Share |

خطب / مفاهيم

أوقاتنا في رمضان

 

أوقاتنا في رمضان

 

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.

أما بعد:

فإن وقت الإنسان هو عمره في الحقيقة، وهو مادة حياته الأبدية في النعيم المقيم، ومادة معيشته الضنك في العذاب الأليم، وهو يمر مرَّ السحاب، فمن كان وقته لله وبالله فهو حياته وعمره، وغير ذلك ليس محسوباً من حياته وإن عاش فيه عيش البهائم، فإذا قطع وقته في الغفلة والسهو والأماني الباطلة، وكان خير ما قطعه به النوم والبطالة فموت هذا خير من حياته"1.

 

فـ"ينبغي للإنسان أن يعرف شرف زمانه، وقدر وقته، فلا يضيع منه لحظة في غير قربة، ويقدم فيه الأفضل فالأفضل من القول والعمل، ولتكن نيته في الخير قائمة من غير فتور بما لا يعجز عنه البدن من العمل"2.

ونحن في وقت من أشرف الأوقات؛ إنه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن، وفيه ليلة القدر خير من ألف شهر، وفيه العتق من النيران، وفيه من الفضائل ما لا يسع الوقت لحصرها, ولكن المقصود هو الحث على استغلال هذا الوقت فيما يرضي الله-تعالى-.

 

أيها الناس: لقد جاء في الكتاب والسنة الدعوة إلى الحفاظ على الوقت، والحث على استغلاله فيما ينفع، وبيان قيمته وأهميته، يقول الله ممتناً على الناس بتسخيره الليل والنهار اللذين هما وقت الإنسان: وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ3.

 

ولقد أقسم الله -تبارك وتعالى- بالوقت في أكثر من سورة من كتابه، فقال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى4. وقال تعالى: وَالْفَجْرِ * وَلَيَالٍ عَشْرٍ5. وقال تعالى: وَالضُّحَى وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى6. وقال تعالى: وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْر * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ7. ففي هذه الآيـات يقسم الله- تعالى- بهذه الأوقات: الليل والنهار، والضحى، والفجر، والعصر، وما ذلك إلا لبيان أهمية الوقت.

ولأهمية الوقت فإن الإنسان ستوجه إليه يوم القيامة أسئلة، وسيكون نصيب الوقت من هذه الأسئلة أوفر الحظ؛ فعـن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع خصال: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه)8. ومما لا شك فيه أنه لن يوفق للإجابة على هذه الأسئلة إلا من استغل عمره ووقته فيما ينفعه في دينـه ودنيـاه.

 

أيها الناس: إن هذا الكـون كله يسير على وفق ما أراد الله -تعالى- على انضباط عجيب، فلا الليل يسبق النهار، ولا النهار يسبق الليل، وإنما كل واحد يخلف الآخر، قال تعالى:وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا9.

وقال تعالى: لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ10. وهذا يدل على أهمية الوقت، وضرورة استغلاله في طاعة الله، إضافة إلى أن الشعائر التعبديـة من صلاة وصيام وحج، وغيرها، كلها مرتبطة بالوقت، فلا يجـوز لأي إنسان مسلم شرعاً ولا عقلاً أن يصلي الفجر في وقت الظهر، ولا الظهر في وقت الفجر، وكذلك لا يجوز شرعاً ولا عقلاً أن يصام بدلاً عن رمضان في شوال؛ وهكذا.. وإنما كل شعيرة من تلك الشعائر لها وقتها المحـدد لها شرعاً.

وهذا الوقت -يا عباد الله- له عجائب وغرائب، فمن عجائبه وغرائبه أنه يمر مر السحاب، وأن ما مضى منه لا يعود، وأنه من أعز وأنفس ما يملكه الإنسان، قال الحسن البصري-رحمه الله-: "ما من يوم ينشق فجره، إلا وينادى: يا ابن آدم أنا خلق جديد، وعلى عملك شهيد، فتزود مني، فإني إذا مضيت لا أعود إلى يوم القيامة". وقال أيضاً: "إنما أنا أيام، فإذا ذهب بعضك ذهب كله".

 

وها نحن تمر علينا سنة كاملة وكأنها لم تمر، مرت وهي شاهدة علينا بما عملنا من خير أو شر: فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ11. فإن كنا قد عملنا خيراً فزنا في الحياة والدنيا والآخرة، وإن فعلنا غير ذلك خبنا وخسرنا.

