التنافس على الدنيا

التنافس على الدنيا

التنافس على الدنيا

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، وتبارك الذي جعل في السماء بروجاً وجعل فيها سراجاً وقمراً منيراً، وصلى وسلمَ وباركَ على عبده وحبيبه، ورسوله وخيرته من خلقه، نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..

أما بعد:

أيها الناس: ففي ظل هذه الزحمة من المدنية الهوجاء، والمادية العرجاء تزاحم الناس على الدنيا، وتنافسوا وتسابقوا في جمعها، بل وتقاتلوا من أجلها، يرضون إذا حصّلوها، ويسخطون ويحزنون إذا فقدوا شيئاً منها، يوالون ويعادون من أجلها؛ بل لقد أصبح البعض عبداً لها؛ كما قال النبي الخاتم محمد -عليه الصلاة والسلام- مخبراً عن حال من هذه صفته: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة، إن أعطي رضي، وإن لم يعط سخط؛ تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش)1.

من أجل التنافس على الدنيا، والتسابق في جمع حطامها وتحصيله، واللهث وراءها، فُقد الأمن والاستقرار، وتفرقت الأسر، وتخاصم الجيران، وفسد القضاء، وخرب التعليم، وضاعت الأمانة، وانتشر كل بلاء ومصيبة بسبب هذه الدنيا التي يتنافس فيها ويتقاتل عليها الناس؛ بل إن البعض ربما باع دينه مقابل عرض من الدنيا قليل؛ كما في الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً أو يمسي مؤمناً ويصبح كافراً يبيع دينه بعرض من الدنيا).2

أيها المسلمون: لقد وصف الله الدنيا بأوصاف ذميمة ليزهدنا فيها، ويحذرنا من التكالب عليها، والتنافس في جمع حطامها الفاني، وضرب أمثلة للدنيا لنفهم حقيقتها؛ فقال تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاء فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالأَنْعَامُ حَتَّىَ إِذَا أَخَذَتِ الأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَآ أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَن لَّمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} سورة يونس(24)؛ فقد“شبه سبحانه الحياة الدنيا في أنها تتزين في عين الناظر، فتروقه بزينتها وتعجبه، فيميل إليها ويهواها اغترارا منه بها؛ حتى إذا ظن أنه مالك لها، قادر عليها، سلبها بغتة أحوج ما كان إليها، وحيل بينه وبينها، فشبهها بالأرض التي ينزل الغيث عليها فتعشب، ويحسن نباتها، ويروق منظرها للناظر، فيغتر به، ويظن أنه قادر عليها مالك لها فيأتيها أمر الله فتدرك نباتها الآفة بغتة فتصبح كأن لم تكن قبل، فيخيب ظنه وتصبح يداه صفراً منها، فكذا حال الدنيا والواثق بها سواء”3.

وقال تعالى في وصف الدنيا: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا} سورة الحديد(20)؛ “فأخبر سبحانه عن حقيقة الدنيا بما جعله مشاهداً لأولي البصائر، وأنها لعب ولهب تلهو بها النفوس، وتلعب بها الأبدان، واللعب واللهو لا حقيقة لهما، وأنهما مشغلة للنفس، مضيعة للوقت، يقطع بها الجاهلون فيذهب ضائعا في غير شيء، ثم أخبر أنها: زينة زينت للعيون وللنفوس، فأخذت بالعيون والنفوس استحسانا ومحبة، ولو باشرت القلوب معرفة حقيقتها ومآلها ومصيرها لأبغضتها ولآثرت عليها الآخرة، ولما آثرتها على الآجل الدائم الذي هو خير وأبقى”4..

