عاشوراء أحكام وبدع

عاشوراء أحكام وبدع

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا؛ من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن يوم العاشر من شهر محرم له منزلة ومكانة في ديننا، وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي  في فضل هذا اليوم، وفضل صيامه، وسنذكر في هذا الدرس بعض أحكام هذا اليوم، كما سنتطرق في الدرس القادم لبعض البدع التي ترتكب في هذا اليوم من قبل الشيعة وغيرهم حتى يحذرها الناس فلا يقعوا فيها.

تسمية عاشوراء وتحديده:

قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله -: عاشوراء بالمد على المشهور، وحكى فيه القصر، وزعم ابن دريد أنه اسم إسلامي، وأنه لا يعرف في الجاهلية، ورد ذلك عليه ابن دحية بأن ابن الأعرابي حكى أنه سمع في كلامهم خابوراء، وبقول عائشة – رضي الله عنها -: إن أهل الجاهلية كانوا يصومونه. أ.هـ.

وقد اختلف أهل الشرع في تحديد يوم عاشوراء هل هو التاسع من محرم، أو العاشر، ذكر هذا الخلاف الحافظ في الفتح، ونقل قول القرطبي وهو: عاشوراء معدول عن عاشرة للمبالغة والتعظيم، وهو في الأصل صفة لليلة العاشرة؛ لأنه مأخوذ من العشر الذي هو اسم العقد، واليوم مضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه الإسمية، فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة فصار هذا اللفظ علماً على اليوم العاشر، وعلى هذا فيوم عاشوراء هو العاشر من شهر الله المحرم وهذا قول الخليل وغيره، وقال الزين ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والسمية.

فضله ومكانته:

في الصحيحين عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه سئل عن يوم عاشوراء، فقال: ما رأيت رسول الله  صام يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا هذا اليوم – يعني يوم عاشوراء -.

إن ليوم عاشوراء فضيلة عظيمة، وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفاً بين الأنبياء – عليهم السلام -، وقد صامه نوح وموسى – عليهما السلام -، وكان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه، قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنباً، فتعاظم في صدورهم، فسألوا ما توبتهم؟ قيل: صوم عاشوراء يوم العاشر من محرم.

وقد كان للنبي  أربع حالات في صيام عاشوراء:1

الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم، ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: كان عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية، وكان النبي  يصومه، فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه؛ فترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء أفطره.

الحالة الثانية: أن النبي  لما قدم المدينة، ورأى صيام أهل الكتاب وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به صامه، وأمر الناس بصيامه، وأكد الأمر بصيامه حتى كانوا يصومونه أطفالهم، ففي الصحيحين عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قدم رسول الله  المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال رسول الله : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ، وأمر بصيامه)، وفي مسند الإمام أحمد عن أبي هريرة  قال: مر النبي  بأناس من اليهود قد صاموا عاشوراء، فقال: ما هذا من الصوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجى الله ​​​​​​​ موسى  وبني إسرائيل من الغرق، وغرق فيه فرعون، وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى – عليهما السلام – شكراً لله ​​​​​​​، قال النبي  : أنا أحق بموسى وأحق بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصوم، وفي الصحيحين عن سلمة بن الأكوع  أن النبي  أمر رجلاً من أسلم: أن أذن في الناس: من أكل فليصم بقية يومه، من لم يكن أكل فليصم، فإن اليوم يوم عاشوراء، وفيهما أيضاً عن الربيع بنت معوذ – رضي الله عنها – قالت: أرسل رسول الله غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائماً فليتم صومه، ومن كان أصبح مفطراً فليتم بقية يومه فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن؛ فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناه إياها حتى يكون عند الإفطار، وفي رواية: فإذا سألونا الطعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم بها حتى يتموا صومهم، وفي الباب أحاديث كثيرة جداً.

