من أمثال القرآن

من أمثال القرآن

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى آله وصحبه والتابعين، أما بعد:

فإن “التمثيل منزع جليل بديع من منازع البلغاء لا يبلغ إلى محاسنه غير خاصتهم”1 «ولضرب العرب الأمثال، واستحضار العلماء المِثل والنظائر؛ شأن ليس بالخفي في إبراز خبيات المعاني، ورفع الأستار عن الحقائق حتى تريك المتخيل في صورة المحقق، والمتوهم في معرض المتيقن، والغائب كالمشاهد».2

ولحكم بالغة فقد أكثر الله  من ضرب الأمثال في القرآن لما لها من قدرة على الكشف والبيان، وتقريب المعاني بصورة المحسوسات، لأن الأفكار والمعاني قد لا تفهم بالمقال أو الخطاب المجرد، بينما إذا مثلت بصورة مشابهة لشيء محسوس مرئي أو مسموع؛، فإن العقول تتقبل ذلك المعنى وتستحضره لميل النفوس إلى المحسوس، ولأن صورة المحسوس والمشاهد تبقى في الذهن، وتنطبع فيه، في حين تضمحل فيه الألفاظ والكلمات المجردة.

وقد ذكر الله ​​​​​​​ كثيراً من الأمثال؛ سناء “لا يخفى، ونوراً لا يطفى، يرفع الأستار عن وجوه الحقائق، ويميط اللثام عن محيا الدقائق، ويبرز المتخيل في معرض اليقين، ويجعل الغائب كأنه شاهد…”3 إضافة إلى بلاغتها وفصاحتها.

وسوف نذكر بعض تلك الأمثال – إن شاء الله -، مع بيان معانيها من كلام أئمة التفسير – عليهم رحمة الله -.

المثل الأول:

قال الله – تعالى – عن المنافقين: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً فَلَمَّا أَضَاءتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لاَّ يُبْصِرُونَ (سورة البقرة:17) قال ابن كثير – رحمه الله -: (وتقدير هذا المثل أن الله – سبحانه – شبههم في اشترائهم الضلالة بالهدى، وصيرورتهم بعد البصيرة إلى العمى؛ بمن استوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله، وانتفع بها، وأبصر بها ما عن يمينه وشماله، وتأنس بها، فبينا هو كذلك إذ طفأت ناره، وصار في ظلام شديد، لا يبصر ولا يهتدي، وهو مع هذا أصم لا يسمع، أبكم لا ينطق، أعمى لو كان ضياء لما أبصر، فلهذا لا يرجع إلى ما كان عليه قبل ذلك، فكذلك هؤلاء المنافقون في استبدالهم عوضاً عن الهدى، واستحبابهم الغي على الرشد)4

 ويدلنا هذا على خطورة الانتكاس عن الحق والرجوع إلى الباطل، وأن هؤلاء المنافقين كانوا على الإسلام ولكنهم استبدلوه بنفاق؛ كما قال – تعالى -: وكفروا بعد إسلامهم في سياق ذكر المنافقين.

قال ابن مسعود وغيره من الصحابة في قول الله – تعالى -: فلما أضاءت ما حوله أن ناساً دخلوا في الإسلام مقدم نبي الله  المدينة، ثم إنهم نافقوا، وكان مثلهم كمثل رجل كان في ظلمة فأوقد ناراً، فلما أضاءت ما حوله من قذىً أو أذى فأبصره حتى عرف ما يتقي منه، فبينما هو كذلك إذ طفأت ناره، فأقبل لا يدري ما يتقي من أذى، فذلك المنافق كان في ظلمة الشرك فأسلم، فعرف الحلال والحرام، والخير والشر، فبينما هو كذلك إذ كفر فصار لا يعرف الحلال من الحرام، ولا الخير من الشر، وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية: (أما النور فهو إيمانهم الذين كانوا يتكلمون به، وأما الظلمة فهي ضلالتهم وكفرهم الذي كانوا يتكلمون به، وهم قوم كانوا على هدى ثم نزع منهم فعتوا بعد ذلك).5

فاتضح – من خلال كلام علماء التفسير – أن هذا مثل ضربه الله للمنافقين الذين اشتروا الضلالة بالهدى، وكانوا في بادئ الأمر قد دخلوا في الإسلام، ثم كفروا بعد إسلامهم، وارتدوا على أعقابهم.

