Share |

دروس / فقه

أنواع المناسك في الحج

أنواع المناسك في الحج

 

الحمد لله الذي بعث محمداً -صلى الله عليه وسلم- بالهدى ودين الحق رحمة للعالمين، وقدوة للعاملين، وحجة على العباد أجمعين، وجعل دينه مبنياً على تحقيق العبادة لله رب العالمين، ميسراً سمحاً سهلاً، لا حرج فيه ولا مشقة ولا تضييق ولا تعسير، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له العلي القدير، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله البشير النذير, صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلَّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين..

أما بعد:

فهذه نبذة مختصرة عن مناسك الحج والعمرة, نسأل الله أن ينفع بها الجميع, فنقول وبالله التوفيق: أنواع الأنساك ثلاثة:

الأول: التمتع بالعمرة إلى الحج، وهو أن يُحرم في أشهر الحج بالعمرة وحدها، ثم يفرغ منها بطواف السعي وتقصير، ويحل من إحرامه، ثم يحرم بالحج في وقته من نفس العام.

الثاني: القِران؛ وهو أن يحرم بالعمرة والحج جميعاً، أو يُحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها, فإذا وصل إلى مكة طاف طواف القدوم، وسعى بين الصفا والمروة للعمرة والحج سعياً واحداً، ثم استمرّ على إحرامه حتى يُحل منه يوم العيد.

ويجوز أن يؤخر السعي عن طواف القدوم إلى ما بعد طواف الحج، لا سيما إذا كان وصوله إلى مكة متأخراً وخاف فوات الحج إذا اشتغل بالسعي.

الثالث: الإفراد؛ وهو أن يُحرم بالحج مفرداً، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم، وسعى للحج، واستمر على إحرامه حتى يحل منه يوم العيد, ويجوز أن يؤخر السعي إلى ما بعد طواف الحج كالقارن. وبهذا تبين أن عمل المُفرد والقارن سواء، إلا أن القارن عليه الهديُ لحصول النُّسُكين له دون المفرد1.

أي أنواع النسك أفضل؟

اختلف الفقهاء في الأفضل من هذه الأنواع, فذهبت الشافعية إلى أن الإفراد والتمتع أفضل من القران، إذ أن المفرد أو المتمتع يأتي بكل واحد من النسكين بكمال أفعاله, والقارن يقتصر على عمل الحج وحده. وقالوا في التمتع والإفراد قولان: أحدهما أن التمتع أفضل، والثاني أن الإفراد أفضل.

وقالت الحنفية: القران أفضل من التمتع والإفراد, والتمتع أفضل من الإفراد.

وذهبت المالكية إلى أن الإفراد أفضل من التمتع والقران.

وذهبت الحنابلة إلى أن التمتع أفضل من القران ومن الإفراد, وهذا هو الأقرب إلى اليسر، والأسهل على الناس2. وهو الذي تمناه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لنفسه وأمر به أصحابه.

والأرجح عند أكثر أهل العلم -والله أعلم- أن أفضل هذه الأنواع التمتع؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلّم- أمر به أصحابه وحثهم عليه، بل أمرهم أن يُحولوا نية الحج إلى العمرة من أجل التمتع. فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ مُتْعَةِ الْحَجِّ فَقَالَ: "أَهَلَّ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَزْوَاجُ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَأَهْلَلْنَا فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (اجْعَلُوا إِهْلَالَكُمْ بِالْحَجِّ عُمْرَةً إِلَّا مَنْ قَلَّدَ الْهَدْيَ), فَطُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ"3.

وعَنْ جَابِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: "خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ مَعَنَا النِّسَاءُ وَالْوِلْدَانُ, فَلَمَّا قَدِمْنَا مَكَّةَ طُفْنَا بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ, فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحْلِلْ), قَالَ: قُلْنَا: أَيُّ الْحِلِّ؟ قَالَ: (الْحِلُّ كُلُّهُ) قَالَ: فَأَتَيْنَا النِّسَاءَ وَلَبِسْنَا الثِّيَابَ وَمَسِسْنَا الطِّيبَ, فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ أَهْلَلْنَا بِالْحَجِّ"4.

