خطب / واقع

صور من قطيعة الرحم

صور من قطيعة الرحم

الخطبة الأولى:

الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, اللهم صل وسلم وبارك عليه, وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

عباد الله:

أمر الله تعالى عباده بتوحيده، والتمسك بشريعته الغراء التي نظمت حياة العباد مع أنفسهم ومع من حولهم من الأقارب والأباعد من الوالدين والأرحام والجيران والمؤمنين عامة, قال تعالى: {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا} (36) سورة النساء.

لقد بينت هذه الآية ونصوص الكتاب والسنة الأخرى أمْرَ الله بصلة الأرحام والبر والإحسان إليهم، ونهى وحذر عن قطيعتهم والإساءة إليهم، وبين -صلى الله عليه وسلم- أن قطيعة الأرحام مانعاً من دخول الجنة مع أول الداخلين، ومُصْلٍ للمسيئين لأرحامهم بنار الجحيم.

وعلى الرغم من وصية الله ورسوله بالأقارب وجعْلِ الإسلام صلة الرحم من الحقوق العشرة التي أمر الله بها أن توصل في قوله تعالى {وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى}, إلا أن كثيراً من المسلمين أضاعوا هذا الحق مثل إضاعتهم لغيره من الحقوق أو أشد مما جعل الحقد والبغضاء والشحناء تحل محل الألفة والمحبة والرحمة بين أقرب الأقربين وبين الأخوة في الدين على حد سواء, وهذا لاشك ولا ريب إنذار بحلول غضب الله ولعنه وعقابه والعياذ بالله, قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (22-23) سورة محمد.

وإن الناظر في واقع المسلمين يجد أن هذا الداء انتشر في أوساطهم, وهذا كله له أسبابه وعوامله التي ينبغي على المسلمين التعرف عليها لاجتنابها, والأسباب كثيرة وما انتشرت إلا لبعد الناس عن منهج الله في معاملاتهم إلا من رحم الله, ومن تلك الأسباب التي عمَّت في الأمة: الجهل؛ إذ الجهل بعواقب القطيعة العاجلة والآجلة يحمل عليها ويقود إليها, والجهل بفضائل الصلة العاجلة الآجلة يقصر عنها ولا يبعث إليها, ومن ذلك ضعف التقوى ورقة التدين الذي إذا مرض بهما العبد لم يبال بقطع ما أمر الله به أن يوصل, ولم يطمع بأجر الصلة ولم يخش عاقبة القطيعة.

ومما انتشر في الأمة مما هو سببٌ لقطيعة الرحم إتصاف بعضهم بالكبر –عياذاً بالله- فبعض الناس إذا نال منصباً رفيعاً أو حاز مكانة عالية أو كان تاجراً كبيراً تكبر على أقاربه وأنف من زيارتهم والتودد إليهم بحيث يرى أنه صاحب الحق وأنه أولى بأن يزار ويؤتى إليه, وهذا كثير في واقع الأمة اليوم, ومن ذلك –أيضاً- وجود الشح والبخل في نفوس بعض المسلمين, فمن الناس من إذا رزقه الله مالاً أو جاهاً تجده يتهرب من أقاربه خوفاً من الاستدانة منه أو يكثرون الطلبات عليه أو غير ذلك, وكذلك الاشتغال بالدنيا واللهث وراء حطامها؛ فلا يجد هذا اللاهث وقتاً يصل به قرابته ويتودد إليهم, فينسى الأقارب في الولائم والمناسبات, فربما نسي واحداً من أقاربه، وربما كان هذا المنسي ضعيف النفس أو ممن يغلب سوء الظن فيفسر هذا النسيان بأنه تجاهل له واحتقار لشخصه فيقوده ذلك الظن إلى الهجر.

عباد الله:

يا من آمنتم بالله ورسوله, انظروا في حالكم انظروا في أقاربكم هل قمتم بما يجب لهم عليكم من صلة؟ هل ألنتم لهم الجانب؟ هل أطلقتم الوجوه لهم وهل شرحتم الصدور عند لقائهم؟ هل قمتم بما يجب لهم من محبة وتكريم واحترام؟ هل زرتموهم في صحتهم تودداً؟ وهل عدتموهم في مرضهم احتفاء وسؤالًا؟ هل بذلتم ما يجب بذله لهم من نفقة وسداد حاجة.