وقد ذهب ابن جرير إلى أنهم أصلاً لم يؤمنوا وإنما دخلوا في الإسلام نفاقاً من أول الأمر، واستدل بقوله – تعالى -: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ (سورة البقرة:8) فبيَّن الله أنهم يزعمون الإيمان وهم في الحقيقة لم يؤمنوا، وقد قال ابن كثير: والصواب أن هذا إخبار عنهم في حال نفاقهم وكفرهم، وهذا لا ينفي أنه كان حصل لهم إيمان قبل ذلك ثم سلبوه، وطبع على قلوبهم، ولم يستحضر ابن جرير هذه الآية هاهنا وهي قوله – تعالى -: ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (سورة المنافقون:3)6

المثل الثاني:

قوله – تعالى – في المنافقين أيضاً: أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ۝ يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاء لَهُم مَّشَوْاْ فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُواْ وَلَوْ شَاء اللّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّه عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (سورة البقرة:19-20).

وهذا مثل آخر ضربه الله  للمنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون، وقوله: كصيِّب: الكاف للتشبيه أي: مثل صيب، والصَّـيِّب هو المطر كما قاله جمع من علماء السلف والخلف، وقيل السحاب، والأول أصح وهو قول الجماهير.

قوله: فيه ظلمات: أي ظلمات الشكوك، والكفر، والنفاق، وقوله: ورعد وهو ما يزعج قلوب المنافقين من الخوف؛ لأن المنافقين يحسبون كل صيحة عليهم فكل خبر ونبأ يتوهمون أنه واقع بهم، وكل مصيبة يتخيلون أنها ستحل بهم؛ فلهذا هم في خوف دائم، وقلق مستمر؛ بسبب عدم الصراحة، فلا إيمان صادق.. ولا كفر واضح! لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وقوله: وبرق وهو نور القرآن العظيم، والوحي الشريف؛ الذي يلمع أحياناً في قلوبهم، ولكن سرعان ما يذهب بسبب عدم قابلية المكان.

قال ابن القيم – رحمه الله -: (ثم ضرب الله – سبحانه – لهم مثلاً آخر مائياً فقال: أَوْ كَصَيِّبٍ مِّنَ السَّمَاء فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصْابِعَهُمْ فِي آذَانِهِم مِّنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ واللّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ فشبه نصيبهم مما بعث الله به رسوله  من النور والحياة بنصيب مستوقد النار التي طفأت عنه أحوج ما كان إليها، فذهب نوره، وبقي في الظلمات حائراً تائهاً، لا يهتدي سبيلاً، ولا يعرف طريقاً، وبنصيب أصحاب الصيب وهو المطر الذي يصوب أي ينزل من علو إلى أسفل، فشبه الهدى الذي هدى به عباده بالصيب؛ لأن القلوب تحيا به حياة الأرض بالمطر، وشبه نصيب المنافقين من هذا الهدى بنصيب من لم يحصل له نصيب من الصيب إلا ظلمات ورعد وبرق، ولا نصيب له فيما وراء ذلك مما هو المقصود بالصيب من حياة البلاد والعباد، والشجر والدواب، فإن تلك الظلمات التي فيه، وذلك الرعد والبرق مقصود لغيره، وهو وسيلة إلى كمال الانتفاع بذلك الصيب، فالجاهل لفرط جهله يقتصر على الإحساس بما في الصيب من ظلمة ورعد وبرق، ولوازم ذلك: من برد شديد، وتعطيل مسافر عن سفره، وصانع عن صنعته، ولا بصيرة له تنفذ إلى ما يؤول إليه أمر ذلك الصيب من الحياة والنفع العام، هكذا شأن كل قاصر النظر، ضعيف العقل، لا يجاوز نظره الأمر المكروه الظاهر إلى ما وراءه من كل محبوب، وهذه حال أكثر الخلق إلا من صفت بصيرته).7

قال أبو عبد الله القرطبي – رحمه الله -: (وشبه الله – تعالى – في هذه الآية أحوال المنافقين بما في الصيب من الظلمات، والرعد، والبرق، والصواعق .. فالظلمات مثل لما يعتقدونه من الكفر، والرعد والبرق مثل لما يخوفون به، وقيل: مثَّل الله – تعالى – القرآن بالصيب لما فيه من الإشكال عليهم، والعمى هو الظلمات، وما فيه من الوعيد والزجر هو الرعد، وما فيه من النور والحجج الباهرة التي تكاد أحياناً أن تبهرهم هو البرق، والصواعق مثل لما في القرآن من الدعاء إلى القتال في العاجل، والوعيد في الآجل، وقيل: الصواعق تكاليف الشرع التي يكرهونها من الجهاد، والزكاة وغيرهما).8

وقوله – تعالى -: حذر الموت حَذَرَ: منصوب؛ لأنه مفعول لأجله أي: سبب جعلهم أصابعهم في آذانهم من الصواعق؛ لأجل خوفهم من الموت.

