم.

 

المظهر الثالث: استعداد المسلمين لصيامه كباراً وصغاراً:

فترى المسلمين في الأرض كلها، يستعدون في أول ليلة من ليالي الشهر، لصيام هذا الشهر الكريم، فرحين مسرورين، كباراً وصغاراً، فيحضر رجالهم ما تحتاج إليه الأسرة من مؤن، وتعد نساؤهم طعام السحور المناسب المتاح، ويطلب صغارهم من الآباء والإخوان والأخوات أن يوقظوهم ليشاركوا الكبار في السحور والصيام.

 

المظهر الرابع: الإفطار الجماعي المهيب:

وتراهم عند الإفطار يتجمعون في المنازل والمساجد وأماكن العمل، منتظرين غروب الشمس، يحضر كل منهم ما تيسر له من تمر وطعام وشراب، ويحاول كل منهم أن يُفطِّر أخاه من طعامه، رغبة في الفوز بأجر (من فطر صائماً كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيئاً).7

والناظر إلى حال بعض المشاهد في بعض المساجد وهو ينظر إلى ذلك المظهر ذلك التجمع الإسلامي المهيب، الذي يتسابق فيه المسلمون بمد سُفَرهم من بعد صلاة العصر، ويعين أهل كل سفرة عدداً من شبابهم، أو من أجرائهم، لمد السفرة وحراسة مكانها، وإعدادها بالتمر والماء واللبن وشيء من أنواع الخبز، والقهوة.

ثم يرسل صاحب كل سفرة أولاده الصغار، لدعوة الناس إلى حضور سفرته، فتجدهم يلحون على كل من يرونه يريد الدخول إلى المسجد، على أن يشارك في الإفطار معهم، وتجد في ساحات المسجد الخارجية، من يحضر طعام العشاء الكافي للمحتاجين من الناس من الأرز واللحم وأنواع العصيرات.

وقبل أذان المغرب تجد المسجد كله، قد فرش بسفر الإفطار، والناس من كل أقطار الأرض، قد تحلقوا على تلك السفر، من البلدان الإسلامية، من إندونيسيا شرقاً، إلى موريتانيا غرباً، ومن عدن جنوباً إلى بلدان آسيا الوسطى شمالاً، ومن غير البلدان الإسلامية، من الولايات المتحدة إلى اليابان، كلهم ينتظر رفع الأذان ليعبد الله بتناول طعامه، كما عبد الله بصيامه، منهم القارئ، ومنهم من يرفع يديه إلى السماء، يدعو الله بما يشاء.

ومع تلك الأعداد الهائلة التي تمتلئ بها المساجد، تجد من الوقار والسكينة، ما قد يعز وجوده في أي تجمع آخر غير هذا التجمع الإسلامي العظيم.

المظهر الخامس: صفوف المصلين: هذه الصفوف التي تغص بها مساجد الله في هذا الشهر الكريم، الذي يحرص المسلمون فيه على ارتياد المساجد، في الصلوات الخمس، وفي صلاة التراويح التي تمتلئ بها تلك المساجد، وبخاصة المسجد الحرام ومسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، اللذين لا يكاد يجد -من لم يأت إليهما مبكراً- موضع قدم يصلي فيه، حتى إن المصلي ليضطر أن يسجد على جسد مصلٍّ آخر، لشدة الزحام، وهم أيضاً قد تجمعوا من جميع أقطار الأرض.

وتراهم جميعاً يصطفون وراء إمام واحد، يستمعون تلاوته لكتاب الله، ويتبعونه في قيامه وقعوده، وركوعه وسجوده، لا يتقدمون عليه ولا يتأخرون، حتى يسلموا بسلامه.

إنك عندما تشاهد هؤلاء البشر الذين تجمعوا من مشارق الأرض ومغاربها، في هذه المساحة الضيقة المباركة، ولم يجمعهم هنا إلا هذا الدين العظيم، بمناسبة هذا الشهر الكريم، وكل واحد منهم مغتبط مسرور بوجوده بجنب أخيه المسلم الذي يبادله تلك الغبطة وذلك السرور، إنك عندما تشاهد ذلك، ليمتلئ قلبك بالفرح والسرور، وتكاد تجزم أن هذه الأمة قابلة لتجتمع على كلمة الحق، وتتوحد على كلمة التوحيد، وتعود أمة واحدة، كما كانت في فترة طويلة من الزمن، وأنه لا ينقصها إلا من يرفع لها راية الاعتصام بحبل الله، لتقول له: لبيك يا داعي الحق والخير!

وتجزم كذلك بأن الذين تولوا كبر هذا التفرق والتصدع الذي حل بهذه الأمة، إنما هم غالب قادتها الذين تولوا أمرها، من الحكام والعلماء والأعيان، ممن عندهم قدرة على اتخاذ أسباب وحدتهم وتعاونهم، وعلى البعد عن أسباب فرقتهم وتصدعهم، ثم آثروا الأخذ بأسباب الفرقة على أسباب الوحدة والاجتماع.

وإنك لتعجب من تنازع كثير من الجماعات الإسلامية، وعدم اتخاذ زعمائها الأسباب المؤدية إلى تعاونها والتنسيق بينها في نشاطاتها، بالعودة إلى توجيه كتاب ربها وسنة نبيها، لتحتكم إليهما فيما اختلفت فيه من الحق، ليتآخى أتباعها ويتعاونوا على البر والتقوى، ويقفوا صفاً واحداً في جلب ما ينفع أمتهم، ودفع ما يضرها، كما يقفون كلهم صفاً واحداً وراء أئمتهم في الصلاة.!

كما تعجب من افتخار حكومات الشعوب الإسلامية، الذي تدوي به أصوات المذيعين، وتنشره أقلام الكتاب والصحفيين، بكثرة أعلامهم التي تزيد عن خمسين علماً، لأكثر من خمسين دولة.!

وتتجاور تلك الأعلام في كثير من المناسبات، وبخاصة اجتماعات دول منظمة المؤتمر الإسلامي، التي تجمع زعماءهم كاميرات التصوير، ويفرقهم عدم الاستجابة لما يحييهم به الله في كتابه المنير.!

ومن هنا نرى أمتنا تتقاذفها قوى الشر والعدوان، وليس لها من دون الله إلا الذل والهوان.

وإنا لنأمل في أن يكون لصيام شهر رمضان وقيامه، أثره الفعَّال في اتخاذ المسلمين -كل في موقعه- الأسبابَ الجامعةَ لهم على كلمة الحق، والاجتهاد في ترك الأسباب التي تفرقهم وتصدع صفوفهم، فمن أهمَّ حِكَم الصوم أنه يؤدي بالصائم الصادق إلى تقوى الله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}8.

هذا وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.9


1 (92) سورة الأنبياء.

2 (52) سورة المؤمنون.

3 (120) سورة آل عمران.

4 (105) سورة المائدة.

5 (82) سورة الإسراء.

6 (87) سورة ص.

7 رواه الترمذي برقم (807) وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1078).

8 (183) سورة البقرة.

9 أكثر هذا الموضوع مستفاد من المصدر: http://www.al-rawdah.net بتصرف.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.06479