ما لا يجـوز فعله في المسجد 2

ما لا يجـوز فعله في المسجد

ما لا يجـوز فعله في المسجد

(2)

الحمد الله، والصلاة والسلام على رسول الله.

هذه البقاع المقدسة، و الأماكن الطاهرة، قد يطرأ عليها من الأمور المخلة بها، وذلك من قبل العامرين لها، والذين يجهلون أحكامها، وما يتنافى مع قدسيتها وطهارتها، أو ما يفعل فيها من الأمور المخالفة لما شرعه الله من الأمور التعبدية، والتي لم يشرعها سبحانه، بل هي مما ابتدعه الجهّال، جهلاً بمكانتها وقدسيتها ومن هذه الأمور:

1.          الزيادة على الأذان المشروع:

لقد زاد الناس في الأذان، وابتدعوا فيه مالم ينزل به سلطان، ومما زاده الناس في الأذان، قراءة بعض آيات القرآن قبل وبعد الأذان، ومنها على سبيل المثال قرأة بعض المؤذنين قبل الأذان: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} الإسراء (111)   وقرأة بعضهم قوله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ} فصلت(33). وبعدها الصلاة والسلام على النبي وأله، وغير ذلك من بدع الأذان، وذلك مما لا يجوز فعله في المساجد في الأذان، وذلك لأنه ابتداع واختراع لم يأذن به الله، ولم يعمله الصحب الكرام، بل لقد نص العلماء على عدم جواز ذلك كما قال في شرح العمدة: يكره قول المؤذن قبل الأذان: {وَقُلِ الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَم يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُن لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذُّلَّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا} وكذلك إن وصله بعد ذكر، لأنه محدث، ويكره قوله قبل الإقامة: (اللهم! صل على محمد) ونحو ذلك من المحدثات.

وقال ابن حجر في فتاويه: قد أحدث المؤذنون الصلاة والسلام على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عقب الأذان(1).

ولكن يجب أن يعلم أنه ليس المقصود النهي عن الصلاة والسلام على الرسول بعد سماع الأذان، كما قد يفهمه بعض العوام، وإنما المقصود بالنهي للمؤذن نفسه أن يقول ذلك عبر مكبرات الصوت، فليتنبه لمثل هذا الكلام، وليوضع الكلام في موضع الذي وضع له.

ومما أحدثه الناس في الأذان التسبيح والنشيد، ورفع الصوت بالدعاء في المآذن، في آخر الليل وأول النهار، وقبل صعود الإمام إلى المنبر يوم الجمعة لخطبة الأنام، وقد نص على عدم جواز ذلك علماء الإسلام، فقد قال ابن الجوزي – رحمه الله- في تلبيس إبليس: وقد رأيت من يقوم بليل كثير على المنارة، فيعظ ويذكر، ويقرأ سورة من القرآن بصوت مرتفع، فيمنع الناس من نومهم، ويخلط على المتهجدين قراءتهم، وكل ذلك من المنكرات.

وقال ابن الحاج في المدخل: وينهى المؤذنون عمّا أحدثوه من التسبيح بالليل، وإن كان ذكر الله – تعالى- حسناً سراً وعلناً، لكن في المواضع التي تركها الشارع – صلوات الله وسلامه عليه-، ولم يعين فيها شيئاً معلوماً.

وقال أيضاً: وينهى المؤذنون عما أحدثوه من التذكار يوم الجمعة، لأن النبي – صلى الله عليه وسلم – لم يفعله، ولا أمر به، ولا فعله أحد من بعده من السلف الماضيين – رضي الله عنهم – بل هو قريب العهد بالحدوث.

