الدعوة السرية

الدَّعـوةُ السِّـريَّة

 

الدَّعـوةُ السِّـريَّة

 

الحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على نبيه المصطفى، وعلى آله وصحبه ومن اقتفى..

أمَّا بعدُ:

عندما أنزل اللهُ على رسولِهِ محمد – صلى الله عليه وسلم- الوحي في غار حراء ، آمن به مَنْ آمن سِرَّاً خَوْفاً مِنْ مُجرمي قريش، وهذه المرحلة من حياة المسلمين في مكة هي التي يُطْلِقُ عليها المُؤرِّخُون: الدعوة السرية، حيث ظل رسول الله يدعو الناس الذين يتوسم فيهم الخير والرأفة إلى الدين الجديد سراً، ودامت تلك المرحلة ثلاث سنوات، فلمَّا أنشأ الرسول قاعدة صلبة من الرجال المؤمنين، الذين كانوا اللبنة الأولى لهذا الدين أذن الله لرسوله أن يجهرَ بما يُؤمر به من الحقِّ والهدى.

قال المباركفوريُّ: وكان من الطبيعي أن يعرض الرسول- صلى الله عليه وسلم- الإسلام أولاً على ألصق الناس به من أهل بيته، وأصدقائه، فدعاهم إلى الإسلام، ودعا إليه كل من توسم فيه الخير ممن يعرفهم ويعرفونه، يعرفهم بحب الحق والخير، ويعرفونه بتحري الصدق والصلاح، فأجابه من هؤلاء – الذين لم تُخالجهم ريبة قط في عظمة الرسول-صلى الله عليه وسلم-وجلالة نفسه وصدق خبره- جَمْعٌ عُرِفوا في التاريخ الإسلامي بالسابقين الأولين، وفي مقدمتهم زوجة النبي-صلى الله عليه وسلم- أم المؤمنين خديجة بنت خويلد، ومولاه زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وابن عمه علي بن أبي طالب-وكان صبيًا يعيش في كفالة الرسول-صلى الله عليه وسلم-، وصديقه الحميم أبو بكر الصديق‏، أسلم هؤلاء في أول يوم من الدعوة‏.‏

ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، وكان رجلًا مُآلفاً محبباً سهلًا ذا خلق ومعروف، وكان رجال قومه يأتونه ويألفونه؛ لعلمه وتجارته وحسن مجالسته، فجعل يدعو من يثق به من قومه ممن يغشاه ويجلس إليه، فأسلم بدعوته عثمان بن عفان الأموي، والزبير بن العوام الأسدي، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص الزهريان، وطلحة بن عبيد الله التيمي‏.‏فكان هؤلاء النفر الثمانية الذين سبقوا الناس هم الرعيل الأول وطليعة الإسلام‏.‏

ثم تلا هؤلاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح من بني الحارث بن فهر، وأبو سلمة بن عبد الأسد المخزومي، وامرأته أم سلمة، والأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، وعثمان بن مظعون الجُمَحِيّ، وأخواه قدامة وعبد الله، وعبيدة بن الحارث ابن المطلب بن عبد مناف، وسعيد بن زيد العدوي، وامرأته فاطمة بنت الخطاب العدوية أخت عمر بن الخطاب، وخباب بن الأرت التميمي، وجعفر بن أبي طالب، وامرأته أسماء بنت عُمَيْس، وخالد بن سعيد بن العاص الأموي، وامرأته أمينة بنت خلف، ثم أخوه عمرو بن سعيد بن العاص، وحاطب بن الحارث الجمحي، وامرأته فاطمة بنت المُجَلِّل، وأخوه الخطاب بن الحارث، وامرأته فُكَيْهَة بنت يسار، وأخوه معمر ابن الحارث، والمطلب بن أزهر الزهري، وامرأته رملة بنت أبي عوف، ونعيم بن عبد الله بن النحام العدوي، وهؤلاء كلهم قرشيون من بطون وأفخاذ شتى من قريش‏.‏

