هجر القرآن

هجر القرآن

 

هجر القرآن

 

الخطبة الأولى

الحمد لله القائل: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(30) سورة الفرقان . أحمده سبحانه جعل القرآن هادياً للتي هي أقوم ومبشراً لمن تمسك به أن له عند ربه فضلاً كبيراً، قال سبحانه: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا} (9) سورة الإسراء.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له القائل: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) سورة فصلت.

وأشهد أن محمداً عبده ورسوله القائل: "اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه"[1].

 وصلى الله وسلم وبارك على محمد الذي أرسله ربه للعالمين هادياً ومبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وجعل معجزته الخالدة هي كتاب الله الذي {لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} (42) سورة فصلت .

أيها المسلمون:

إن القرآن العظيم هو الذي أخرجنا به نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – من الظلمات إلى النور، وجعلنا خير أمة أخرجت للناس، بل جعل هذه الأمة تبلغ ذروة الفضائل والمجـد، قال سبحانه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1) سورة إبراهيم.

إنه الأصل الذي يرجع إليه، والنبع الذي تتفجر منه عيون الإيمان واليقين، وفيه ترد يقين النفوس، ولذة عيون المتدبرين، وملاذ قلوب المنكسرين، وبماذا يمكن أن تصفه عيون الشعر مهما أوتي أصحابها من بيان وإبداع، إذ هو كلام الله المنزلْ، تكلم به حقيقة – سبحانه – وهو صراطه المستقيم، وحبل الله المتين، ومع هذا كله ترى توقير هذا الكتاب وإعطاءه حقه لم يقم به إلا القليل ممن رحم الله من المؤمنين، وإلا فقد هجره الكثير، فهذا يقدح فيه، وهذا يعرض عنه ويهجره، تارة بعدم قراءته، وتارة بالإعراض عنه واللغو فيه وتارة بعدم اتباع أوامره واجتناب نواهيه وإلقائه جانباً، وترك التحاكم إليه، كما هو حال أهل الكتاب حيث قال الله عنهم: {وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللّهِ وَرَاء ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} (101) سورة البقرة .وقال جل وعلا: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} (26) سورة فصلت. وترى كل فرد أو طائفة أو أمة ممن هجروا القرآن يتملصون منه بوسائل وادعاءات متنوعة! فترى البعض يدعي أن القرآن لا يصلح لهذا الزمان في التحاكم، فيتحاكمون إلى قوانين وضعية وينحون القرآن جانباً باسم الحضارة والديموقراطية!! واعتقادهم أنه لا يفيد اليقين، وأن أدلته لفظية لا تحصل العلم اليقيني، ومثل هؤلاء ينطبق عليهم قوله تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا}(57) سورة الكهف.

وغيرهم جعلوا القرآن للتبرك والقراءة على الأموات، وتعليقه على الأيدي والرقاب دون قراءته بتدبر وتعلم أحكامه ليعبدوا الله على بصيرة، وليس لهذا نزل القرآن بل نزل للتدبر والعمل به، {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (24) سورة محمد. كل ذلك وغيرها صور من هجر كتاب الله تعالى.

وإن من مظاهر هجر القرآن – يا أمة الإسلام – التي صارت سمة كثير من عباد الله القول فيه بغير الحق، وهذا صنيع الكفار الذين حكى الله عنهم بقوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(30) سورة الفرقان.

ومنهم من يصف القرآن بأنه يحرض على الإرهاب وأنه لا يصلح اتخاذه منهجاً في هذا العصر، فنحن في عصر التقدم والرقي!! وأن الذين يلتزمون أحكامه وآدابه وقوانينه إنما هم متخلفون جهلاء، بل وصل الأمر من قبل أعداء الله من الكفرة والمنافقين إلى الدعوة لحذف بعض الآيات منه في المناهج الدراسية خاصة آيات الجهاد! بحجة أنها تحرض على العنف والإرهاب! وعدم السلام مع الآخر.

ومن صور الهجر التي تقع لكتاب الله: ترك تلاوته بالكلية، قال ابن عباس – رضي الله عنهما – : "الذي ليس في جوفه شيءٌ من القرآن كالبيت الخرب".

ومن صور هجر القرآن – أيضاً – : نسيانه تعمداً بعد حفظه.

ومن صور هجر القرآن، ترك استماعه والإعراض عنه، قال – تعالى – آمراً باستماع القرآن والإنصات له: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (204) سورة الأعراف، وامتدح – سبحانه – عباده الذين يعظمون كلامه فيستمعون له وينصتون، ويزداد إيمانهم عند سماعه، مع الاستعداد لقبول ما يدعو إليه، فقال تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} (73) سورة الفرقان، وقال سبحانه: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ}(2) سورة الأنفال. وإن من هجر القرآن – أيضاً – هجر الاستشفاء والتداوي به في جميع أمراض القلب وأدوائها فيطلب شفاء دائه من غيره ويهجر التداوي به و هذا من هجر العمل بالقرآن مع أن الله قد جعل فيه شفاءً للناس من أمراض القلوب والأبدان، قال سبحانه: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} (82) سورة الإسراء[2].

