Share |

حدث وتعليق

صلاة التراويح

صلاة التراويح

 

الحمدُ لله ربِّ العالمين،والصلاة والسلام على المبعوثِ رحمةً للعالمين،محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أمَّا بعدُ:

فمما شرعه نبيُّ الهُدَى والرَّحمةِ محمَّد بن عبد الله-صلى الله عليه وسلم-لأُمَّته في شهر رمضان المباركِ صلاة التراويح،وهي من الأعمالِ الصَّالحةِ التي يُتقرَّبُ إلى الله-عَزَّ وجَلَّ- بها؛لأنها شرعها النَّبيُّ-صلى الله عليه وسلم-.

تَعْرِيْفُ التَّراويحِ:

التَّراويحُ جمع ترويحةٍ، وهيَ المرَّة الواحدة من الرَّاحةِ،تفْعِيلة منها مِثْل تَسْليمة من السَّلَام(1)، سُمِّيتْ بذلكَ؛لأنَّهم أول ما اجتمعُوا عليها كانُوا يستريحون بين كُلِّ تسليمتين،كما قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ-رحمه الله-(2)،فهي الصلاة التي تُصلَّى جماعة في ليالي رمضان،وتُعرَفُ كذلكَ بقيامِ رمضانَ.

حكمُها:

سُنَّةٌ مُؤكَّدةٌ(3).

دَلِيْلُ مشروعيَّتِهَا:

عن عائشة-رضي الله عنها-أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم-خرج ليلة من جوف الليل فصلى في المسجد،وصلى رجال بصلاته،فأصبح الناس فتحدثوا،فاجتمع أكثر منهم، فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة،فخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم-فصلوا بصلاته،فلمَّا كانت الليلةُ الرَّابعةُ عَجَزَ المسجدُ عن أهلِهِ حتى خرج لصلاة الصبح،فلمَّا قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد,ثم قال:(أمَّا بعد فإنه لم يخف عليَّ مكانكم،ولكني خشيتُ أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها فتُوفي رسول الله-صلى الله عليه وسلم-والأمر على ذلك(4).

ولما مات رسولُ الله-صلى الله عليه وسلم-وأُمن فرضها, أحيا هذه السُّنَّةَ عمرُ-رضي الله عنه-،فقد خرَّج البُخاريُّ في صحيحه عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري,أنه قال:(خرجت مع عمر بن الخطاب-رضي الله عنه-ليلةً في رمضان إلى المسجد,فإذا الناس أوزاعٌ مُتفرِّقُون،يُصلِّي الرجلُ لنفسِهِ،ويُصلِّي الرجلُ فيصلي بصلاتِهِ الرَّهطُ،فقال عمرُ: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئٍ واحدٍ لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أُبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أُخرى،والناس يصلون بصلاة قارئهم،قال عمر: نعم البدعة هذه،والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون-يريد آخر الليل- وكان الناسُ يقومون أوله)(5).

ومراد عمر بالبدعة هنا البدعة اللغوية، وإلا فهي سنةٌ سنَّها الرسولُ-صلى الله عليه وسلم- وأحياها عمر-رضي الله عنه-، فهي ليستْ بدعة أتى بها عمرُ من عنده,وليس لها أصل في الدين،بل هي سنة فعلها النبيُّ-صلى الله عليه وسلم-،وإنما تركها خشيةَ أن تُفرضَ على الأمَّةِ،كما هُو مُصرَّحٌ به في الحديث المتقدِّم.وفعلها الصحابةُ من بعده،وتلقَّتها الأُمَّةُ بالقَبولِ(6).

فضلها:

كان النَّبيُّ-صلى الله عليه وسلم- يحثُّ أصحابَهُ على قيام رمضان،ولكن لم يفرضْهُ عليهم فعن أبي هريرة-رضي الله عنه-,قال:(كان النبي-صلى الله عليه وسلم- يُرغِّبُ في قيام رمضان مِنْ غير أنْ يأمرهم بعزيمةٍ)(7)، وعنه -رضي الله عنه- أنه قـال: "سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول:(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)(8).

وقال -صلى الله عليه وسلم-: (من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة)(9).

وقتها:

من بعد صلاة العشاء إلى طلوع الفجر، وفعلها في آخر الليل أفضل من فعلها في أوله لمن تيسر له، واتفقوا عليه، لقول عمـر -رضي الله عنه-: (والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون)(10).

ولكن إذا كان المسلمون يصلونها في أول الليل فصلاة الرجل معهم جماعة أفضل من صلاته منفرداً.

عدد ركعاتها:

أفضل القيام في رمضان وغيره إحدى عشرة ركعة،وهو ما واظب عليه -صلى الله عليه وسلم-،كما صح عن عائشة -رضي الله عنها- وقد سئلت: كيف كانت صلاته -صلى الله عليه وسلم- في رمضان؟ فقالت:(ما كان يزيد في رمضان ولا في غيره عن إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي ثلاثاً)(11).

وإن زاد,فالأمرُ في ذلكَ واسِعٌ، قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: (له أن يصلي عشرين ركعة،كما هو مشهور من مذهب أحمد والشافعي،وله أن يصلي ستاً وثلاثين، كما هو مذهب مالك، وله أن يصلي إحدى عشرة ركعة وثلاث عشرة ركعة، وكلٌ حسن، فيكون تكثير الركعات أو تقليها بحسب طول القيام وقصره)(12).