وقد اختلف العلماء : هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجباً، أم كان سنة متأكدة؟

على قولين مشهورين: ومذهب أبي حنيفة أنه كان واجباً حينئذٍ؛ وهو ظاهر كلام الإمام أحمد، وأبي بكر الأثرم، وقال الشافعي – رحمه الله -: بل كان متأكد الاستحباب فقط.

الحالة الثالثة: أنه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي  أمر الصحابة  بصيام عاشوراء وتأكيده فيه، وسبق حديث عائشة – رضي الله عنها – في ذلك، وفي الصحيحين عن ابن عمر – رضي الله عنهما – قال: صام النبي  عاشوراء، وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك ذلك، وكان عبدالله لا يصومه إلا أن يوافق صومه، وفي رواية لمسلم: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون عاشوراء، وأن رسول الله  صامه والمسلمون قبل أن يفرض رمضان، فلما فرض رمضان قال رسول الله : إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه، ومن شاء تركه، وفي رواية أيضاً: فمن أحب منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه وفي الصحيحين أيضاً عن معاوية  قال: سمعت رسول الله  يقول: هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم، فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر.

وفي صحيح مسلم عن ابن مسعود  أنه قال في يوم عاشوراء: هو يوم كان رسول الله  يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلما نزل شهر رمضان ترك)… فهذه الأحاديث كلها تدل على أن النبي  لم يجدد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره  بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب؛ فإنه ينبني على أن الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا؟ وفيه اختلاف مشهور بين العلماء ، وإن كان أمره للاستحباب المؤكد، فقد قيل: إنه زال التوكيد، وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد  : ونحن نفعله، وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد، وممن روى عنه صيامه من الصحابة عمر وعلى وعبد الرحمن بن عوف وأبو موسى وقيس بن سعد، وابن عباس، وغيرهم .

ويدل على بقاء استحبابه، ومداومة النبي  عليه قول ابن عباس – رضي الله عنهما -: لم أر رسول الله  يصوم يوماً يتحرى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان، وابن عباس إنما صحب النبي  بآخره، وإنما عقل منه  من أمره آخره، وفي صحيح مسلم عن أبي قتادة  أن رجلاً سأل النبي  عن صيامه؟ فغضب  ثم سأل عمر  عن أنواع من صيام التطوع؛ وصيام الدهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم وفطر يومين، يوم عرفة .. والنبي  يجيبه، ثم قال في جملتها عن صيام عاشوراء: أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، فدل ذلك على أن الرجل وعمر – رضي الله عنهما – لم يريدا السؤال عن صيام الفرض؛ وإنما سألا عن التطوع في الصيام.

أما “سَبَبُ غَضَبِهِ  أَنَّهُ كَرِهَ مَسْأَلَتَهُ; لِأَنَّهُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُجِيبَهُ، وَيَخْشَى مِنْ جَوَابه مَفْسَدَةً وَهِيَ: أَنَّهُ رُبَّمَا اِعْتَقَدَ السَّائِل وُجُوبه، أَوْ اِسْتَقَلَّهُ، أَوْ اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ، وَكَانَ يَقْتَضِي حَاله أَكْثَر مِنْهُ، وَإِنَّمَا اِقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّبِيّ  لِشُغْلِهِ بِمَصَالِح الْمُسْلِمِينَ وَحُقُوقهمْ، وَحُقُوق أَزْوَاجه، وَأَضْيَافه، وَالْوَافِدِينَ إِلَيْهِ؛ لِئَلَّا يَقْتَدِيَ بِهِ كُلُّ أَحَدٍ فَيُؤَدِّيَ إِلَى الضَّرَر فِي حَقّ بَعْضهمْ، وَكَانَ حَقّ السَّائِل أَنْ يَقُول: كَمْ أَصُوم أَوْ كَيْف أَصُوم؟ فَيَخُصّ السُّؤَال بِنَفْسِهِ؛ لِيُجِيبَهُ بِمَا تَقْتَضِيهِ حَالُهُ، كَمَا أَجَابَ غَيْره بِمُقْتَضَى أَحْوَالهمْ. وَاَللَّهُ أَعْلَمُ” قاله النووي في شرح مسلم.