اللهم اغفر وارحم وأنت خير الراحمين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين. وأشهد أن لا إله ألا الله وحده لا شريك له ولي المتقين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله المبعوث رحمةً للعالمين، اللهم صل وسلم وبارك عليه وعلى آله وصحبه، أما بعد:

أيها المسلمون:

إن هاجر القرآن الكريم هو في الحقيقة معادٍ لله – تعالى – ، وهذه نتيجة خطيرة تحتم علينا التوبة إلى الله قبل فوات الأوان.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله – في قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ }(31) سورة الفرقان "وهذه الآية ذكرها الله تعالى بعد قوله: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا*وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِّنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا}(30 – 31) سورة الفرقان، فبين أن من هجر القرآن فهو من أعداء الرسول، وأن هذه العداوة أمر لا بد منه ولا مفر عنه، ألا ترى إلى قوله تعالى: {وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا*يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا* لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا}(27 – 29) سورة الفرقان[3].أ – هـ.

إن مما ينبغي أن يستعين به العبد للعودة إلى حب كتاب الله تعالى والتزام تلاوته والخضوع لأوامره واجتناب نواهيه: النظر في أهمية هذا الكتاب العزيز ومعرفة قدره والتعرف على حقيقة ما فيه، فإن العبد لو استشعر حقيقة هذا الكلام الذي في القران أنه كلام الله وأنه صفة من صفاته جل وعلا، واستمع إليه مستشعراً أن الله يخاطبه، وتدبر الآيات التي فيه فإنه سيجد نفسه أمام كثير من صفات الله مُنزِل هذا القرآن وأسمائه، وصفاته، وستؤثر ذلك في قلبه إن كان له قلب حي، وسيجد لذة تلك الآيات التي ستؤثر في قلبه وبدنه قال تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ} (23) سورة الزمر. وقال عن النصارى الذين تأثروا بالقرآن وظهر ذلك التأثير جلياً في وجوههم: {وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} (83) سورة المائدة .

عبد الله:

إنك وأنت تقرأ آيات يتجلى فيها الرب في جلباب الهيبة والعظمة والجلال، كما في قوله – تعالى – : {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى*لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى*وَإِن تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى*اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاء الْحُسْنَى}(5 – 8) سورة طـه. فإن الأعناق تخضع، والنفوس تنكسر، والأصوات تخشع، والكبر يذوب كما يذوب الملح في الماء. وإذا تجلى – سبحانه – بصفات الرحمة واللطف والبر والإحسان كما في قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}(49) سورة الحجر وقوله: {اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَن يَشَاء وَهُوَ الْقَوِيُّ العَزِيزُ} (19) سورة الشورى، عندها تنبعث قوة الرجاء من العبد، وينبسط أمله، ويسير إلى ربه وحادي الرجاء يحدو ركاب سيره، وكلما قوي الرجاء جد في العمل.

وإذا تجلى الله بصفات العدل والانتقام والغضب والسخط والعقوبة انقمعت النفس الأمارة، وتطلعت أو ضعفت قواها من الشهوة والغضب واللهو واللعب والحرص على المحرمات.

وإذا تجلى بصفات الكفاية والحسب والقيام بمصالح العباد وسوق أرزاقهم إليهم ودفع المصائب عنهم، ونصرة أوليائه، وحمايته لهم كما في قوله تعالى: {أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِن دُونِهِ}(36) سورة الزمر. وقوله: {ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُواْ كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنجِ الْمُؤْمِنِينَ }(103) سورة يونس. وغيرها من الآيات، فإنه تنبعث من العبد قوة التوكل عليه، والتفويض إليه، والرضا به، فهنا يكون العبد قد ملأ قلبه بمقومات الاستقامة التي تجعله يسير سيراً حثيثاً إلى الله حيث يجعل القرآن دليله ومرشده فلا يكل ولا يمل من تلاوته وتدبره بل ينور الله بصيرته ويدعو إلى الله على بصيرة {قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (108) سورة يوسف.

 اللهم اجعل القران ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا، اللهم ذكرنا منه ما نسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار واجعله حجةً لنا لا حجةً علينا برحمتك يا أرحم الراحمين.

والحمد لله رب العالمين،،

 

 

 

 

 

 

 

المراجع/

 1- مجموع الفتاوى (4/106) لأبي العباس/ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني

2- الفتاوى الكبرى) لابن تيمية (6/327).

3- موسوعة نضرة النعيم (11/5691) .ط: دار الوسيلة..

4- موقع المنبر.


 


[1] رواه مسلم برقم804 (1/553)

[2] الفتاوى الكبرى لابن تيمية(6/327).

[3] مجموع الفتاوى (4/106) لأبي العباس/ أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني .