Share |

خطب / أحكام

الوقف الإسلامي

 

 

الوقف الإسلامي

 

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً، الحمد لله الذي أعز من وقف على قدم عبوديته تذللاً وانكساراً، وادخر عنده للمتصدقين بالأوقاف من الثواب ما يزيد على أحد أوقاف. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له شهادة أدخرها ذخراً للآخرة، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله وصفيه من خلقه وخليله، من أرسله الله بالهدى ونور الحق ليظهره على الدين كله ولو كره الكافرون، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه والتابعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} (سورة آل عمران: 102). {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}(سورة النساء: 1) {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} (سورة الأحزاب :70-71) ، أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

عباد الله: إن للوقف الإسلامي فوائد جليلة، وآثاراً عظيمة على مستوى الأفراد والشعوب. إن الواقف إذا مات لم ينقطع عمله لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له) رواه الترمذي. وقد شرع الله الوقف وندب إليه، وجعله قربة من القرب التي يتقرب بها إلى الله، ولم يكن أهل الجاهلية يعرفون الوقف، وإنما شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم ودعا إليه، ورغب فيه.. وفي الحديث السابق: أن عمل الميت ينقطع إلا من هذه الثلاثة الأشياء؛ لأنها من كسبه: فولده، وما يتركه من علم، وكذا الصدقة الجارية، كلها من سعيه، علماً نشره، أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورثه، أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه، أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته).1

ووردت خصال أخرى بالإضافة إلى هذه فيكون مجموعها عشراً نظمها السيوطي فقال:

إذا مات ابن آدم ليس يجزى          عليـه من فعـال غير عشر

علوم بثـها ودعاء نـجل           وغرس النخل والصدقات تجري

وراثة مصحف ورباط ثغر           وحفر البئر أو إجـراء نـهر

وبيت للغريب بناه يـأوي            إليـه أو بـناء مـحل ذكر

وقد وقف رسول الله صلى الله عليه وسلم، ووقف أصحابه المساجد والأرض والآبار والحدائق والنخيل، ولا يزال الناس يقفون من أموالهم إلى يومنا هذا.

وهاكم بعض الأمثلة للأوقاف في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: لما قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة وأمر ببناء المسجد قال: (يا بني النجار: ثامنوني بحائطكم هذا؟ فقالوا: والله لا نطلب ثمنه إلا إلى الله تعالى)رواه البخاري ومسلم. وعن عثمان بن عفان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: من حفر بئر رومة فله الجنة. قال: فحفرتها. رواه البخاري، وفي رواية البغوي: أنها كانت لرجلٍ من بني غفار عين يقال لها رومة، وكان يبيع منها القربة بمد، فقال صلى الله عليه وسلم: تبيعنيها بعين في الجنة؟ فقال: يا رسول الله ليس لي ولا لعيالي غيرها. فبلغ ذلك عثمان: فاشتراها بخمسة وثلاثين ألف درهم. ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أ تجعل لي ما جعلت له؟ قال: نعم. قال: قد جعلتها للمسلمين.

لقد أوقف عثمان رضي الله عنه ذلك البئر فاستحق جنة عرضها السماوات والأرض، جزاء ذلك الوقف. وهذا سعد بن عبادة رضي الله عنه بلغ به بر أمه أنه أراد أن يوقف وقفاً لأمه ينال به الأجر عند الله، فقال: يا رسول الله إن أم سعد ماتت فأي الصدقة أفضل – أي أكثر ثواباً-؟ قال: الماء. فحفر بئراً، وقال: هذه لأم سعد2.

عباد الله: تأملوا قوله تعالى: {لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}(آل عمران92),  لقد فهم الصحابة رضي الله عنهم هذه الآية فهماً عميقاً، وبذلوا مالهم؛ بل كان بعضهم ينظر في ماله، فيختار أفضل ماله، وأحبه إليه فيتصدق به حتى ينال الأجر والبر.

وفي صحيح البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أصاب عمر بخيبر أرضاً، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أصبت أرضاً لم أصب مالاً قط أنفس منه، فكيف تأمرني به؟ قال:(إن شئت حبست أصلا، وتصدقت بها)، فتصدق عمر أنه لا يباع أصلها، ولا يوهب ولا يورث، وإنما هي صدقة في الفقراء والقربى والرقاب وفي سبيل الله، والضيف، وابن السبيل، ولا جناح على من وليها أن يأكل منها بالمعروف، أو يطعم صديقاً غير متمول فيه)أخرجه البخاري ومسلم.

وذكر الطرابلسي فقال: حبست عائشة رضي الله عنها، وأختها أسماء وأم سلمة وأم حبيبة وصفية، وأزواج النبي صلى الله عليه وسلم، وحبس سعد بن أبي وقاص، وخالد بن الوليد وجابر بن عبد الله، وعقبة بن عامر، وعبد بن الزبير، وغيرهم رضي الله عنهم أجمعين.