إن من الناس من لا ينظر إلى والديه اللذين أنجباه وربياه إلا نظرة احتقار وسخرية وازدراء يكرم امرأته ويهين أمه, ويقرب صديقه ويبعد أباه, إن جلس عند والديه فكأنه على جمر يستثقل الجلوس ويستطيل الزمن, اللحظة عندهما كالساعة أو أكثر, لا يخاطبهما إلا ببطء وتثاقل, ولا يفضي إليهما بسر ولا أمر مهم, قد حرم نفسه لذة البر وعاقبته الحميدة.

وإن من الناس من لا ينظر إلى أقاربه نظرة قريب لقريبه ولا يعاملهم معاملة تليق بهم, يخاصمهم في أقل الأمور ويعاديهم في أتفه الأشياء, ولا يقوم بواجب الصلة لا في الكلام ولا في الفعال ولا في بذل المال, تجده ثريَّاً وأقاربه محاويج فلا يقوم بصلتهم, بل قد يكونون ممن تجب نفقتهم عليه لعجزهم عن التكسب وقدرته على الإنفاق عليهم فلا ينفق, وقد قال أهل العلم كل من يرث شخصاً من أقاربه فإنه تجب عليه نفقته إذا كان محتاجاً عاجزاً عن التكسب وكان الوارث قادراً على الإنفاق؛ لأن الله تعالى يقول: {وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ} (233) سورة البقرة. أي مثل ما على الوالد من الإنفاق, فمن يبخل بما يجب عليه يندم يوم القيامة سواء طلبه المستحق منه أو استحيا وسكت.

وهناك مشكلة أخرى كبيرة تقع بين الأرحام فتسبب القطيعة وهي تأخير قسمة الميراث, وهي قيام بعضهم حين وفاة من يرثون منه بقسمة التركة بينهم, ويضيعون حقوق أخواتهم إلا من اليسير؛ وذلك بسبب عدم حاجة النساء إلى المال -حسب زعمهم- ومن صور الظلم في الميراث قيام بعض الناس بقسمة التركة قسمة شرعية فيعطي أخوته الذكور حقهم، أما أخواته فإنه لا يعطيهن شيئاً؛ بسبب زواجهن فلو أعطاهن شيئاً فقد يعطينه لأزواجهن فيخرج مالهم إلى أجنبي عنهم, فلأجل ذلك يبقى المال عنده يحفظه لهن -على حد زعمه- وقد يبقى المال عنده سنوات طويلة, بل قد تموت هذه المرأة وهي لم تأخذ نصيبها من الميراث وهذا قد نشاهده في وقائع قريبة منا, والعياذ بالله. ولا ندري ما سبب هذا الظلم أهو أن هذا الرجل لا يعلم أن الإسلام أعطى المرأة -إذا كانت حرة رشيدة- حقها في التصرف بمالها كيف تشاء، ولها أن تعطيه من تشاء، وأنه لا يجوز له ولا لغيره أن يقوم بحفظ مالها إلا بإذنها، وأنه حين يتصرف في مالها بغير إذن منها فإن ذلك يعتبر من التعدي على حقها, والظلم لها فهل هذا الرجل وأمثاله يجهل هذا الحكم؟ أم أن سبب هذا الظلم هو حب المال، وتقديم الدنيا على الدين والعياذ بالله؟.

وإن من صور القطيعة المنتشرة في أوساط المسلمين أن البعض لا يصل أقاربه إلا إذا وصلوه, وهذا في الحقيقة ليس بصلة بل هي مكافأة؛ إذ أن المروءة والفطرة السليمة تقتضي مكافأة من أحسن إليك قريباً كان أم بعيداً, يقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا)1.

أيها المسلمون:

إن من مبادئ الإسلام الاجتماعية الأولى تشبيك جماعات المسلمين في وحدة جسدية جماعية عامة, وأولى الناس بذلك الأقربون رحماً، فلهم حق أخوة الإسلام، ولهم حق قرابة الرحم.

وإن الإساءة إلى الأرحام، أو التهرب من أداء حقوقهم صفة من صفات الخاسرين الذين قطعوا ما أمر الله به أن يوصل، بل إن ذلك جريمة وكبيرة من كبائر الذنوب.

وإن الإنسان منا ليسؤوه ويحزنه أشد الإساءة ما يراه بعيـنه أو يسمعه بأذنيه من قطيـعة لأقرب الأرحام الذين فُطر الإنسان على حبهم وبرهم وإكرامهم، حتى أصبح من الأمور المعتادة في بعض المجتمعات أن نسمع أن أحد الوالدين اضطر إلى اللجوء للمحكمة لينال حقه من النفقة أو يطلب حمايته من ابنه، هذا الذي كان سبب وجوده.

ومعلوم أن عقوق الوالدين قطع برهما والإحسان إليهما وأعظم من ذلك أن يتبع قطع البر والإحسان بالإساءة والعدوان سواءً بطريق مباشر أو غير مباشر ، ففي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أن النبي  -صلى الله عليه وسلم- قال: (مِنْ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ), قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ, وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: (نَعَمْ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ)2.

لقد استبعد الصحابة -رضي الله عنهم- أن يشتم الرجل والديه مباشرة ولعمر الله, إنه لبعيد؛ لأنه ينافي المروءة والذوق السليم فبين النبي -صلى الله عليه وسلم- أن ذلك قد لا يكون مباشرة ولكن يكون عن طريق التسبب بأن يشتم الرجل والدي شخص فيقابله بالمثل ويشتم والديه.

وعَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ  قَالَ: قُلْنَا لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ –رضي الله عنه- أَخْبِرْنَا بِشَيْءٍ أَسَرَّهُ إِلَيْكَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: مَا أَسَرَّ إِلَيَّ شَيْئًا كَتَمَهُ النَّاسَ, وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: (لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ آوَى مُحْدِثًا, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ لَعَنَ وَالِدَيْهِ, وَلَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ الْمَنَارَ)3. ولا يفعل مثل هذا الجرم إلا الإنسان الذي قسا قلبه وقلَّت مروءته وانعدم إحساسه بالمسؤولية.

وصور قطيعة الرحم كثيرة –يا عباد الله- فهي تكون بهجرهم، والإعراض عن الزيارة المستطاعة، وعدم مشاركتهم في مسراتهم، وعدم مواساتهم في أحزانهم، كما تكون بتفضيل غيرهم عليهم في الصلات والعطاءات الخاصة، التي هم أحق بها من غيرهم.

نسأل الله أن يصلح أحوالنا, ويردنا إليه مرداً جميلاً, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا, ونستغفره من جميع ذنوبنا ومعاصينا, إنه غفور حليم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, والصلاة والسلام على رسوله الأمين, وعلى آله وصحبه الغر الميامين, وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الديـن...

أما بعد:

من يطع الله ورسوله فقد رشد, ومن يعص الله ورسوله فقد غوى, وإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى, وإنما توعدون لآتٍ وما أنتم بمعجزين.

أيها الناس:

إن لصلة الرحم ذكرى حسنة وأجر كبير؛ إنها سبب لدخول الجنة وصلة الله للعبد في الدنيا والآخرة، واقرءوا إن شئتم قول الله تعالى: {إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ* الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ* وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ*  وَالَّذِينَ صَبَرُواْ ابْتِغَاء وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلاَنِيَةً وَيَدْرَؤُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ} (19-22) سورة الرعد.

وفي الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- أن رجلًا قال: يا رسول الله, أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّبُنِي مِنْ الْجَنَّةِ وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنْ النَّارِ قَالَ فَكَفَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: (لَقَدْ وُفِّقَ أَوْ لَقَدْ هُدِيَ, كَيْفَ قُلْتَ؟) قَالَ: فَأَعَادَ, فَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (تَعْبُدُ اللَّهَ لَا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَتُقِيمُ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ)4.

إن صلة الرحم سبب لطول العمر وكثرة الرزق, وقطعها سبب لغضب الله وقطعه, وفي ذلك يقول النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ فِي رِزْقِهِ وَأَنْ يُنْسَأَ لَهُ فِي أَثَرِهِ فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ)5. ويقول -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ حَتَّى إِذَا فَرَغَ مِنْ خَلْقِهِ قَالَتْ الرَّحِمُ: هَذَا مَقَامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنْ الْقَطِيعَةِ، قَالَ: نَعَمْ أَمَا تَرْضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قَالَتْ: بَلَى يَا رَبِّ، قَالَ: فَهُوَ لَكِ) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: ( فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} (22) سورة محمد)6. وعَنْ عَائِشَةَ –رضي الله عنها- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَقُولُ مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّهُ)7.

ولقد بيَّن رسول الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أن صلة الرحم أعظم أجرًا من العتق ففي الصحيحين عن مَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا أَعْتَقَتْ وَلِيدَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَلَمَّا كَانَ يَوْمُهَا الَّذِي يَدُورُ عَلَيْهَا فِيهِ قَالَتْ: أَشَعَرْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي أَعْتَقْتُ وَلِيدَتِي؟ قَالَ: (أَوَفَعَلْتِ) قَالَتْ: نَعَمْ, قَالَ: (أَمَا إِنَّكِ لَوْ أَعْطَيْتِهَا أَخْوَالَكِ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِكِ)8.