 

وأما في أثناء الأذان فقد أضاف الناس كلماتٍ وألفاظٍ ليس عليها دليل، وليس عندهم من الله فيها برهان، ومنها زيادة لفظة (سيدنا) في ألفاظ الإقامة، وزيادة (حي على خير العمل) عند الأذان والإقامة، وزيادة بعضهم جملة كاملة في ألفاظ الأذان (أشهد أن علي ولي الله) وهذا مما لا يجوز زيادته في الأذان، وكأنهم يتهمون النبي بعدم البيان،والدين بالنقصان، ولأن الأذان عبادة مستقلة لا يجوز الزيادة فيها ولا النقصان، وفي هذه المسألة يقول الشيخ القاسمي : إن ألفاظ الأذانين مأثورة متعبد بها، رويت بالتواتر خلفاً عن سلف، في كتب الحديث الصحاح والحسان والمسانيد والمعاجم، ولم يرو أحد قط استحباب هذه الزيادة- يقصد لفظة (سيدنا)- عن صحابي ولا تابعي، بل ولا فقيه من فقهاء الأئمة ولا أتباعهم.

وإنك لتعجب من حال بعض مساجد البدعة، تجد الأذان و الإقامة يستغرقان وقتاً أكثر من وقت الصلاة نفسها، بدءً من قراءة الآيات قبل الأذان، ثم الأذان بثمانية عشرة لفظة، ثم بعد ذلك الصلاة والسلام على رسول الله، ثم بعد ذلك الإقامة نفس الأذان، بل قد تستغرق أكثر من وقت الصلاة، أضف إلى ذلك التمطيط والتطريب والتلحين في الأذان، بل ربما بعضهم لا يحسن الآذان،  فتجده يمدّ ما لا يستحق المدّ في لفظ الأذان والذي قد يغير المعنى عند مده لألفاظ الأذان، ومن جهله يظن أنه يحسن صنعاً، وهذا ما عانيته بنفسي في بعض مساجد البدعة؛ حتى أن الناس ملّوا الصَلاة في ذلك المسجد، وكرهوا الإمام- ولله الحمد-.

 

ثم بعد ذلك تراه ينقر الصلاة نقر الغراب، فلا يتم لها ركوعاً ولا سجوداً ولا خشوعاً!.

ويظل الإنسان حيراناً من أين أتى الناس بهذه البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان؟- ولاحول ولاقوة إلا بالملك العلام- .

 

2.    إنشاد الضالة:

إن مما عمت به البلوى، وانتشر في الآونة الأخيرة أن الناس إذا ضاع منهم شيئاً، أول ما يتبادر إلى أذهانهم الإعلان عنه في المساجد، وذلك لجهلهم بحقوق وحرمات المساجد، فتجد الواحد منهم يسأل عن ساعة فقدها، والآخر عن محفظة فقدت منه، وثالث  يسأل عن طفلة ضاع عليه، ورابع عن شاة نفرت منه، فمن وجدها فله كذا وكذا، وهذا مما لا يجوز فعله في المسجد، فلقد دعى النبي على صاحب الجمل الأحمر، بعدم رده إليه، وعلمنا أن ندعوا على من أنشد ضالة في المسجد بعدم ردها إليه، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه -قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:" من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك؛ إن المساجد لم تبين لهذا"2.

 والمقصود أن المساجد لم تبن للإعلانات وما يتعلق بأمور الدنيا، وإنما بنيت للصلاة، وقراءة القرآن، والذكر والدعاء، وتعلم العلم.

 

3.         اتخاذ المساجد مكاتب وأماكن للمقيل:

قد يستغرب كثير من الناس هذا الأمر، ولكن أقول لا تستغرب فالواقع خير شاهد، وعليك بزيارة أحد مساجد المبتدعة في أحد المدن اليمنية لترى أن بعض المبتدعة قد اتخذ المسجد مكاناً للتكسب والتخزين-وهو ما يعرف عند اليمنيين بأكل القات- وتعاطي ما يتنافى مع تعاليم الإسلام القويم، وما لأجله بنيت المساجد- ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم-.

 

4.    توسيخ المسجد وتقذيره:

لقد حرص الإسلام على النظافة، وجعلها من الإيمان، فقال – عليه الصلاة والسلام -: "الطهور شطر الإيمان والحمد لله تملأ الميزان وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض والصلاة نور والصدقة برهان والصبر ضياء والقرآن حجة لك أو عليك كل الناس يغد فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها" 3" وهذا يدل على حرص وعناية الإسلام بكل ناحية من نواحي الحياة.