أيها المؤمنون: إن التنافس على الدنيا والتكالب عليها: سبب من أسباب هلاك الأمم؛ يقول الرسول الخاتم محمد -صلى الله عليه وسلم- مخاطباً الرعيل الأول: (…ولكن أخشى عليكم أن تبسط الدنيا عليكم كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها، وتهلككم كما أهلكتهم)5؛ كما أن التنافس على الدنيا يجر المتنافسين إلى كثير من الذنوب والمعاصي؛ فيتحاسدون ثم يتدابرون ويتقاطعون ثم يتباغضون؛ ومصداق ذلك ما جاء في حديث عبد الله بن عمر -رضي الله تعالى عنهما- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (إذا فتحت عليكم فارس والروم أي قوم أنتم؟) قال عبد الرحمن بن عوف: نقول كما أمرنا الله، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أو غير ذلك؟ تتنافسون ثم تتحاسدون ثم تتدابرون ثم تتباغضون!)6. فهذا الحديث يعبر عن حال كثير من المسلمين اليوم أصدق تعبير؛ ذلك أن الناظر إلى حال الناس فإنهم يتحاسدون ويتقاطعون ويتدابرون ويتباغضون، بل وربما يتقاتلون؛ كل ذلك من أجل الدنيا!!.

أيها الناس: إن الدنيا التي نتنافس عليها، ونتدابر ونتقاطع ونتقاتل من أجلها أهون على الله من هوان معز معيب ميت ملقى على قارعة الطريق علينا؛ فعن جابر -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مر بالسوق والناس كنفتيه -جانبيه- فمر بجدي أسك -صغير الأذن- ميت فتناوله فأخذ بأذنه، ثم قال: (أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟) فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيء وما نصنع به؟! قال: (أتحبون أنه لكم؟) قالوا: والله لو كان حيا كان عيباً أنه أسك فكيف وهو ميت؟!، فقال: (فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم)7. فلم يقتصر على تمثيلها بالجدي الأسك الميت، بل جعلها أهون على الله منها.

هذه الدنيا -عباد الله- التي يتقاتل الناس عليها لا تساوي عند الله جناح بعوضة؛ فعن سهل بن سعد الساعدي -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء)8..

هذه الدنيا ملعونة على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معلون ما فيها إلا ذكر الله؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله -تعالى- وما والاه وعالما ومتعلما)9..

أيها الناس: إن التنافس على حطام الدنيا مما خافه وخشاه النبي -صلى الله عليه وسلم- على أمته؛ فعن أبي سعيد الخُدري -رضي الله عنه- قال: جلس رسول الله-صلى الله عليه وسلم- على المنبر وجلسنا حوله، فقال: (إن مما أخاف عليكم بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها)10، فهذا مما خافه النبي على أمته في الصدر الأول؛ فكيف لا نخاف نحن من ذلك، ونحن في هذه العصور المتأخرة التي تكالب فيها الناس على الدنيا؛ ولحبه صلى الله عليه وسلم الخير لنا، وكرهه الشر لنا، حثنا صلى الله عليه وسلم على أن نتقي الله في الدنيا؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله تعالى مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون؟ فاتقوا الدنيا واتقوا النساء)11.. فاتقوا الله عباد الله في كل شأن من شؤونكم؛ فإن من: {يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا} سورة الطلاق(2)؛ {وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا} سورة الطلاق(5).

اللهم اغفر لنا وارحمنا، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على قائد الغر المحجلين إلى جنات النعيم، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان على يوم الدين.

أما بعد:

عباد الله: إن هذه الدنيا بما فيها عما قريب زائلة، فيجب أن لا يغتر بها العاقل.. إنه لا ينخدع بها إلا كل جاهل غافل، وأما العقلاء فإنهم منها على حذر دائم؛ فهذا النبي -صلى الله عليه وسلم- زهد فيها ولو أرادها لتحولت له جبالها ذهباً، ولكنه علم حالها وحقيقتها، فعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: نام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على حصير فقام وقد أثر في جنبه، قلنا: يا رسول الله لو اتخذنا لك وطاءً؟! فقال: (ما لي وللدنيا! ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها)12. ووصى صلى الله عليه وسلم جماعة من الصحابة أن يكون بلاغ أحدهم من الدنيا كزاد راكب، ووصى ابن عمر أن يكون في الدنيا كأنه غريب أو عابر سبيل وأن يعد نفسه من أهل القبور؛ يقول ابن عمر -رضي الله عنهما-: أخذ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بمنكبي، فقال: (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل)، وكان ابن عمر يقول: “إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك”13. يقول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-: “لو أن الدنيا من أولها إلى آخرها أوتيها رجل ثم جاءه الموت لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يسره ثم استيقظ فإذا ليس في يده شيء”. وقال مطرف بن عبدالله أو غيره: “نعيم الدنيا بحذافيره في جنب نعيم الآخرة أقل من ذرة في جنب جبال الدنيا”14.