ومن السابقين الأولين إلى الإسلام من غير قريش‏:‏ عبد الله بن مسعود الهذلي، ومسعود بن ربيعة القاري، وعبد الله بن جحش الأسدي، وأخوه أبو أحمد بن جحش، وبلال بن رباح الحبشي، وصُهَيْب بن سِنان الرومي، وعمار بن ياسر العنسي، وأبوه ياسر، وأمه سمية، وعامر بن فُهيرة‏.‏

وممن سبق إلى الإسلام من النساء غير من تقدم ذكرهن‏:‏ أم أيمن بركة الحبشية، وأم الفضل لبابة الكبرى بنت الحارث الهلالية زوج العباس بن عبد المطلب، وأسماء بنت أبي بكر الصديق-رضي الله عنهم-‏.‏

هؤلاء معروفون بالسابقين الأولين، ويظهر بعد التتبع والاستقراء أن عدد الموصوفين بالسبق إلى الإسلام وصل إلى مائة وثلاثين رجلًا وامرأة، ولكن لا يُعرف بالضبط أنهم كلهم أسلموا قبل الجهر بالدعوة، أو تأخر إسلام بعضهم إلى الجهر بها‏.

ومن أوائل ما نزل من الأحكام الأمر بالصلاة، قال ابن حجر‏:‏ كان-صلى الله عليه وسلم-قبل الإسراء يصلي قطعًا وكذلك أصحابه، ولكن اختُلف: هل فرض شيء قبل الصلوات الخمس من الصلوات أم لا‏؟‏ فقيل‏:‏ إن الفرض كانت صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها‏.‏ انتهى.‏ وروى الحارث بن أبي أسامة من طريق ابن لَهِيعَة موصولًا عن زيد ابن حارثة‏:‏ أن رسول الله-صلى الله عليه وسلم- في أول ما أوحى إليه أتاه جبريل، فعلمه الوضوء، فلما فرغ من الوضوء أخذ غرفة من ماء فنضح بها فرجه، وقد رواه ابن ماجه1 بمعناه، وروي نحوه عن البراء بن عازب وابن عباس، وفي حديث ابن عباس‏:‏ وكان ذلك من أول الفريضة‏.‏

وقد ذكر ابن هشام أن النبي-صلى الله عليه وسلم-وأصحابه كانوا إذا حضرت الصلاة ذهبوا في الشعاب فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، وقد رأى أبو طالب النبي-صلى الله عليه وسلم-وعليّا يصليان مرة، فكلمهما في ذلك، ولما عرف جلية الأمر أمرهما بالثبات‏.‏

تلك هي العبادة التي أمر بها المؤمنون، ولا تعرف لهم عبادات وأوامر ونواه أخرى غير ما يتعلق بالصلاة، وإنما كان الوحي يبين لهم جوانب شتى من التوحيد، ويرغبهم في تزكية النفوس، ويحثهم على مكارم الأخلاق، ويصف لهم الجنة والنار كأنهما رأي عين، ويعظهم بمواعظ بليغة تشرح الصدور، وتغذى الأرواح، وتحدو بهم إلى جو آخر غير الذي كان فيه المجتمع البشرى آنذاك‏.2

وعن تلك الحال التي عاشها المسلمون نذكر بعض النصوص التي يحكيها من عايش تلك الفترة:

عن عمار بن ياسر -رضي الله عنه- قال: (رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما معه إلا خمسة أعبد وامرأتان وأبو بكر) رواه البخاري.