 

وكان الإسلام أحرص ما يكون على نظافة المسجد، والتحذير من توسيخه وتقذيره، فلقد كان لمسجد النبي خادم – أو خادمة – يقوم – أو تقوم – بتنظيفه وكنسه، كما في الصحيحين من حديث أبي هريرة- رضي الله عنه –أن رجلاً أسود- أو امرآة سوداء-كان  يقم المسجد، فمات فسأل النبي – صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: مات، قال: " أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره- أوقبرها- فأتى قبره فصلى عليه"4. وقد بوب الأمام البخاري – رحمه الله-  لهذا الحديث بقوله: باب كنس المسجد والتقاط الخرق والقذى والعيدان. وذكر الإمام ابن حجر  – رحمه الله – من فوائد الحديث: الترغيب في تنظيف المسجد.

 

وذكر الشيخ القاسمي – رحمه الله- : أن من واجبات نظار المساجد أن يتعاهدوا على المدى حال المسجد كيلا يقصر خادمه في كنسه وتنظيفه وحفظ فرشه وحصيره.5

ولقد أخبر النبي – صلى الله عليه وسلم – أنه عرضت عليه محاسن ومساوئ أعمال أمته، فرأى في مساوئها النخامة في المسجد لا تدفن، وأخبر أن البزاق في المسجد خطيئته وكفارة ذلك دفنها، فعن أنس بن مالك – رضي الله  عنه – قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: "البزاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها"6 .

 

وهذا يكون فيما إذا كان المسجد رملياً أو ترابياً، وأما إذا كان مبلطاً ومفروشاً فلا يجوز البزاق ولا التلف فيه مطلقاً؛ لأنه حينئذٍ يتعذر دفن ذلك، وإن الإنسان ليتعجب حين يرى بعض مساجد المسلمين اليوم قد أصابها ما أصابها من الأذى، فنرى بعضها مرمية فيها قشر ما يسمى عند العامة بالزعقة، وبعض الأتربة، وما أشبه ذلك، وهذا كله مما لا يجوز، بل يجب نظافة المساجد والعناية بها، فلقد أحمرّ وجه المعصوم – صلى الله عليه وسلم – حينما رأى نخامة في قبلة المسجد فقام فحكها بيده الشريفة، ثم قال: " إن أحدكم إذا قام في صلاته فإنه يناجي ربه – ون ربه بينه وبين القبلة- فلا يبزقنّ أحدكم قبل قبلته، ولكن عن يساره أو تحت قدميه" ثم أخذ طرف ردائه فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض، فقال: " أو يفعل هكذا "7.

 وفي رواية عن أبي هريرة وأبي سعيد  – رضي الله عنهم – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأى نخامة في جدار المسجد فتناول حصاة فحكّها فقال: " إذا تنخم أحدكم فلا يتنخمنّ قبل وجهه ولا عن يمينه، وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى" 8.

وقصة الأعرابي وبوله في المسجد خير شاهد على اعتنائه – صلى الله عليه وسلم – بنظافة المسجد، فإنه أمر أصحابه بأنه يهر يقوا عليه ذنوباً – أو سجلاً – من ماء9.

 

5.         القصائد الشعرية والمدائح النبوية:

المقصود بالقصائد الشعرية التي يجب تجنبها في المسجد، هي القصائد التي فيها أباطيل وكذب وشرك وكفر، وفيها وصف للمرأة، وخدودها وقدودها، وما أشبه ذلك، أو في ذم لقبيلة، فهذه القصائد لا تجوز أصلاً أن تقال في خارج المسجد، فضلاً عن داخله، وعليه تنزل نصوص ذم الشعر والشعراء، قال الله – تعالى-: {وَالشُّعَرَاء يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ() وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ} سورة الشعراء (224- 22- 226).

وقوله:{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ } سورة يــس(69).

