دروس / حديث

صيام رمضان سبب لمغفرة ما تقدم من

 

صيام رمضان سبب لمغفرة ما تقدم من الذنوب

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن الواجب عليك -أيها الصائم- أن تصوم رمضان كما أراد الله لتحصل على الثمرة العظمى التي من أجهلها شرع الصيام، وهي تحقيق التقوى، وذلك بأن تصوم رمضان إيماناً واحتساباً طاعة لله ورجاء مغفرة ذنوبك؛ فقد جاء في الحديث المتفق على صحته: عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه).

 

شرح الحديث:

قوله: (من صام رمضان) صيغة من صيغ العموم، فيعم كل من صام رمضان رجلاً أو امرأة.

وليس المقصود الذي شرع من أجله الصيام أن تتعب نفسك فتجوع وتعطش بامتناعها عن تناول بعض الملذات المباحة؛ وإنما المقصود الذي شرع من أجله الصيام: تحقيق تقوى الله تعالى، كما قال سبحانه: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ1.

إذن المقصود الذي من أجله شرع الصيام: تحيق تقوى الله، وتقوى الله كلمة جامعة؛ تعني اختصاراً: فعل ما أمر الله ورسوله، وترك ما نهى الله عنه ورسوله.

 

ومن ذلك أن الصيام شرع لتهذيب النفوس، والتخلي عن رذائل الأعمال، وسفاسف الأخلاق؛ ولهذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ليس الصيام من الأكل والشرب، إنما الصيام من اللغو والرفث)2.

وليس المقصود من الصيام الجوع والظمأ بل التهذيب والتأديب، يقول ابن القيم:

"لما كان المقصودُ مِن الصيام حبسَ النفسِ عن الشهواتِ، وفِطامَها عن المألوفات، وتعديلَ قوتها الشهوانية، لتستعِدَّ لطلب ما فيه غايةُ سعادتها ونعيمها، وقبول ما تزكو به مما فيه حياتُها الأبدية، ويكسِر الجوعُ والظمأ مِن حِدَّتِها وسَوْرتِها، ويُذكِّرها بحال الأكبادِ الجائعةِ من المساكين، وتضيق مجارى الشيطانِ من العبد بتضييق مجارى الطعام والشراب، وتُحبس قُوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرُّها في معاشها ومعادها، ويُسكِّنُ كُلَّ عضوٍ منها وكُلَّ قوةٍ عن جماحه، وتُلجَمُ بلجامه، فهو لجامُ المتقين، وجُنَّةُ المحاربين، ورياضة الأبرار والمقرَّبين، وهو لربِّ العالمين مِن بين سائر الأعمال، فإن الصائم لا يفعلُ شيئاً، وإنما يتركُ شهوتَه وطعامَه وشرابَه من أجل معبوده، فهو تركُ محبوبات النفس وتلذُّذاتها إيثاراً لمحبة اللَّه ومرضاته، وهو سِرٌّ بين العبد وربه لا يَطَّلِعُ عليهِ سواه، والعبادُ قد يَطَّلِعُونَ منه على تركِ المفطرات الظاهرة، وأما كونُه تركَ طعامَه وشرابَه وشهوتَه من أجل معبوده، فهو أمرٌ لا يَطَّلِعُ عليه بَشرٌ، وذلك حقيقةُ الصوم"3.

 

وقد ذكر العلماء أن الصائمين الذين يؤجرون على الصيام طبقتان: إحداهما: من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله -تعالى- يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله وعامله، والله تعالى يقول: لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا4. ولا يخيب معه من عامله بل يربح عليه أعظم الربح..

فهذا الصائم يعطى في الجنة ما شاء الله من طعام وشراب ونساء، قال الله -تعالى-: كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ5. قال مجاهد وغيره: "نزلت في الصائمين".

وعن سهل -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (إن في الجنة بابا يقال له: الريان يدخل منه الصائمون يوم القيامة لا يدخل منه أحد غيرهم، يقال: أين الصائمون؟ فيقومون لا يدخل منه أحد غيرهم، فإذا دخلوا أغلق فلن يدخل منه أحد)6.

الطبقة الثانية من الصائمين: من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى، ويحفظ البطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا، فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه، وفرحه برؤيته:

أهل الخصوص من الصوام صومهم            صون اللسان عن البهتان و الكذب

والعارفون وأهل الإنس صومـهم            صون القلوب عن الأغيار والحجب

من صام عن شهواته في الدنيا أدركها غدا في الجنة، ومن صام عما سوى الله فعيده يوم لقائه من كان يرجوا لقاء الله فإن أجل الله لآت.

وقد صمت عن لـذات دهـري            كلها ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي7.

وقوله: (من صام رمضان) الأجر يعم إذا كان الشهر مكتملاً أو ناقصاً، يقول النووي بعد أن ساق حديث: (من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه). وحديث: (من قام رمضان إيماناً واحتساباً)8. "فكل هذه الفضائل تحصل سواء تم عدد رمضان أم نقص"9.

قوله:(إيماناً واحتساباً) يعني إيمانا بالله ورضا بفرضيَّة الصوم عليه، واحتسابا لثوابه وأجره, ولم يكن كارها لفرضه ولا شاكًّا في ثوابه وأجره, فإن الله يغفر له ما تقدم من ذنبه10.