قال الذهبي: ولم يذكر علياً؛ لأنه كان صغيراً ابن عشر سنين.3

روى مسلم في صحيحه عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ: قَالَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ السُّلَمِيُّ:(كُنْتُ – وَأَنَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ- أَظُنُّ أَنَّ النَّاسَ عَلَى ضَلالَةٍ، وَأَنَّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ، وَهُمْ يَعْبُدُونَ الأَوْثَانَ، فَسَمِعْتُ بِرَجُلٍ بِمَكَّةَ يُخْبِرُ أَخْبَاراً، فَقَعَدْتُ عَلَى رَاحِلَتِي فَقَدِمْتُ عَلَيْهِ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مُسْتَخْفِيًا جُرَءَاءُ عَلَيْهِ قَوْمُهُ، فَتَلَطَّفْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَيْهِ بِمَكَّةَ فَقُلْتُ لَهُ: مَا أَنْتَ؟ قَالَ: (أَنَا نَبِيٌّ) فَقُلْتُ: وَمَا نَبِيٌّ؟ قَالَ: (أَرْسَلَنِي اللَّهُ)، فَقُلْتُ: وَبِأَيِّ شَيْءٍ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: (أَرْسَلَنِي بِصِلَةِ الأَرْحَامِ وَكَسْرِ الأَوْثَانِ وَأَنْ يُوَحَّدَ اللَّهُ لا يُشْرَكُ بِهِ شَيْءٌ) قُلْتُ لَهُ: فَمَنْ مَعَكَ عَلَى هَذَا؟ قَالَ: (حُرٌّ وَعَبْدٌ)، قَالَ: وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ، فَقُلْتُ: إِنِّي مُتَّبِعُكَ، قَالَ: (إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ يَوْمَكَ هَذَا، أَلا تَرَى حَالِي وَحَالَ النَّاسِ؟ وَلَكِنِ ارْجِعْ إِلَى أَهْلِكَ فَإِذَا سَمِعْتَ بِي قَدْ ظَهَرْتُ فَأْتِنِي)، قَالَ: فَذَهَبْتُ إِلَى أَهْلِي وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- الْمَدِينَةَ وَكُنْتُ فِي أَهْلِي، فَجَعَلْتُ أَتَخَبَّرُ الأَخْبَارَ وَأَسْأَلُ النَّاسَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ حَتَّى قَدِمَ عَلَيَّ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةَ فَقُلْتُ: مَا فَعَلَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي قَدِمَ الْمَدِينَةَ؟ فَقَالُوا: النَّاسُ إِلَيْهِ سِرَاعٌ، وَقَدْ أَرَادَ قَوْمُهُ قَتْلَهُ فَلَمْ يَسْتَطِيعُوا ذَلِكَ، فَقَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَتَعْرِفُنِي؟ قَالَ: (نَعَمْ، أَنْتَ الَّذِي لَقِيتَنِي بِمَكَّةَ)، قَالَ: فَقُلْتُ: بَلَى فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَخْبِرْنِي عَمَّا عَلَّمَكَ اللَّهُ وَأَجْهَلُهُ، أَخْبِرْنِي عَنِ الصَّلاةِ، قَالَ: (صَلِّ صَلاةَ الصُّبْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ فَإِنَّ الصَّلاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنِ الصَّلاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ، وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ).

قَالَ: فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ فَالْوُضُوءَ حَدِّثْنِي عَنْهُ، قَالَ:(مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ يُقَرِّبُ وَضُوءَهُ فَيَتَمَضْمَضُ وَيَسْتَنْشِقُ فَيَنْتَثِرُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ وَفِيهِ وَخَيَاشِيمِهِ، ثُمَّ إِذَا غَسَلَ وَجْهَهُ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا وَجْهِهِ مِنْ أَطْرَافِ لِحْيَتِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا يَدَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رَأْسِهِ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ مَعَ الْمَاءِ، ثُمَّ يَغْسِلُ قَدَمَيْهِ إِلَى الْكَعْبَيْنِ إِلا خَرَّتْ خَطَايَا رِجْلَيْهِ مِنْ أَنَامِلِهِ مَعَ الْمَاءِ، فَإِنْ هُوَ قَامَ فَصَلَّى فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجَّدَهُ بِالَّذِي هُوَ لَهُ أَهْلٌ، وَفَرَّغَ قَلْبَهُ لِلَّهِ إِلا انْصَرَفَ مِنْ خَطِيئَتِهِ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ).