فليحذر المسلم من قطع رحمه؛ لما يشكل ذلك من خطر على العبد في الدنيا والآخرة حيث إن قاطع الرحم ملعون في كتاب الله؛ قال الله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} (22-23) سورة محمد. قال علي بن الحسين لولده: "يا بني لا تصحبن قاطع رحم فإني وجدته ملعوناً في كتاب الله في ثلاثة مواطن". ومن هذه المواطن الثلاث قوله تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ* أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ} وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ} (25) سورة الرعد. والله أعلم.

وقاطع الرحم من الفاسقين الخاسرين قال الله تعالى: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ* الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} (27) سورة البقرة. فقد جعل الله من صفات الفاسقين الخاسرين الضالين قطع ما أمر الله به أن يوصل ومن ذلك صلة الأرحام.

وإن قاطع الرحم تعجل له العقوبة في الدنيا ولعذاب الآخرة أشد وأبقى؛ فعَنْ أَبِي بَكْرَةَ –رضي الله عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-: (مَا مِنْ ذَنْبٍ أَجْدَرُ أَنْ يُعَجِّلَ اللَّهُ لِصَاحِبِهِ الْعُقُوبَةَ فِي الدُّنْيَا مَعَ مَا يَدَّخِرُ لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْبَغْيِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ)9.

وقد رأينا مصداق هذا في دنيا الواقع، فقاطع الرحم غالباً ما يكون تعباً قلقاً على الحياة، لا يبارك له في رزقه، منبوذاً بين الناس لا يستقر له وضع ولا يهدأ له بال.

ومن أعظم العقوبات التي يعاقب بها قاطع الرحم أن يحرم من دخول الجنة، فقد قال الرسول -صلى الله عليه وسلم-: (لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَاطِعٌ)10.

فصلوا أرحامكم –أيها المؤمنون- وإن قطعوكم وستكون العاقبة لكم عليهم, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ –رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ, إِنَّ لِي قَرَابَةً أَصِلُهُمْ وَيَقْطَعُونِي وَأُحْسِنُ إِلَيْهِمْ وَيُسِيئُونَ إِلَيَّ وَأَحْلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ, فَقَالَ –عليه الصلاة والسلام-: (لَئِنْ كُنْتَ كَمَا قُلْتَ فَكَأَنَّمَا تُسِفُّهُمْ الْمَلَّ، وَلَا يَزَالُ مَعَكَ مِنْ اللَّهِ ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ مَا دُمْتَ عَلَى ذَلِكَ)11.

ومعنى تسفهم المل: أي تطعمهم الرماد الحار أو الجمر، لأن ما يأكلونه منك حرام عليهم، لسوء مجازاتهم لك.

فاتقوا الله –عباد الله- وصلوا أرحامكم واحذروا من قطيعتهم, واستحضروا دائماً ما أعد الله تعالى للواصلين من الثواب وللقاطعين من العقاب, نعوذ بالله من سيء العمل، ومزالق الزلل، وكبائر الإثم، وسوء المصير, وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم, والحمد لله رب العالمين12.


 

1 رواه البخاري -5532- (18/394).

2 رواه مسلم -130- (1/245).

3 رواه مسلم -3658- (10/175).

4 رواه مسلم -14- (1/95).

5 رواه البخاري -5526- (18/385), ومسلم -4639- (12/411).

6 رواه البخاري -5528- (18/388) ومسلم -4634- (12/406).

7 رواه مسلم – 4635-(12/407).

8 رواه البخاري -2403- (9/47) ومسلم -1666- (5/167).

9 رواه الترمذي -2435- (9/51) وأحمد -19503- (41/362) وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم (4932).

10 رواه البخاري -5525- (18/383) ومسلم -4636- (12/408).

11 رواه مسلم -4640- (12/412).

12  استفيدت الخطبة بتصرف من: http://www.islamweb.net/ver2/archive/readArt.php?lang=A&id=35607

كتاب: خطب مختارة لـ(اختيار وكالة شئون المطبوعات والنشر بوزارة الشؤون الإسلامية). وسلسلة العلامتين ابن باز والألباني من موقع  http://saaid.net/rasael/247.htm