قوله: (غفر له ما تقدم من ذنبه) هذا هو جواب الشرط؛ فمن صام رمضان على الوجه المطلوب شرعاً مؤمناً بالله وبما فرضه الله عليه ومنه عبادة الصيام، ومحتسباً للثواب والأجر من الله، فإن المرجو من الله أن يغفر له ما تقدم من ذنوبه.

وجاء في رواية عند أحمد زيادة: (غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر). ولكن هذه الزيادة شاذة، كما قال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "رواه أحمد بإسنادين الأول حسن، والثاني مرسل ضعيف. ثم زيادة: "وما تأخر" شاذة تفرد بها حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو"11.

وعلى كل فإن الله قد وعد من صام رمضان كما أراد الله قائماً بما يجب عليه، تاركاً ما نهى الله عنه، مؤمناً بفرضيته، وبما أعد الله لمن صامه من الأجر والثواب، ومحتسباً ذلك عند الله، فإن الله يكرمه بمغفرة ما تقدم من الذنوب.

 

مسألة هامة:

ذكرنا أن الصيام يكفر الله به ما تقدم من الذنوب، فهل المقصود بتكفير الذنوب أنه يكفر الذنوب جميعاً صغائر وكبائر، أما الصغائر فقط؟، وكذلك بقية النصوص التي فيها الإشارة إلى مغفرة ما تقدم من الذنوب..

المعلوم من كلام أهل العلم: أنه لا تُكفَّر سوى الصغائر. وأما الكبائر فلابد لها من التوبة؛ لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من لم يتب ظالماً، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدي إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة وأداء بقية أركان الإسلام لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع.

 

وأيضاً فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض..

بل حكى ابن عبد البر في كتابه: "التمهيد" إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث منها؛ قوله صلى الله عليه وسلم: (الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان؛ مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر)12.

ومما يستدل به أيضاً على أن الأعمال لا تكفر الكبائر، بل لابد لها من توبة خاصة؛ حديث عثمان -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما من امرئ مسلم تحضره صلاة مكتوبة، فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم يؤت كبيرة، وذلك الدهر كله)13.

 

وجاء في حديث سلمان الفارسي-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لا يتطهر رجل مسلم -يعني يوم الجمعة- ثم يمشى إلى المسجد ثم ينصت حتى يقضى الإمام صلاته إلا كان كفارة لما بينها وبين الجمعة التي بعدها ما اجتنبت المقتلة)14. فهذه النصوص تدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض، والنوافل، بل لابد لها من توبة خاصة.

 

وذهب قوم من أهل الحديث وغيرهم إلى أنّ هذه الأعمال تكفر الكبائر، ومنهم ابن حزم الظاهري، وإياه عني ابن عبد البر في كتاب: "التمهيد" بالرد عليه، وقال: "قد كنت أرغب بنفسي عن الكلام في هذا الباب لولا قول ذلك القائل، وخشيت أن يغترّ به جاهل، فينهمك في الموبقات اتكالاً على أنها تكفرها الصلوات دون الندم والاستغفار والتوبة، والله أسأله العصمة، والتوفيق"15.

 

وقول ابن حزم هذا لم يسبقه إليه أحد قبله، ولو ترك الأمر كما ذهب إليه لأوبق الناس أنفسهم في الشرور دون استشعار إثم أو ندم على جريمة، ولاكتفوا بمثل هذه المبشرات ونسوا التوبة. قال عز وجل: وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ16.

والله نسأل أن يجعلنا من أهل التقوى، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة.

اللهم اغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا، وما أعلنا وما أسررنا، وما أنت أعلم به منا.

اللهم استرنا بسترك، واحفظنا بحفظك، وارحمنا برحمتك، وأسكنا فسيح جنتك، ومتعنا بالنظر إلى وجهك.

سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك.

 

1 سورة البقرة(183).

2 رواه الحاكم في المستدرك، وصححه الألباني في صحيح الجامع (5376).

3 زاد المعاد (2/ 28) ط: مؤسسة الرسالة –  مكتبة المنار الإسلامية. الطبعة السابعة. (1405هـ).

4 سورة الكهف(30).

5 سورة الحاقة(24).

6 رواه البخاري ومسلم.

7 راجع: لطائف المعارف، صـ(168).

8  رواه البخاري ومسلم.

9 المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج(7/199). الناشر: دار إحياء التراث العربي- بيروت. الطبعة الثانية (1392هـ).

10 انظر: مجالس شهر رمضان، صـ(12).

11  مسند الإمام أحمد بن حنبل(2/385). رقم الحديث(8989). الناشر: مؤسسة قرطبة- القاهرة.  الأحاديث مذيلة بأحكام شعيب الأرنؤوط عليه.

12  أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.

13 رواه مسلم.

14 رواه أحمد، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "حديث صحيح".

15 التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد(4/49). الناشر: وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب (1387هـ). تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي- ‏محمد عبد الكبير البكري.

16 سورة الحجرات(11).