وهذا الحسن البصري -رحمه الله- لما ذكرت الدنيا عنده قال:

أحلام نوم أو كظل زائل *** إن اللبيب بمثلها لا يخدع

وكان الحسن بن علي يتمثل هذا البيت كثيراً:

يا أهل لذات دنيا لا بقاء لها *** إن اغترارا بظل زائل حمق15

أيها المؤمنون: ما حال دنيا تذهب راحتها كلها بغمسة في نار جهنم!! قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (يُؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار يوم القيامة فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال: يا ابن آدم هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط)16.

أيها الناس: لا يعني التحذير من الدنيا أننا نتركها إلى الأبد ولا نشتغل فيها، أو أننا نلزم زاوية من المساجد لنعبد الله فيها، فحسب، ليس الأمر كذلك.. بل المقصود أن لا تطغى الدنيا علينا فنتنافس فيها فنهلك، ونقصد أيضاً أن لا نبالي أجمعنا المال من حلال أم حرام؛ بل الله -تبارك وتعالى- حثنا على عمارة الدنيا بالدين، وحثنا على السعي والعمل؛ فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} سورة الملك(15).

“فالدنيا في الحقيقة لا تذم، وإنما يتوجه الذم إلى فعل العبد فيها، وهي قنطرة أو معبر إلى الجنة أو إلى النار، ولكن لما غلبت عليها الشهوات والحظوظ والغفلة والإعراض عن الله والدار الآخرة فصار هذا هو الغالب على أهلها وما فيها وهو الغالب على اسمها صار لها اسم الذم عند الإطلاق، وإلا فهي مبنى الآخرة ومزرعتها، ومنها زاد الجنة، وفيها اكتسبت النفوس الإيمان، ومعرفة الله ومحبته، وذكره ابتغاء مرضاته، وخير عيش ناله أهل الجنة في الجنة إنما كان بما زرعوه فيها وكفى بها مدحاً وفضلا لأولياء الله فيها من قرة العيون، وسرور القلوب، وبهجة النفوس، ولذة الأرواح، والنعيم الذي لا يشبهه نعيم بذكره ومعرفته ومحبته وعبادته والتوكل عليه والإنابة إليه والأنس به والفرح بقربه والتذلل له ولذة مناجاته، والإقبال عليه والاشتغال به عمن سواه، وفيها كلامه ووحيه وهداه وروحه الذي ألقاه من أمره فأخبر به من شاء من عباده”17، فهنيئاً لمن استعمل الدنيا ولم تستعمله؛ استعملها في طاعة الله، والبعد عما حرم الله..

نسأل الله أن يستعملنا في طاعته وأن يجنبنا معصيته، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


 


1 رواه البخاري من حديث أبي هريرة.

2 رواه مسلم.

3  الأمثال في القرآن الكريم، صـ(12- 13) الناشر: مكتبة الصحابة – طنطا. ط(1) (1406هـ).

4  عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين”، صـ(140) لابن القيم.

5 رواه البخاري ومسلم من حديث عمر بن عوف الأنصاري -رضي الله عنه-.

6 رواه مسلم.

7 رواه مسلم.

8 رواه الترمذي، وقال: “حسن صحيح”، وقال الألباني: “صحيح”؛ كما في صحيح الجامع، رقم (5292).

9 رواه الترمذي، وقال: “حديث حسن”، وقال الألباني: “حسن”؛ كما في صحيح الجامع، رقم (1609).

10 متفق عليه.

11 رواه مسلم.

12 رواه الترمذي وابن ماجه وقال الترمذي:”حسن صحيح”، وقال الألباني: “صحيح لغيره”؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب، رقم(3282 ).

13 رواه البخاري.

14 مدارج السالكين (3/93). الناشر: دار الكتاب العربي-بيروت.

15 إحياء علوم الدين(3/214). الناشر: دار  المعرفة –بيروت.

16 رواه مسلم.

17 عدة الصابرين، صـ(143).