Share |

أحكام المسجد

ملكية المسجد

 

ملكية المسجد

 

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على رسوله الأمين, وعلى آله وصحبه أجمعين, وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين... أما بعد:

من المعلوم أن الله -سبحانه وتعالى- مالك الملك، وله كل شيء، لكنه  -جل جلاله وتبارك اسمه- اقتضت حكمته أن يختص من شاء من عباده بأرزاق يملكونها؛ ومن ذلك الأراضي ونحوها. والمسجد من جهة كونه أرضاً في الأصل إما أن تكون أرضه مملوكة للآدميين, أو لم تصل إليها أيديهم بعد, وإذا كانت مملوكة للآدمي ثم وقفها مسجداً، فإنها تخرج من ملكه، وإن كانت غير مملوكة أصلاً لآدمي ثم بُني عليها مسجد، فإنها تكون محررة من أملاك العباد ببناء هذا المسجد,وسيكون الحديث في هذه السطور عن شيء من أحكام الوقف المتعلق بملكية المسجد وبعض ما يتعلق بها من أحكام فنقول:

الوقف في اللغة: هو التحبيس, وعرفه بعض الفقهاء بما يلي:

1- قال في مغني المحتاج: "حبس مال يمكن الانتفاع به، مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود"1.

2- قال في الإنصاف: الوقف: "تحبيس مالك مطلق التصرف مالَه المنتفع به مع بقاء عينه بقطع تصرف الواقف في رقبته، يصرف ريعه إلى جهة بر، تقرباً إلى الله تعالى2.

3- وقال في حاشية الروض المربع: "تحبيس مالك مطلق التصرف ماله المنتفع به، وتسبيل منفعته من غلة وثمرة وغيرها"3. ومعاني هذه التعريفات متحدة، وإن اختلف لفظها.

ويجوز وقف الأرض المملوكة لتكون مسجداً، وكذا لو كانت مبنية، وهذا الوقف من أعمال البر المرغب فيها شرعاً، وحين توقف الأرض مسجداً فإن لهذا الوقف أحكاماً منها:

الحكم الأول: إذا أوقفت الأرض أو الأرض وما عليها من بناء مسجد، فهي حق مشترك لجميع المسلمين بإجماع الأمة كما حكاه ابن العربي4, وتكون خارجة من ملك صاحبها لينتفع بها المسلمون، وتضاف إلى الله تعالى إضافة تشريف وتكريم.

الحكم الثاني: إذا أذن للناس بالصلاة في مكان من ملكه، فهل إذنه يعتبر وقفاً أم لا بد من لفظه بلسانه بالوقف؟

اختلف العلماء -رحمهم الله تعالى- في ذلك على قولين:

القول الأول: أن المكان يصير وقفاً إذا نواه كذلك، ولو لم ينطق بالوقف، إذا أذن للناس بالصلاة فيه, وبهذا قال مالك وأحمد.

القول الثاني: أنه لا يصير وقفاً حتى يتلفظ بالوقفية, وبه قال أبو حنيفة والشافعي.

 

الأدلـة:

استدل الأولون بأن شرط صحة الوقف تسليمه للناس، وهذا قد سلمه لهم والقرائن تدل على أنه أوقفه، وقد نوى ذلك فصح وقفه.

واستدل الآخرون: بأنه إذا قال: جعلته لله مسجداً، أو تلفظ بأي لفظ يدل على الوقف، فقد أسقط حقه بهذا اللفظ، فصار كالإعتاق خالصاً لله تعالى.

الحكم الثالث: لا يحتاج وقف الأرض، أو الأرض وما عليها من بناء لتكون مسجداً إلى حكم حاكم باتفاق, وله الرجوع في وقفه للمسجد ما لم يسلمه للناس عند الإمام أحمد؛ لأن الهبة تملك بالقبض, فإن حكم به حاكم فليس له الرجوع باتفاق الأئمة, وإذا تم وقفه بلفظه أو بحكم حاكم، فقد تحررت ملكية المسجد من حقوق العباد.

الحكم الرابع: يجوز وقف المسجد وإن كان من جزء مشاع، باتفاق الأئمة؛ لأن عمر -رضي الله عنه- وقف مائة سهم بخيبر، فأقره النبي -صلى الله عليه وسلم5.

 وقال محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة: "لا يصح وقف المشاع؛ لأنه لا يمكن تسليمه، ولم يفرزه". والحقيقة أن المشاع يمكن قسمته، ويصح بيعه؛ لأنه يؤول إلى معلوم فهكذا الوقف.

الحكم الخامس:لا يشترط البناء على الأرض ليصح وقفها مسجداً، بل وقفها صحيح، ولو لم يبن عليها مسجد إلا بعد حينٍ من وقفها؛ بدليل أن النبي -صلى الله عليه وسلم- لم يقل للملأ من بني النجار لما قالوا: لا والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله إن الوقف لا يصح، لكنه -صلى الله عليه وسلم- عطف على اليتيمين فأعطاهما ثمنه، ولم يبين وقتها أن وقف الأرض مسجداً يشترط له البناء.

الحكم السادس: لا يصح وقف الأرض مسجداً، أو البناء مسجداً، إلا إذا هيأه للناس، ومكنهم من الانتفاع به، إما ببنائهم للأرض مسجداً، أو تمكينهم من الصلاة فيها، وفيما أوقفه مبنياً, ولا يشترط عند الجمهور أن يتسلمه أحد, أما أبو حنيفة وصاحبه محمد بن الحسن، فقد اشترطا تسليمه، واختلفا في صفة التسليم على الرواية الثانية عن أبي حنيفة، فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: إنه يشترط الصلاة به جماعة, وقال أبو حنيفة في رواية عنه: إذا صلى فيه واحد يصير مسجداً وإن لم يصل به جماعة.