وأجمع الصحابة رضي الله عنهم، على مشروعية الوقف، واشتهر اتفاقهم رضوان الله تعالى عنهم على الوقف قولاً وفعلاً. قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: (لم يكن أ حد من الصحابة له مقدرة إلا وقف) قال ابن قدامة: وهذا إجماع منهم، فإن الذي قدر منهم على الوقف وقف، واشتهر ذلك، ولم ينكره أحد، فكان إجماعاً. وقال الشافعي رحمه الله: بلغني أن أكثر من ثمانين رجلاً من الصحابة من الأنصار وقفوا). وقال: أيضاً: أكثر دور مكة وقف.

وقد ذكر التاريخ الإسلامي لتطبيق فكرة الوقف في المجتمع المسلم كثيراً من الأوقاف التي أوقفها المحسنون من المسلمين في أقطارهم وعصورهم، على اختلاف مذاهبهم طلباً للبر الكثيرة ورغبة في الثواب.

تعريف الوقف:

الوقف يطلق في اللغة على الحبس، كما أنه يطلق على المنع.

وأما في اصطلاح الفقهاء: فقد عرف الوقف بتعاريف كثيرة، وأقرب تلك التعاريف لمعنى الوقف ما ذكره ابن قدامة في المقنع بأنه: تحبيس الأصل، وتسبيل المنفعة، لكونه مقتبساً من قول أفصح البشر لساناً وأبلغهم بياناً صلى الله عليه وسلم، حينما سأله عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن أرض أصابها بخيبر. فقال له:(إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها).3

أركان الوقف وأنواعه:

وللوقف أركان أربعة ذكرها أهل العلم في مقدمة ذكرهم أحكام الوقف الإسلامي. والركن الأول هو: الواقف، وهو المحسن أو المتبرع الذي يوقف ما قدره الله عليه وهو الحابس للعين. والركن الثاني: هو الموقوف: أي الشيء الذي حبسه أو أوقفه من مال أو عقار أو ما أشبه ذلك. والركن الثالث: هو الموقوف عليه: وهي الجهة المنتفعة بالعين المحبوسة كمسجد أو دار علم، أو بيت لابن السبيل، أو للجهاد في سبيل الله، أو لحفر بئر، أو لإجراء نهر، أو لشق طريق، أو ما أشبه ذلك. وكذلك قد يكون الوقف لمراكز العلم الشرعي ومدارس التحفيظ. حتى يدوم استمرارها وعطاؤها.

الركن الرابع: هو الصيغة، ويقصد بها لفظ الوقف، وما في معناه. وهناك ألفاظ صريحة وألفاظ كناية. فأما الألفاظ الصريحة فهي كقولك: وقفت، حبست، سبَّلت، وأما ألفاظ الكناية فهي كقولك: صدقة محرمة، أو صدقة محبسة، أو صدقة مؤبدة. هذه هي أركان الوقف الأربعة: الواقف، والموقوف عليه، والوقف، وصيغة الوقف.

وأما أنواعه فهي نوعان: أولاً: الوقف الأهلي. ثانياً: الوقف الخيري.

فأما الوقف الأهلي: وقف المرء على نفسه، ثم على أولاده، ثم على ذريته، ثم على جهة خيرية من بعدهم. وأما الوقف الخيري: فهو الوقف مباشرة على جهة بر ومعروف، كالمساجد والمدارس والمستشفيات، وسمي وقفاً خيرياً لاقتصار نفعه على المجالات والأهداف الخيرية العامة.

من حِكَم الوقف:

عباد الله: إن الله لم يشرع أي عبادة إلا ولها حكم بالغة، وفوائد جمة، وللوقف الإسلامي عظيم الفوائد ,أجل الحكم، ومن أبرز ذلك:

·   أنه مصدر تمويل دائم يحقق مصالح خاصة ومنافع عامة. يمكن وصف الوقف أنه وعاء يصب فيه خيرات العباد، ومنبع يفيض بالخيرات على البلاد والعباد تتحقق به مصالح خاصة ومنافع عامة، ولا ريب أن هذه الخيرات تكون من أموال المسلمين، وممتلكاتهم وأن حصولهم عليها يجب أن يكون من جهة حلال.

·   أنه أوسع أبواب الترابط الاجتماعي بما ينسجه داخل المجتمع الإسلامي من خيوط محكمة في التشابك، وعلاقات قوية الترابط يغذي بعضها بعضاً، تبعث الروح في خلاليا المجتمع حتى يصير كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. مصداق قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: "مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى " رواه البخاري ومسلم

·   استرارية الأجر والثواب وتكفير الذنوب لأنه أجر لا ينقطع، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إذا مات الإنسان انقطع عنه عمله إلا من ثلاثة إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له" رواه مسلم

·        استمرار الانتفاع به في أوجه الخير، وعدم انقطاع ذلك بانتقال الملكية.