فَحَدَّثَ عَمْرُو بْنُ عَبَسَةَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا أُمَامَةَ صَاحِبَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-فَقَالَ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ:يَا عَمْرَو بْنَ عَبَسَةَ، انْظُرْ مَا تَقُولُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ يُعْطَى هَذَا الرَّجُلُ؟ فَقَالَ عَمْرٌو: يَا أَبَا أُمَامَةَ لَقَدْ كَبِرَتْ سِنِّي، وَرَقَّ عَظْمِي، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي، وَمَا بِي حَاجَةٌ أَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ وَلا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، لَوْ لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- إِلا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاثًا حَتَّى عَدَّ سَبْعَ مَرَّاتٍ مَا حَدَّثْتُ بِهِ أَبَداً، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ)(4).

قال عمرو بن عبسة: (لقد رأيتني وأنا رُبْع الإسلام)(5).

وهذا حديث جليل القدر ذكر طرفاً من سيرة المسلمين في مكة، وذكرته بكامله هنا لما ورد فيه من فضل هذا الصحابي الجليل وحسن إسلامه في تلك الفترة الحرجة، وكذا ما ورد فيه من فضائل أخرى.

وعن سعد بن أبي وقاص -رضي الله عنه- قال: (لقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام) رواه البخاري.

لقد عاش المسلمون تلك المرحلة الأولى من حياتهم وهم يخشون من اطلاع قريش على أمرهم؛لأن ذلك سيُؤدِّي إلى مُواجهة الملأ من قريش لتلك الدعوة الناشئة التي تخالف واقعهم المشين تمام المخالفة، ولا تتفق معه إلا بمجرد ما كان عليه من بعض الأخلاق النادرة.. أما صُلْب العلاقات والنظرة إلى الآلهة واحتقار المرأة وإهانتها وإنكار الحياة الآخرة، فكان ذلك ديدنهم منذ دهر طويل! فإذا ما عرف القوم أن هذا الدين الجديد يقضي على كل ذلك، فكيف يكون شأن حامليه؟ لاشك أنهم سيعانون البلاء والنكد، وهذا ما تحقق بعد أن أذن الله لرسوله بالصدع بالحق، وبعد أن عرف المشركون من أسلم من الرجال والنساء جميعاً فأذاقوهم سوء العذاب.. فرضي الله عن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الطيبين الطاهرين الذين سارعوا إلى الإسلام من أول وهلة، ورضي الله عن جميع الصحابة الذين أسلموا من بعدهم.

ولعل في هذه المرحلة من الدروس والعبر ما يفيدنا في هذا الزمن:

1.    مشروعية الدعوة السرية في حال تكالب الكفر وأهله؛ وذلك إذا خشي المسلمون على أنفسهم ودينهم من الكفار؛ لأن المسلم إذا أظهر دينه الحق في بيئة كافرة أو ملحدة -كما كان الحال في البلاد التي تحكمها الأنظمة الإلحادية كالشيوعية في الاتحاد السوفيتي سابقاً أو الدول المجاورة لروسيا الآن- فلا شك أن الأذى سيصيبه.. فهذه الدول لا تمانع من التدين الزائف، ذلك التدين الذي لا يرفع من قيمة النفس شيئاً، بل هو خليط من عبادة القبور والذبح لها، وموالاة الكفار، وترك الصلاة، ثم يدعي أولئك أنهم مسلمون، أما أن يظهر المسلم الدين الذي كان عليه الصحابة من التوحيد الخالص، والتربية الصالحة، والدعوة إلى تحيكم شرع الله، ونبذ الطاغوت، فإن ذلك يكلف ثمناً باهظاً من الأموال، والأنفس، والدماء؛ لهذا يحسن في هذه الحال وفي مثل تلك الأنظمة الإلحادية أن تُمارَس تربية الشباب وتثقيفهم بحقائق الدين بطريقة سرية؛ حتى يتمكن الدعاة هناك من بناء قاعدة صلبة تحمل هذا الدين..

2.    أن يبدأ المسلم بتربية نفسه وتزكيتها، ثم يدعو أهل بيته وأقاربه ويحثهم على التمسك بتعاليم الإسلام، إذ لا يحسن به أن يدعو الناس وأهلُه في الجهل والشرك والخرافة يغرقون، ولهذا قال -تعالى-: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } سورة التحريم:6.