وأخرج الإمام أحمد والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أم المؤمنين – رضي الله عنهما -: أن النبي  لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء والعشر، وثلاثة أيام من كل شهر).

الحالة الرابعة: أن النبي عزم في آخر عمره على أن لا يصومه مفرداً بل يضم إليه يوماً آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه، ففي صحيح مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: حين صام رسول الله  عاشوراء، وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال رسول الله : فإذا كان العام المقبل – إن شاء الله – صمنا اليوم التاسع قال: فلم يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله ، وفي رواية أيضاً عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: قال رسول الله : لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع مع العاشر يعني عاشوراء، وفي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس – رضي الله عنهما – عن النبي  قال: صوموا يوم عاشوراء خالفوا اليهود، صوموا التاسع، والعاشر، وعلل بخشية فوات عاشوراء قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه، وروى ابن أبي ذئب عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس – رضي الله عنهما -: أنه كان يصوم عاشوراء في السفر، ويوالي بين اليومين خشية فواته، وكذلك روي عن ابن إسحاق أنه صام يوم عاشوراء، ويوماً قبله، ويوماً بعده، وقال: إنما فعلت ذلك خشية أن يفوتني، وروى ابن سيرين أنه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطاً.

وروى عن ابن عباس والضحاك أن يوم عاشوراء هو تاسع المحرم، قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنه اليوم العاشر، إلا ابن عباس  فإنه قال: إنه التاسع، وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري هو التاسع أو العاشر، ولكن نصومهما، فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطاً، وابن سيرين يقول ذلك، وممن رأى صيام التاسع والعاشر: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصوم.

ومن أعجب ما ورد في عاشوراء أنه كان يصومه الوحش، والهوام، وقد روي مرفوعاً: أن الطير أو طير صام عاشوراء، خرجه الخطيب في تاريخه وإسناده غريب، وقد روي ذلك عن أبي هريرة  وروي عن فتح بن شخرف قال: كنت أفت للنمل الخبز كل يوم، فلما كان يوم عاشوراء لم يأكلوه، وروي عن القادر بالله الخليفة العباسي أنه جرى له مثل ذلك، وأنه عجب منه، فسأل أبا الحسن القزويني الزاهد فذكر له أن يوم عاشوراء تصومه النمل.

وقد روي: إن يوم عاشوراء كان يوم الزينة الذي كان فيه ميعاد موسى  لفرعون، وأنه كان عيداً لهم، ويروى أن موسى  كان يلبس فيه الكتان، ويكتحل فيه بالأثمد، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد رسول الله  يتخذونه عيداً، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك، وكان يسترون فيه الكعبة.2

وهنا قد يسأل سائل ويقول: هل يجوز أن يتخذ يوم عاشوراء عيداً؟ يجيب عن ذلك الإمام ابن رجب في كتابه لطائف المعارف3 فيقول: ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك ففي الصحيحين عن أبي موسى  قال: كان يوم عاشوراء يوماً تعظمه اليهود، وتتخذه عيداً فقال رسول الله : صوموه أنتم، وفي رواية مسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً، ويلبسون نسائهم فيه حليهم وشارتهم، فقال رسول الله : خالفوهم فصوموه وهذا يدل على النهي عن اتخاذه عيداً، وعلى استحباب صيام أعياد المشركين، فإن الصوم ينافي اتخاذه عيداً فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه كما تقدم، فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفية صيامه أيضاً، فلا تبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكلية. أ.هـ.

إلى هنا ونكتفي بهذا القدر في هذا الدرس، حتى الملتقى في الدرس القادم بمشيئة الله تعالى، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.


1 لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف لابن رجب ص53.

2– لطائف المعارف ص 58.

3– لطائف المعارف ص59