 

وعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " من رأيتموه ينشد شعراً في المسجد، فقولوا: فضّ الله فاك (ثلاثاً)"10.

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :" لأن يمتلئ جوف الرجل قيحا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرا " إلا أن حفصا لم يقل يريه.11  .

 وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال:" نهى رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عن البيع والابتياع وعن تناشد الأشعار في المساجد " 12.

أما الشعر الذي فيه نصرٌ للحق وأهله، ودفاع عن الرسول وشرعه، ففيه تنزل نصوص مدح الشعر والشعراء، ومنها دعائه – صلى الله عليه وسلم – لحسان: "يا حسان ! أجب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، اللهم أيده بروح القدس " 13.

 

وبالجملة فالشعر كالكلام حسنه حسن وقبيحه قبيح، فما كان منه حسناً قيل في المسجد وفي خارجه، وما كان منه قبيحاً منع في المسجد وخارجه.

وأما المدائح النبوية، والتي يرددها أهل البدع، حباً للنبي، -كما زعموا- فهي مما لا يجوز في المسجد،وذلك لما فيها من الأذية للآخرين،هذا إن سلمت  من البدع والشر كيات، وهي لم تسلم من ذلك، فلقد قرأنا وسمعنا بعض تلك المدائح التي فيها الشرك الصريح، وإليك مثالاً على ذلك ما ذكره صاحب البردة، حيث قال في مدح النبي – صلى الله عليه وسلم – كما زعم- :

يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به **** سواك عند حدوث الحادث العمم

ولن يضيق رسول الله جاهك بي **** إذا الكريم تجلى باسم منتقم

فـإن من جودك الدنيا وضرتها **** ومن علومك علم  اللوح  والقلم

 

فماذا أبقى هذا وأمثاله لله؟!!

وهذا فيض من غيض تلك المدائح النبوية التي فيها الشرك والكفر الصريح ولمؤول – والعياذ بالله-.

 

6.   الأذية للناس عموماً:

المقصود بالأذية للناس أي نوع من أنواع الأذى الذي يكون للناس في خارج المسجد، فضلاً عن داخله فإن ذلك مما لا يجوز، فلقد أمر النبي – صلى الله عليه وسلم – بعدم الأذية للناس في أسواقهم وأماكن تجمعاتهم، فعن جابر بن عبد الله قال: مر رجل في المسجد، ومعه سهام، فقال له رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: "أمسك بنصالها"14.

وذلك لأن السوق مكان يجتمع فيه كل الناس، فلا يجوز أذية المسلمين بأي شكل من أنواع الأذى، فعن ابن عمر قال : صعد رسول الله – صلى الله عليه وسلم – على المنبر فنادى بصوت رفيع فقال :" يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يتبع عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله"15.

 

 فيا ليت أصحاب المحلات الغنائية التي ترتفع منها تلك الأغاني الماجنة، بتلك الأصوات المؤذية المسلمين يعوون هذا الأمر، ويتقون الله في ذلك، فيفعلون ما يرضى الله، ويتركون ما يغضب الله، وهذا في الأذية في غير المسجد.

أما في المسجد فالأذية تكون أشد تحريماً من غيره، وذلك أن المسجد ليس محلاً للمشاجرة والمخاصمة والأذية، فالجرم يعظم في مكان دون مكان، وفي زمان دون زمان، وذلك بحسب الأفضلية، وبما أن المساجد أحب البقاع على الله، ومن أفضلها وأقدسها عند المسلمين، كان تحريم الأذية فيها أشد من غيره، ولذلك فقد علمنا النبي – صلى الله عليه وسلم – إذا مر أحدنا بمسجد، وفي يديه نبل فليأخذ بنصالها؛ حتى لا يسفك بها دماً، فعن أبي بردة عن أبيه أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: " من مرّ في شيء من مساجدنا أو أسواقنا بنبل فليأخذ على نصالها لا يعقر بكفه مسلماً"16.