وقوله – تعالى -: والله محيط بالكافرين أي لا يجدي عنهم حذرهم ذلك، فإنهم لن يفوتوه، ولن يفلتوا من قبضته وقهره – سبحانه -، وكما قال – تعالى – في الآية الأخرى: بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي تَكْذِيبٍ۝ وَاللَّهُ مِن وَرَائِهِم مُّحِيطٌ (سورة البروج:19-20)، فلا ملجأ منه إلا إليه تبارك اسمه، وتعالى جده، ولا إله غيره.

قوله – تعالى -: يكاد البرق يخطف أبصارهم أي يقارب البرق من قوة لمعانه، وشدة إضاءته؛ أن يخطف أبصارهم، والخطف: الأخذ بسرعة.

والمقصود أن حجج القرآن، وبراهينه الساطعة؛ تكاد تبهرهم، ومن جعل البرق مثلاً للتخويف فالمعنى أن خوفهم مما ينزل بهم يكاد يذهب أبصارهم.9

وقوله: كلما أضاء لهم مشوا فيه أي كلما سمعوا القرآن، وظهرت لهم الحجج؛ أنسوا ومشوا معه، فإذا نزلت من القرآن ما يعمون فيه، ويضلون به، أو يكلفونه قاموا أي ثبتوا على نفاقهم، قاله ابن مسعود وقتادة  قال النحاس: وهذا قول حسن، ويدل على صحته: وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (سورة الحج:11).

وقوله – تعالى -: ولو شاء الله لذهب بسمعهم أي ولو شاء الله لأطلع المؤمنين عليهم فذهب منهم عز الإسلام، بالاستيلاء عليهم وقتلهم، وإخراجهم من بينهم.10

حكم عظيمة:

اشتمل المثالان السابقان على حكم عظيمة:

الأولى: أن المستضيء بالنار مستضيء بالنور من جهة غيره لا من قبل نفسه، فإذا ذهبت تلك النار بقي في ظلمة.. وهكذا المنافق لما أقر بلسانه من غير اعتقاد، ومحبة بقلبه، وتصديق جازم؛ كان ما معه من النور كالمستعار.

الثانية: أن دوام ضياء النار يحتاج إلى مادة تحمله كالزيت والغاز و…، وتلك المادة بمنزلة الغذاء للحيوان، فكذلك نور الإيمان يحتاج إلى مادة من العلم النافع، والعمل الصالح؛ يقوم الإيمان بها، ويدوم بدوامها، فإذا لم توجد مادة الإيمان طفئ كم تطفأ النار بفراغ مادتها.

الثالثة: أن الظلمة نوعان: ظلمة مستمرة لم يتقدمها نور، وظلمة حادثة بعد النور، وهي أشد الظلمتين، وأشقهما على من كانت حظه، فظلمة المنافق ظلمة بعد إضاءة، فمثلت حاله بحال مستوقد النار الذي حصل في الظلمة بعد الضوء، وأما الكافر فهو في الظلمات لم يخرج منها قط.

الرابعة: في هذا المثل تنبيه إلى حال المنافقين في الآخرة، وأنهم يعطون نوراً ظاهراً كما كان نورهم في الدنيا ظاهراً، ثم يطفأ ذلك أحوج ما يكونون إليه، إذ لم تكن له مادة باقية تحمله وهي: الإيمان، والعمل، والعلم، وبقوا في الظلمة على جسر جهنم لا يستطيعون العبور.11

اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا يا رب العالمين، اللهم أصلح قلوبنا، ونقها من الذنوب والمعاصي، واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم.

وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


1– تفسير ابن عاشور

2– «الكشاف» نقلا عن تفسير ابن عاشور

3– «روح المعاني» للألوسي

4– تفسير ابن كثير 1 /56، ط/ دار المعرفة.

5– المصدر السابق.

6– المصدر السابق.

7– التفسير القيم (118-119) ط: دار الفكر 1408هـ.

8– الجامع لأحكام القرآن (1 /219-220).

9– المصدر السابق.

10– المصدر السابق.

11– هذه الحكم ذكرها ابن القيم في (التفسير القيم ص120-121).