ما يقرأ فيها:

لم تُحدَّ القراءة فيها بحدٍّ، وكان السلفُ الصالحُ يُطيلون فيها,واستحبَّ أهلُ العلم أن يختمَ القرآن في قيام رمضان ليسمع الناس كل القرآن في شهر القرآن، وكره البعض الزيادة على ذلك,إلا إذا تواطأ جماعة على ذلك فلا بأس به.

فقد روى مالك في الموطأ عن عبد الرحمن الأعرج,أنه قال : سمعتُ أبي يقول: كنا ننصرف في رمضان من القيام فنستعجل الخدم بالسحور مخافة الفجر(13).

وروى مالك أيضاً عن السائب بن يزيد,قال: أمر عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- أبي بن كعب وتميماً الداري أنْ يقوما للناس,وكان القارئ يقرأ بالمائتين حتى كنا نعتمد على العصي من طول القيام،وما كنا ننصرف إلا في فروع الفجر(14).

وروى البيهقي(15) بإسناده عن أبي عثمان الهندي قال: دعا عمر بن الخطاب بثلاثة قراء فاستقرأهم, فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ للناس ثلاثين آية، وأمر أوسطهم أن يقرأ خمساً وعشرين آية، وأمر أبطأهم أن يقرأ عشرين آية(16).

وقال ابن قدامة: قال أحمد: يقرأ بالقوم في شهر رمضان ما يخف على الناس، ولا يشق عليهم، ولاسيما في الليالي القصار(17)، والأمر على ما يحتمله الناس. وقال القاضي -أبو يعلى-: (لا يستحب النقصان عن ختمة في الشهر؛ ليسمع الناس جميع القرآن ولا يزيد على ختمة،كراهية المشقة على من خلفه والتقدير بحال الناس أولى،فإنه لو اتفق جماعة يرضون بالتطويل ويختارونه كان أفضل، كما روى أبو ذر قال: قمنا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح -يعني السحور- وقد كان السلف يطيلون الصلاة حتى قال بعضهم: كانوا إذا انصرفوا يستعجلون خدمهم بالطعام مخافة طلوع الفجر)(18).

وقال ابن عبد البر:(والقراءة في قيام شهر رمضان بعشر من الآيات الطوال،ويزيد في الآيات القصار،ويقرأ السور على نسق المصحف)(19).

فعلها جماعة في المسجد:

يجوز أن يصلي المسلم صلاة التراويح في جماعة,كما يجوز له أن يصليها على انفراد، ولكن صلاته مع جماعة المسلمين في المسجد أفضل, وهذا قول جمهور العلماء؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- صلى بالمسلمين ثلاث مرات, ثم تركها خشية أن تُفرضَ عليهم، ثم جمع عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- المصلين الذين كانوا يُصلونها أوزاعاً في المسجد على إمام واحد، وتابعه الصحابة على ذلك ومن بعدهم،وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة)(20).

الوتر بعد التراويح:

ويُوتر بعد أن يكمل صلاة التراويح، فإن كان له تهجد جعل الوتر بعده استحباباً لقوله -صلى الله عليه وسلم-: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)(21)، ولكن الأفضل له أن يصلي مع الإمام الوتر, فإذا سلم الإمام قام فشفع ركعة الوتر بأخرى، ثم إذا تهجد أوتر، فينال فضيلة متابعة الإمام حتى ينصرف، وفضيلة جعل وتره آخر صلاته.

ومن أوتر مع الإمام أو منفرداً، ثم أراد الصلاة تطوعاً بعد الوتر فيصلي مثنى مثنى, ولا يوتر لأنه: (لا وتران في ليلة) كما قال النبي-صلى الله عليه وسلم-(22).

نسأل الله أن يوفقنا لطاعته ويعيننا عليها،ويكتب لنا الخير أينما كنا، ويرزقنا الإخلاص في القول والعمل، ويجعلنا من الراشدين،وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،والحمد لله رب العالمين.



1 - النهاية لابن الأثير (2/274).

2 - فتح الباري (4/250).

3 - راجع: الملخص الفقهي (1/167)، والفقه الإسلامي (1/72).

4 - رواه البخاري في صحيحه.

5 - صحيح البخاري.

6 - راجع: الملخص الفقهي (1/168)، والفقه الإسلامي (1/73).

7 - متفق عليه.

8 - متفق عليه.

9 - رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2417)، وإرواء الغليل رقم (447) وصحيح سنن الترمذي رقم (646)، وصحيح سنن النسائي رقم (1514).

10 - صحيح البخاري.

11 - متفق عليه.

12 - انظر: "الأخبار العلمية من الاختيارات الفقهية" لشيخ الإسلام (صـ 97) بتصرف. ط دار العاصمة.

13 - الموطأ (1/116).

14 - الموطأ (1/115).

15 - في السنن الكبرى (2/497).

16 - انظر: المجموع (4/33-34).

17 - مثل ليالي الصيف.

18 - المغني (1/457).

19 - الكافي لابن عبد البر (صـ 74).

20 - رواه أصحاب السنن، وصححه الألباني في صحيح الجامع (2417)، وإرواء الغليل رقم (447) وصحيح سنن الترمذي رقم (646)، وصحيح سنن النسائي رقم (1514).

21 - متفق عليه.

22 - رواه أحمد، وأبو داود، وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (7567) وصحيح أبي داود رقم (1267)، وصحيح سنن الترمذي رقم (391).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.03067