2.فبدأ بالنفس ثم ثنى بالأهل، وهذا ما فعله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أول أمره، حيث أسلمت على يديه زوجه خديجة، ثم أقاربه كعلي بن أبي طالب وغيره.

3.    أن يعتمد الداعي إلى الله -بعد الله- على من الذين يتوسَّمُ فيهم الخير؛ ليكونوا له أعواناً وأنصاراً على حمل الدعوة فيما بعد، ولهذا سأل الصحابة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أكرم الناس؟ قل: (أتقاهم) فقالوا ليس عن هذا نسألك، قال: (فيوسف نبي الله، ابن نبي الله، ابن نبي الله، ابن خليل الله) فقالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: (فعن معادن العرب تسألوني؟) قالوا: نعم، قال: (خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهُوا) متفق عليه. فالأخيار في زمن الجاهلية هم الأخيار إذا أسلموا؛ لأن الخير أمر مغروس في الفطر، فإذا ما اجتمع نور الفطرة مع نور الوحي كوَّن ذلك شعلة قوية من الإيمان، لهذا نجد الأخيار في الجاهلية كأبي بكر وعلي وخديجة وورقة بن نوفل وغيرهم كانوا أول من أسلم واستبشر بنور محمد-صلى الله عليه وسلم-، فكانوا خياراً في الجاهلية وخياراً في الإسلام. وهذا الأمر محسوس في الواقع؛ فإنك تجد الرجل كريماً مؤدباً رحيماً وهو في بيئة جاهلة فإذا ما هداه الله للحق كان من أفضل الدعاة، فينبغي على الدعاة أن يستغلوا نور الفطرة في قلوب الأخيار الذين لم يمتزج نور الوحي مع النور الفطرة في قلوبهم بعد، فإذا ما امتزج ذلك النور مع بعضه صار صاحبه شعلة من نور تضيء للناس الطريق إلى الجنة.

4.    فضيلة السابقين إلى الإسلام الذين أثنى عليهم الله بقوله: { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } سورة التوبة: 100. وأن حبهم إيمان، وبغضهم نفاق، ألا ما أتعس أقواماً أبغضوا أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- وأول من أسلم معه، وهاجر معه، وأوذي معه!.

5.    على الداعي إلى الله في البيئات الجاهلية التي ينتشر فيها الشرك والخرافة أن يُعلِّم الناس أساسيات الدين، أمور التوحيد أولاً، وكذا يربيهم على مكارم الأخلاق، والتعلق بالله، فليس من اللائق ولا من الحكمة أن يفتح لهم كتاباً في الفقه وهم لم يعرفوا الله حق معرفته! كما أنه ليس من اللائق دعوة النساء إلى تغطية الوجه والكفين وهن لا يصلين، أو يذهبن ليذبحن عند القبور والأنصاب وينذرن لها من دون الله.

6.    أن الصلاة أعظم أركان الدين بعد الشهادتين وهي عمود الإسلام، فهي أول العبادات فرضاً، وهي أجل العبادات قربة من الله، وهي آخر ما ينقض من عرى الدين، وهي أول ما يحاسب عنه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر عمله وإن فسدت فسد سائر عمله، فويل لمن ضيع الصلاة! ماذا لحقه من الوزر؟ وماذا بقي له من الأجر؟

 نسأل الله أن ينفعنا بما كتبناه وقلناه وسمعناه وقرأناه، إنه ولي ذلك والقادر عليه..

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، وبارك على محمد ، وعلى آل محمد وصحبه وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.


 


1– برقم (462) كتاب الطهارة وسننها. ورواه أحمد في مسنده برقم (17026).

2– الرحيق المختوم للمباركفوري.

3– السيرة النبوية ص79 تحقيق حسام الدين القدسي.  دار ومكتبة الهلال، بيروت.

4– انظر صحيح مسلم رقم الحديث (832) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عبسة.

5– رواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.