·        البقاء والمحافظة على المال الذي هو عصب الحياة..

·        وغيرها من المصالح الانسانية....

عباد الله: كيف انتشر الإسلام شرقاً وغرباً؟ إن نشر الدين وتبليغه إلى أنحاء الأرض كافة، ليس بالأمر الهين والسهل، بل يحتاج إلى جهود عظيمة، وقدرات هائلة، حتى ينشر، فالجهاد في سبيل الله، والغزو انشر كلمة التوحيد -لا إله إلا الله- يحتاج إلى أموال ضخمة، ووسائل عظيمة، كوسائل النقل, وشراء الأسلحة، والمعدات الحربية، وخدمة المجاهدين.

وإن تعليم الناس العلم الشرعي، والقرآن الكريم، والسنة المطهرة يحتاج كذلك إلى مراكز وأماكن متخصصة، ويحتاج إلى تفريغ مدرسين يعلمون الناس العلم، وكذا توفير الخدمات في هذه المراكز من السكن لطلاب العلم والكتب والغذاء وما أشبه ذلك، فكل هذا يحتاج إلى رافد خير وأموال ضخمة حتى يتم.

ومن حكم الوقف أيضاً؛ أنه يوجد مصادر دخل للفقراء والمساكين والعاجزين عن العمل والأرامل والأيتام وغيرهم تغطّي حاجاتهم.

نفعني الله وإياكم بالقرآن العظيم، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين والمسلمات إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين إله الأولين والآخرين، وراحم الضعفاء والمساكين، والصلاة والسلام على النبي الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

إن لمؤسسة الوقف الإسلامية العريقة الأثر الواضح في عملية التنمية البشرية التي تعنى ببناء الإنسان بجميع جوانبه الروحية والعقلية والجسدية، وذلك من خلال تركز أموال الوقف في بناء المساجد والجوامع، والمدارس والجامعات والمكتبات وكفالة الدعاة وتركيزها على جانب العقل والجسم ببناء المستشفيات والمراكز الصحية والمارستانات ونحوها.

فما أحوج المجتمعات الإسلامية في هذا العصر إلى وجود مؤسسات وقفية، تعنى بكثير من شؤون حياتهم وذلك أن متطلبات الحياة قد تتوفر في مكان، بينما نجد أماكن أخرى يعيش أهلها في شظف من العيش.

لقد أدرك أعداء الله عز وجل من اليهود والنصارى أهمية الوقف، فهم يوقفون كثيراً من أموالهم ويرصدونها لمحاربة الإسلام والمسلمين، ولنشر دينهم المحرف، وفقد قامت مسيرة عظمية في إحدى الدول النصرانية رفعت شعار (ادفع دولاراً تقتل مسلماً) ولقد جمعت مليارات الدولارات تحت هذا الشعار.

وهم يسعون إلى تجفيف منابع الخير في بلاد المسلمين منذ عشرات السنين، حتى تم لهم ب في أيامنا هذه، بعض ما يصبون إليه، من خلال تجميد الأرصدة المسلمة التي تسخر لخدمة الإسلام والمسلمين، وإغلاق المؤسسات الخيرية التي كم أغاثت من ملهوف وكم أطعمت من جائع وكم كست من عار.

نسأل الله تعالى القوي العزيز أن يخذلهم، وأن يبطل كيدهم، وأن ينتقم منهم، ويحبط مؤامراتهم وخططهم، وأن يرد كيدهم في نحرهم، اللهم انتقم من الظالمين بالظالمين، اللهم عليك بكل من حارب الإسلام والمسلمين، اللهم عليك بأعدائك أعداء الدين، اللهم أنزل عليهم بأسك الذي لا يرد عن القوم المجرمين.

اللهم وفق أهل اليسار من المسلمين في كل مكان إلى بناء مشاريع وقفية تعود على الأمة بالخير والرخاء يا رب العالمين، اللهم واجزهم عنها خير الجزاء اللهم وأصلح لهم شأنهم كله، ويثبت أقدامهم، واشرح صدورهم، وانصرهم على المتآمرين والمتربصين بهم.

اللهم أصلح من في صلاحه صلاح للإسلام والمسلمين وأهلك من في هلاكه صلاح للإسلام والمسلمين, وصل اللهم وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

المرجع: تيسير الوقوف للمناوي.

أحكام الأوقاف للخصاف.

الفقه الإسلامي للزحيلي.

مجلة البيان 145.


 

1- بمعناه من حديث رواه ابن ماجة برقم (198) عن أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في صحيح ابن ماجة، بنفس الرقم.

2 -رواه ابن ماجه وحسنه الألباني.

3- رواه البخاري ومسلم وأبو داود.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02042