 

وعن عمرو – رضي الله عنه – أن رجلاً مر في المسجد بأسهم، وقد أبدى نصولها، فأمر أن يأخذ على نصالها كي لا يخدش مسلما ً"17 .

وكم تحدث اليوم في مساجد المسلمين من الأذية، فالأطفال الغير المميزين من جهة، وعوام الناس وجهلتهم من جهة أخرى، فترتفع الأصوات في الشجار والخصام في بيوت الله!! فأين تعظيم بيوت الله؟ فلو أن أناساً ارتفعت أصواتهم أو تشاجروا أو تخاصموا في بيت أحد الأمر أو الوزراء أوشيخ القبيلة؟ فماذا عساه أن يكون؟ وما الذي سيفعله ذلك الأمير أو الوزير أو شيخ القبيلة؟ لا شك أنه ستنتفخ أوداجه، ويحمر وجهه، ويشتد غضبه، وذلك لأنه حصل شيء من الأذية والمشاجرة والمخاصمة في بيته، فكيف بالأذية والمخاصمة والمشاجرة في بيوت رب العالمين!!

 

والأدهى والأمر من ذلك أذية أصحاب الأهواء والبدع للمسلمين في المساجد، وما يلقونه عليهم من الأباطيل والخزعبلات، والكذب والأقاويل، فيخدشون بها عقيدة المسلمين، التي هي أشد وأخطر من خدش أجسامهم الذي نهى النبي الكريم عن ذلك، كما سبق أن ذكرنا في الحديث عن النبي – صلى الله عليه وسلم – وفيه: " كي لا نخدش مسلماً".

فنقول لأهل الأهواء والبدع كفوا عن أذية المسلمين، وخدش عقيدتهم وأفكارهم، واتقوا يوماً لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم، وصاحب القلب السليم هو الذي سلم من الشرك والذنب والمعصية.

 

واعلموا أنكم ستقفون أمام ربكم، وتسألون عن افترائكم عن رب العالمين، وعن كذبكم عن سيد المرسلين، وعن تأويلاتكم لنصوص الوحي المبين، وعن سوء ما كنتم تعملون، فماذا عساكم أن تجيبون؟! قال الله تعالى : {وَقِفُوهُمْ إِنَّهُم مَّسْئُولُونَ مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ} سورة الصافات} (24- 25).

ومما يدخل في الأذية إتيان المسجد لمن أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً، وما في معناها من الروائح الكريهة؛ كأصحاب السجاير، والعمال الذين تنبعث منهم روائح كريهة نتيجة عملهم، فعن جابر  بن عبد الله- رضي الله عنهما – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: " من أكل ثوماً أو بصلاً فليعتزلنا – أو ليعتزل مسجدنا- وليقعدن في بيته"18 .

وعنه أيضاً أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: " من أكل البصل أو الثوم أو الكراث فلا يقربنّ مسجدنا، فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم" 19

كل ذلك منعاً للرائحة الكريهة التي يتأذى بها الحاضرون من الملائكة والمصلون.

وقد جاء الترغيب في السنة في التطيب ليوم الجمعة، كما في حديث أبي سعيد الخدري قال: أشهد على رسول – صلى الله عليه وسلم – قال: " الغسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم، وأن يستن، وأن يمس طيباً إن وجد"20 .

 

وعن سلمان الفارسي قال: قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: " لا يغتسل رجل يوم الجمعة ويتطهر ما استطاع من طهر ويدهن من دهنه، أو يمس من طيب بيته، ثم يخرج فلا يفرق بينه وبين الجمعة الأخرى"21.

 وأمر الله بأخذ الزينة عند الذهاب إلى المسجد فقال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (31) سورة الأعراف.

كل ذلك منعاً للأذية، وتهيئة للنفوس للخشوع  في الصلاة، والإقبال على الله.

 ومما يدخل في الأذية، وقد انتشر في هذه الأيام، تلك الرنات والنغمات التي تنبعث من الهاتف المحمول- الجوال – فإن فيها أذية للمسلمين بالتشويش عليهم في صلواتهم، وسلب لخشوعهم، وإهانة لبيوت الله، وعدم المبالاة بتعظيمها وتكريمها وتشريفها، قال الله: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ } سورة الحـج 32 .