وفي رواية له عن عَطَاء قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا- فِي نَاسٍ مَعِي قَالَ: "أَهْلَلْنَا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِالْحَجِّ خَالِصاً وَحْدَهُ, قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: "فَقَدِمَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- صُبْحَ رَابِعَةٍ مَضَتْ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ, فَأَمَرَنَا أَنْ نَحِلَّ, قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ: (حِلُّوا وَأَصِيبُوا النِّسَاءَ) قَالَ عَطَاءٌ: وَلَمْ يَعْزِمْ عَلَيْهِمْ, وَلَكِنْ أَحَلَّهُنَّ لَهُمْ, فَقُلْنَا لَمَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ عَرَفَةَ إِلَّا خَمْسٌ أَمَرَنَا أَنْ نُفْضِيَ إِلَى نِسَائِنَا فَنَأْتِيَ عرَفَةَ تَقْطُرُ مَذَاكِيرُنَا الْمَنِيَّ, قَالَ يَقُولُ جَابِرٌ بِيَدِهِ كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى قَوْلِهِ بِيَدِهِ يُحَرِّكُهَا, قَالَ فَقَامَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِينَا فَقَالَ: (قَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي أَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَصْدَقُكُمْ وَأَبَرُّكُمْ وَلَوْلَا هَدْيِي لَحَلَلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ وَلَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ فَحِلُّوا) فَحَلَلْنَا وَسَمِعْنَا وَأَطَعْنَا قَالَ عَطَاءٌ: قَالَ جَابِرٌ: فَقَدِمَ عَلِيٌّ مِنْ سِعَايَتِهِ فَقَالَ بِمَ أَهْلَلْتَ؟ قَالَ: بِمَا أَهَلَّ بِهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (فَأَهْدِ وَامْكُثْ حَرَامًا), قَالَ وَأَهْدَى لَهُ عَلِيٌّ هَدْيًا, فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ, أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَقَالَ: (لِأَبَدٍ)5.

فهذا صريح في تفضيل التمتع على غيره من الأنساك؛ لقوله -صلى الله عليه وسلّم-: (لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ), ولم يمنعه من الحِلِّ إلا سوقُ الهدي، ولأنّ التمتُّع أيسر على الحاج، حيث يتمتع بالتحلل بين الحج والعمرة، وهذا هو الذي يُوافق مُرادَ الله -عزّ وجل- حيث قال سبحانه: {يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (185) سورة البقرة.

هذا وقد يُحرم الحاج بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، ثم لا يتمكن من إتمامها قبل الوقوف بعرفة، ففي هذه الحال يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في طوافها ويصير قارناً، ولذلك مثالان:

المثال الأول: امرأةٌ أحرمت بالعمرة متمتعة بها إلى الحج، فحاضت أو نَفِست قبل أن تطوف، ولم تَطهر قبل وقت الوقوف بعرفة، فإنها تُحرم بالحج وتصير قارنة، وتفعل ما يفعله الحاج، غير أنها لا تطوف بالبيت، ولا تسعى بين الصفا والمروة حتى تطهر وتغتسل.

المثال الثاني: شخص أحرم بالعمرة متمتعاً بها إلى الحج، فلم يتمكن من الدخول إلى مكة قبل وقت الوقوف بعرفة، فإنه يُدخِلُ الحج على العمرة ويصير قارناً لتعذُّر إكمال العمرة منه.

ومن أحرم بالعمرة بعد دخول شوال وحج من العام الثاني، فلا هدي عليه أيضاً لأن العمرة في عامٍ والحج في عام آخر.

ولو أحرم بالعمرة في أشهر الحج وحل منها ثم رجع إلى بلده وعاد منه مُحرماً بالحج وحده لم يكن متمتعاً؛ لأنه أفرد الحج بسفر مستقل.

وأما القِران: فهو أن يُحرم بالعمرة والحج معاً، أو يُحرم بالعمرة أولاً ثم يُدخل الحج عليها قبل الشروع في طوافها كما سبق.

ولا يجب الهدي على المتمتع والقارن إلا بشرط ألَّا يكونا من حاضري المسجد الحرام، أي: لا يكونا من سكان مكة أو الحرم، فإن كانوا من سكان مكة أو الحرم فلا هدي عليهم لقوله تعالى:    {ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (196) سورة البقرة.

