Share |

دروس / تفسير

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ

 

وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ

 

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

يقول الله -تعالى-: {..وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاء اللّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ}  سورة البقرة(220).

 

سبب النزول:

عن ابن عباس -رضي الله عنه- قال: لما أنزل الله -عز وجل-: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}، و {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما} الآية.. انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه فجعل يفضل من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد فاشتد ذلك عليهم فذكروا ذلك لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله -عز وجل-: {ويسألونك عن اليتامى قل إصلاح لهم خير وإن تخالطوهم فإخوانكم}؛ فخلطوا طعامهم بطعامه وشرابهم بشرابه"1.

 

شرح الآيات:

جاءت هذه الآية تابعة لما قبلها من الآيات حيث أن الله قال في نهاية الآية السابقة: {كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ}  سورة البقرة(219). ثم قال بعدها مباشرة: {فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} أي لعلكم تتفكرون في أمر الدنيا والآخرة، وفيما يقع فيهما من الأمور العجيبة، والأحوال الغريبة.

ثم قال تعالى: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى} هذه الجملة معطوفة على ما قلبها، وكأنها أسئلة متتابعة؛ السؤال الأول يتعلق بالخمر والميسر؛ والسؤال الثاني عما ماذا ينفقون؟، وجه الارتباط بين هذين السؤالين واضح جداً؛ لأن في الخمر والميسر إتلاف المال بدون فائدة؛ وفي الإنفاق بذل المال بفائدة.

 

ثم قال تعالى: {ويسألونك عن اليتامى}؛ ووجه ارتباط السؤال الثالث بالسؤالين قبله أن الله -عزّ وجلّ- لما أنزل قوله تعالى: {إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً إنما يأكلون في بطونهم ناراً}  النساء: 10. وقولَه تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}  الأنعام: 152. أشكل ذلك على الصحابة -رضي الله عنهم-، فصاروا يجعلون طعامهم على حدة، وطعام اليتامى على حدة؛ ثم ما جعلوه لليتامى إما أن يفسد، ولا يصلح للأكل؛ وإما أن يصلح للأكل، ولكن ليس على الوجه الأكمل؛ فتحرجوا من ذلك، وأشكل عليهم فيما لو خلطوا طعامهم بطعام اليتامى؛ فأجابهم الله -عزّ وجلّ- بجواب في غاية ما يكون من البلاغة، والاختصار، والوضوح؛ فقال تعالى: {قل إصلاح لهم خير}2. قال ابن جرير: "أي تفضُّلكم عليهم بإصلاحكم أموالهم من غير مَرْزِئة شيء من أموالهم، وغير أخذ عوض من أموالهم على إصلاحكم ذلك لهم خيرُ لكم عند الله وأعظمُ لكم أجرًا، لما لكم في ذلك من الأجر والثواب وخيرٌ لهم في أموالهم في عاجل دنياهم، لما في ذلك من توفر أموالهم عليهم"3.

 

وكلمة: {إصلاح} تعني أن الإنسان يتبع ما هو أصلح لهم في جميع الشؤون سواء كان ذلك في التربية، أو في المال؛ وسواء كان ذلك بالإيجاب، أو السلب؛ فأيّ شيء يكون إصلاحاً لهم فهو خير4.

قوله: {وإنْ تخالطوهم} فتشاركوهم بأموالكم أموالهم في نفقاتكم ومطاعمكم ومشاربكم ومساكنكم، فتضمُّوا من أموالهم عوضًا من قيامكم بأمورهم وأسبابهم وإصلاح أموالهم، فهم إخوانكم، والإخوان يعين بعضهم بعضًا، ويكنُفُ بعضهم بعضًا، فذو المال يعينُ ذا الفاقة، وذو القوة في الجسم يعين ذا الضعف.

 

يقول تعالى ذكره: فأنتم أيها المؤمنون وأيتامكم كذلك، إن خالطتموهم بأموالكم فخلطتم طعامكم بطعامهم، وشرابكم بشرابهم، وسائر أموالكم بأموالهم، فأصبتم من أموالهم فَضْل مَرْفَق بما كان منكم من قيامكم بأموالهم وولائهم، ومعاناة أسبابهم، على النظر منكم لهم نظرَ الأخ الشفيق لأخيه، العامل فيما بينه وبينه بما أوجب الله عليه وألزمه فذلك لكم حلالٌ، لأنكم إخوان بعضكم لبعض5.

 

قوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم}؛ يعني: وإن خالطتموهم في الأكل، والشرب، وجعلتم طعامهم مع طعامكم فإنهم ليسوا أجانب منكم؛ بل هم إخوانكم في الدين؛ أو في النسب؛ أو فيهما جميعاً على حسب حال اليتيم6.

قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ} يعني تعالى ذكره بذلك: إن ربكم قد أذن لكم في مخالطتكم اليتامى على ما أذن لكم به، فاتقوا الله في أنفسكم أن تخالطوهم وأنتم تريدون أكل أموالهم بالباطل، وتجعلون مخالطتكم إياهم ذريعة لكم إلى إفساد أموالهم وأكلها بغير حقها، فتستوجبوا بذلك منه العقوبة التي لا قِبل لكم بها، فإنه يعلم من خالط منكم يتيمه فشاركه في مطعمه ومشربه ومسكنه وخدمه ورعاته في حال مخالطته إياه ما

 

الذي يقصد بمخالطته إياه: إفسَاد ماله وأكله بالباطل، أم إصلاحه وتثميره؛ لأنه لا يخفى عليه منه شيء، ويعلم أيُّكم المريد إصلاح ماله، من المريد إفسادَه7.

وقوله: {والله يعلم المفسد من المصلح} يشمل علمه سبحانه بمن قصده الإفساد والإصلاح، وتميزه لمن هو المفسد ومن هو المصلح، فيميز بين هذا وهذا؛ ويجازي كل إنسان بما يستحق؛ لأن التمييز بين هذا، وهذا يقتضي أن يميز بينهما أيضاً في الثواب والجزاء؛ ويشمل ذلك الإفساد الديني والدنيوي؛ والإصلاح الديني والدنيوي؛ ويشمل الذي وقع منه الإفساد أو الصلاح.

 

قوله تعالى: {ولو شاء الله لأعنتكم}؛ أي لشق عليكم فيما يشرعه لكم؛ ومن ذلك أن يشق عليكم في أمر اليتامى بأن لا تخالطوهم؛ وأن تقدروا غذاءهم تقديراً بالغاً، حيث لا يزيد عن حاجتهم، ولا ينقص عنه8..

وقوله سبحانه وتعالى: {عَزِيزٌ حَكِيمٌ} يعني تعالى ذكره بذلك: إن الله"عزيز" في سلطانه، لا يمنعه مانع مما أحل بكم من عقوبة لو أعنتكم بما يجهدكم القيام به من فرائضه فقصرتم في القيام به، ولا يقدرُ دافعٌ أن يدفعه عن ذلك ولا عن غيره مما يفعله بكم وبغيركم من ذلك لو فعله، ولكنه بفضل رحمته منَّ عليكم بترك تكليفه إياكم ذلك وهو"حكيم" في ذلك لو فعله بكم وفي غيره من أحكامه وتدبيره، لا يدخل أفعاله خلل ولا نقصٌ ولا وَهْي ولا عيب؛ لأنه فِعل ذي الحكمة الذي لا يجهل عواقبَ الأمور فيدخل تدبيره مذمّة عاقبة، كما يدخل ذلك أفعال الخلق لجهلهم بعواقب الأمور، لسوء اختيارهم فيها ابتداءً9.

 

فوائد الآيات:

1.  سؤال الصحابة -رضي الله عنهم- عن اليتامى كيف يعاملونهم؛ وهذا السؤال ناتج عن شدة خوف الصحابة فيما يتعلق بأمور اليتامى؛ لأن الله -تعالى- توعد من يأكلون أموال اليتامى ظلماً، وقال تعالى: {ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن}.

2.    أن الإنسان إذا راعى ما يرى أنه أصلح، ثم لم يكن ذلك فإنه لا شيء عليه؛ لأن الإنسان إنما يؤاخذ بما يدركه؛ لا بما لا يدركه.

3.    جواز مخالطة الأيتام في أموالهم؛ لقوله تعالى: {وإن تخالطوهم فإخوانكم}.

4.  أنه يجب في المخالطة أن يعاملهم معاملة الإخوان؛ لقوله: {وإن تخالطوهم فإخوانكم}؛ ففي هذه الجملة الحث والإغراء على ما فيه الخير لهم، كما يسعى لذلك الأخ لأخيه.

5.  الترهيب والتحذير من الإفساد، والترغيب والحث على الإصلاح؛ لقوله: {والله يعلم المفسد من المصلح}؛ لأن الله يعلم المفسد فيعاقبه بما يستحق، ويعلم المصلح فيثيبه، حيث يعلم كل دقيق وجليل.

6.    أن الدين يسر، ولا حرج فيه، ولا مشقة؛ لقوله: {ولو شاء الله لأعنتكم}10.

والله الموفق..


 

1  رواه أبو داود، والنسائي، وقال الشيخ الألباني: "حسن"؛ كما في سنن أبي داود، رقم(2871).

2  تفسير ابن عثيمين.، المجلد الثالث.

3  جامع البيان عن تأويل آي القرآن(2/381).

4  تفسير ابن عثيمين، المجلد الثالث.

5  جامع البيان عن تأويل آي القرآن(2/381).

6  تفسير ابن عثيمين، المجلد الثالث.

7  جامع البيان عن تأويل آي القرآن(2/381).

8  تفسير ابن عثيمين، المجلد الثالث.

9  جامع البيان عن تأويل آي القرآن(2/381).

10  راجع: تفسير ابن عثيمين، المجلد الثالث.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02058