 وقال:{وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا} سورة الأحزاب58. وقال:{فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ}. سورة النــور 36.

 

ورفع المساجد يكون بتطهيرها، والعناية بنظافتها، وتقديسها، وعدم أذية روادها، والقادمين إليها، وعدم ارتكاب أي عمل ينافي الأدب معها.

وهناك أمر أخطر من كل ما سبق في قضية الجوال – ألا وهي- عدم إغلاقه وقت صلاة وسماع خطبة الجمعة، مما يضطر صاحب الجوال إلى إغلاقه وذلك في وقت سماعه للخطبة، وبفعله ذلك يكون قد تسبب في إهداره لأجر الجمعة، فعن أبي هريرة قال قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – :" من توضأ فأحسن الوضوء ثم أتى الجمعة فدنا وأنصت واستمع غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام ومن مس الحصى فقد لغا " 22.

حتى أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو من دعائم الدين القويم، حث الشارع على عدم الأمر بالمعروف في وقت سماع الخطبة، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة  – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: " إذا قلت لصاحبك أنصت يوم الجمعة والإمام يخطب فقد لغوت"23 وقد فسر العلماء اللغو في الجمعة أنه لا ثواب له، ولكن جمعته صحيحة وعليه الإثم.

 

والذي يغلق تلفونه في  وقت سماع الخطبة يكون قد ارتكب فعلاً أكبر من الذي مس الحصا.

والأدهى والأمر أن بعض جهال المسلمين، وٍالذين يأتون للجمعة عادة، أو ما أشبه ذلك، ربما يرن جواله، فيقوم بالكلام والتحادث مع من اتصل به والإمام يخطب، وهذا  ما شاهدناه بأم أعيننا، وخاصة إذا كان في خارج المسجد – صرح المسجد- ولا حول ولا قوة إلا بالله.

فيجب على كل مسلم يحب الله، ويرجو عفوه ومغفرته، أن يمتثل أوامر الله ويجتنب نواهيه، وأن يعظم حرماته وشعائره، وأن يحافظ على المساجد من العبث فيها، وأذية المسلمين الخاشعين الراكعين الساجدين فيها، وأن يقطع كل وسائل الاتصالات بينه وبين الناس، وأن يتصل مع الله – جل وعلا- وذلك بمحافظته على الصلوات الخمس في المساجد مع الجماعة، مع العناية الشديدة بخشوعها، ولا يتأتى ذلك إلا بترك كل ما يشغل عن الله.

فالله الله في احترام المساجد وتعظيمها، وعدم أذية المسلمين العمار لها. والله أعلى وأعلم، ولحمد الله رب العالمين. وإلى الحلقة الثالثة- إن شاء الله-.


1– انظر إصلاح المساجد للقاسمي ص133-134.

2 – رواه مسلم.

3 – أخرجه مسلم والنسائي والترمذي والدارمي وأحمد عن أبي مالك الأشعري.

4 – رواه البخاري.

5 – إصلاح المساجد ص(188)

6 – رواه البخاري ومسلم.

7 – رواه البخاري من حديث أنس.

8 – رواه البخاري

9 – الحديث رواه البخاري وغيره.

10 – رواه النسائي وغيره.

11 – أخرجه البخاري ومسلم

12 – رواه أبو داود وحسنه الألباني في الإ رواء 363/7 وصحيح أبي داود 991  .

13 – أخرجه البخاري ومسلم .

14  – رواه البخاري.

15 – أخرجه الترمذي وابن حبان وحسنه الألباني في غاية المرام رقم (420).

16 رواه البخاري.

17 – رواه البخاري.

18  – رواه  البخاري ومسلم.

19 – رواه البخاري ومسلم.

20 –  رواه البخاري

21 – رواه البخاري.

22 – رواه مسلم.

23 – أخرجه البخاري ومسلم .