ويلزم الهدي أهل جُدّة إذا أحرموا بتمتع أو قِران؛ لأنهم ليسوا من حاضري المسجد الحرام. ومَن كان مِن سُكان مكة ثم سافر إلى غيرها لطلب علم أو غيره، ثم رجع إليها متمتعاً أو قارناً فلا هدي عليه؛ لأن العبرة بمحل إقامته ومسكنه وهو مكة.

أما إذا كان من أهل مكة ولكن انتقل للسكنى في غيرها ثم رجع إليها متمتعاً أو قارناً فإنه يلزمه الهدي، لأنه حينئذ ليس من حاضري المسجد الحرام.

ومتى عَدِمَ المتمتع والقارن الهدي أو ثمنه بحيث لا يكونُ معه من المال إلا ما يحتاجه لنفقته ورجوعه فإنه يسقط عنه الهدي، ويلزمه الصوم؛ لقوله تعالى: {فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} (196) سورة البقرة.

ويجوز أن يصوم الأيام الثلاثة في أيام التشريق؛ وهي اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة؛ لقول عائشة وابن عمر -رضي الله عنهم-: "لَمْ يُرَخَّصْ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَنْ يُصَمْنَ إِلَّا لِمَنْ لَمْ يَجِدْ الْهَدْيَ"6.

ويجوز أن يصومها قبل ذلك، بعد الإحرام بالعمرة إذا كان يعرف من نفسه أنه لا يستطيع الهدي، لقول النبي صلى الله عليه وسلّم : (دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)7. لكن لا يصوم هذه الأيام يوم العيد لحديث عائشة وأبي سعيد -رضي الله عنهما- أن رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- نَهَى عَنْ صَوْمَ يوميْنِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ الْأَضْحَى"8.

ويجوز أن يصوم هذه الثلاثة متوالية ومتفرقة، ولكن لا يؤخرها عن أيام التشريق, وأما السبعة الباقية فيصومها إذا رجع إلى أهله إن شاء متوالية، وإن شاء متفرقة، لأن الله سبحانه أوجبها ولم يشرط أنها متتابعة9.

جواز إطلاق الإحرام:

من أحرم قاصداً أداء ما فرض الله عليه، من غير أن يعين نوعاً من هذه الأنواع الثلاثة، لعدم معرفته بهذا التفصيل جاز وصح إحرامه.

قال العلماء: ولو أهلَّ ولبَّى كما يفعل الناس قاصداً للنسك، ولم يسم شيئاً بلفظه، ولا قصد بقلبه، لا تمتعاً ولا إفراداً، ولا قراناً، صح حجه أيضاً, وفعل واحداً من الثلاثة.10.

اللهم يسر لنا كل خير ومطلوب، واحفظنا من كل سؤ وشر ومرهوب، ومُنَّ علينا بالهدى والتقى، والعفاف والغنى، وغفر لنا في الآخرة والأولى.

وصلى الله على نبينا محمد, وعلى آله وصحبه وسلم, والحمد لله رب العالمين.


 1 نقلاً عن كتاب: مجموع فتاوى ابن عثيمين بتصرف.

2 وهذا الاختلاف مبني على اختلافهم في حج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والصحيح أنه كان قارناً لأنه كان قد ساق الهدي, كما ذكر ذلك أهل العلم.

3 أخرجه البخاري تعليقاً (5/477) ومسلم خارج صحيحه موصولاً وكذا الإسماعيلي في مستخرجه ومن طريقه البيهقي في سننه (5/23), وإسناده صحيح رجاله رجال الصحيح انظر كتاب: حجة النبي للعلَّامة الألباني  (1/87).

4 رواه مسلم -2128- (6/234).

5 رواه مسلم -2131- (6/237).

6 رواه البخاري -1859- (7/120).

7 رواه الترمذي -854- (4/9) وأحمد -2010- (5/42) انظر حديث رقم(3373) في صحيح الجامع.

8 رواه مسلم -1925- (5/490).

9   نقلاً عن كتاب: مجموع فتاوى ابن عثيمين.

10 فقه السنة لـ(سيد سابق) (1/657).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.08537