الأدلـة:

دليل الرواية الأولى وقول محمد بن الحسن:أن تمام التبرع بحصول المقصود به كالصدقة، والمقصود من المساجد إقامة الصلاة جماعة فيها؛ لأن جميع وجه الأرض موضع الصلاة، وإنما تبنى المساجد لإقامة الصلاة فيها بالجماعة، فلا تصير مسجداً قبل حصول هذا المقصود".

ودليل قول أبي حنيفة في الرواية الثانية: أن المقصود كون المسجد موضع السجود، وقد حصل ذلك بالصلاة فيه منفرداً كان أو بجماعة، والواحد من المسلمين ينوب عن جماعتهم فيما هو حقهم، فتجعل صلاة الواحد فيه كصلاة الجماعة.

المناقشة:

الأحناف -رحمهم الله تعالى- يوافقون الجمهور -رحمهم الله- على أن الوقف إذا حكم به حاكم شرعي فلا رجعة فيه، وإذا أفرزه عن ملكه ومكن الناس منه، وتلفظ بالوقف، فقد صح الوقف، وليس له الرجوع، لكن الوقف لا يتم الانتفاع به إلا إذا صلى المسلمون فيه، فهذا من تمام حصول الوقف، وظهور منفعته للمسلمين، لا من شروط صحته.

الحكم السابع: بيت الشعر (الخيمة ونحوها): لو جعله مسجداً وأوقفه فإنه لا يصح وقفه؛ لعدم استقراره؛ ولأنه مما يتلف، فلا يدوم الانتفاع به زمناً طويلاً.

الحكم الثامن: لا يصح أن يؤجر أحد المسجد، ولا جزءاً منه لمن ينتفع به في غير أوقات الصلاة، ولا يصح استئجار أرض أو بيت لتكون مسجداً موقوفاً, وبه قال مالك وغيره.

الحكم التاسع: إذا أوصى بوصايا وبعمارة مسجد ووقفه، فيقسم ثلث ماله على ما أوصى به جميعاً، ويأخذ المسجد نصيبه بالمحاصة؛ إذا لم يعين للمسجد مبلغاً معينا من ماله؛ لأن الوصية للمسجد صحيحة.

الحكم العاشر: هل يجوز للكافر أن يقف أرضاً أو بناء لتكون مسجداً؟

اختلف في هذا على قولين:

القول الأول: يصح وقف الكافر للمسجد, وبهذا قال الجمهور.

القول الثاني: لا يصح وقف الكافر للمسجد, وبه قال بعض المالكية.

الأدلـة:

استدل الجمهور بأن الوقف صدر ممن يصح تبرعه، وليس هو قربة محضة، والكافر يصح بيعه وشراؤه فوقفه كذلك.

واستدل بعض المالكية: بأن الوقف عبادة؛ لأن الواقف إنما يرجو الثواب، والكافر لا تقبل منه هذه العبادة مع كفره بالله تعالى.

المناقشة:

يمكن القول بتفصيل الأمر هنا كالتالي:

إن كان الكافر إنما يوقف المسجد لأهداف خبيثة، وأغراض سيئة، فوقفه لا يصح، وينبغي هدم ما يبنيه المشركون لهذا الغرض، كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مسجد الضرار, وينبغي ألا يتولى المساجد إلا أهلها المسلمون.

وإن كان الكافر إنما أوقف المسجد براً بعشيرته وإحساناً إليهم، فهو هبة منه للمسلمين صحيحة بإذن الله تعالى, والمسلمون هم المستفيدون منها بجعلها مسجداً.

الحكم الحادي عشر: إذا ظهر شخص يدعي ملكية المسجد بعد بنائه، أو كان له حق الشفعة، أو كان للبائع حق استرداد المبيع أرضاً أو أرضاً وبناء، فإن وقفية المسجد تبطل لكونه أوقف ما لا يملك التصرف فيه، فإن أجازه صاحب الحق صح الوقف.

قال في المدونة: "قلت: أرأيت لو أن رجلاً بنى داره مسجداً ثم يأتي رجل فيستحقها، أيكون له أن يهدم المسجد؟ قال: له أن يهدمه"6.

وقال في المجموع: "وإن صالحه لنفسه فقال: أنا أعلم أنه لك فصالحني فأنا أقدر على أخذه صح الصلح"7.

وقال في شرح فتح القدير: "لو اشترى داراً لها شفيع فجعلها مسجداً، كان للشفيع أن يأخذها بالشفعة، وكذا إذا كان للبائع حق الاسترداد، وكان له أن يبطل المسجد"8.

وقال أبو حنيفة -رحمه الله- بوجوب القيمة على المدعى عليه، أي: أن طالب الشفعة أو صاحب الحق ليس له أن يبطل المسجد.

والله أعلم, وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم, والحمد لله رب العالمين9.


 

1 مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج لـ(محمد الشربيني الخطيب) - (10/87).

2 الإنصاف لـ(حسن بن علي المرداوي المقدسي الحنبلي) (10/455).

3 من كتاب أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية نقلاً  عن كتاب: حاشية الروض المربع لابن قاسم ( 5/531).

4 أحكام القرآن لابن العربي ( 1 / 33 ) ، ( 4 / 1868 ) .

 5رواه النسائي -3547- (11/370) وصححه الألباني في سنن النسائي برقم (3604).

6 المدونة - (13/129).

7 المجموع للنووي (13/389).

8  فتح القدير لـ(.......) (14/134).

9 استفيد الموضوع من كتاب: أحكام المساجد في الشريعة الإسلامية - (ج 1 / ص 78)

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02166