إننا -وللأسف- نسمع كثيراً من يقول لصاحبه في رمضان وخاصة بعد صلاة العصر هيا بنا نذهب إلى المكان الفلاني ليمر بنا الوقت سريعاً، أو لنذهب فنقضي وقت الفراغ: وهل لدى المؤمن وقت فراغ؟

أيها المسلمون: إن المؤمن ليس في وقته فراغ، وذلك لأن الوقت عند المؤمن لا يقدر بثمن، فليس وقته كما يقال: الوقت من ذهب، فحسب بل وقت المسلم أغلى من ذلك كله؛ لأن الذهب إذا ذهب يمكن أن يسترد، أما الوقت فإنه إن ذهب فلن يعود إلى يوم القيامة.

 

حال المؤمن أنه إذا فرغ من عبادة أقبل على عبادة أخرى، وإذا فرغ من عمل أقبل على العمل الآخر، وهكذا.. قال الله -تعالى-: فإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ * وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ12.

وقت المؤمن عبادة لله، كما أجمل الله ذلك في قوله تعالى: وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ13.

أيها الناس: جاء في الحديث المتفق على صحته عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس، الصحة والفراغ)14. إي وربي لقد غبن غبنا بالغاً من فرط في وقته وصحته، وخاصة في مثل هذه الأوقات التي ينبغي أن نتعرض فيها لنفحة من نفحات الله.

 

اعلموا -رحمني الله وإياكم- أن الوقت كالسيف إن لم نقطعه بالخير قطعنا بالشر، فلنستيقظ من غفلتنا، ولنفق من سباتنا، ولنعدْ إلى خالقنا ومولانا، قبل أن يفجائنا هادم اللذات، ومفرق الجماعات. يقول أبو البقاء الرندي:

يا غافلاً وله في الدهر موعظة          إن كنت في سِنَةٍ فالدهر يقظان15

أيها المسلم: إنه ينبغي عليك أن تتخذ من مرور الساعات والدقائق والليالي والأيام عبرة لنفسك، فإن في مرور الساعات والدقائق والليالي والأيام عبرة لأولي الألباب.

أشاب الصغير وأفنى الكبير            كر الغداة ومرُّ العشي

إذا ليلـة أهرمت يومهـا             أتى بعد ذلك يوم فتي16

إن مضي الزمن واختلاف الليل والنهار لا يجوز أن يمر بالمؤمن وهو في ذهول عن الاعتبار به، والتفكير فيه، ففي كل يوم يمر، بل في كل ساعة تمضي، بل في كل لحظة تنقضي، تقع في الكون والحياة أحداث شتى، منها ما يرى ولا يرى، ومنها ما يعلم ومنها ما لا يعلم.. من أرض تحيا، وحبة تنبت، ونبات يزهر، وزهر يثمر، وتمر يقطف، وزرع يصبح هشيماً تذروه الرياح، أو من جنين يتكون، وطفل يولد، ووليد يشيب، وشيخ يتكهل، وكهل يشيخ، وشيخ يموت...17.

أخي أمسك الباقي شهيداً معـدلاً            وأصبحت في يوم عليك شهيدا

إذا كنت في الأمس اقترفت إساءة            فثـنِّ بإحسـانٍ وأنت حميد

ولا ترج فعل الخير يوماً إلى غـد             لعل غـداً يأتـي وأنت فقيد

ويومـك إن عاتبتـه عاد نفعـه             إليك وماضي الأمس ليس يعود18

وقال وهيب بن الورد: "إن استطعت أن لا يسبقك إلى الله أحد فافعل"19.

فيا أيها الناس: اتقوا الله وحافظوا على أوقاتكم، واعلموا أنكم مسؤولون بين يدي الله على كل أيام حياتكم، فاجعلوها في طاعة الرحمن والبعد عن خطوات الشيطان.

اللهم اغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، إنك سميع الدعاء، رب اغفر وارحم وأنت خير الراحمين.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي خلق فسوى، وقدر فهدى، وأخرج المرعى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحـده لا شريك له، وأشهـد أن محمداً عبده ورسوله، وصفيه من خلقه وخليله، بلغ الرسالة، وأدا الأمانة، ونصح الأمـة، وتركنا على البيضـاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

 

وبعد:

أيها المسلمون: لما عرف السلف الصالح -رضوان الله عليهم- قيمة الوقت وأهميته، استغلوه فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، فلم يضيعوا ساعة من وقتهم، بل كانوا أشد حرصاً على أوقاتهم من أحدنا على دراهمه ودنانيره، وخاصة في الأوقات الفاضلة كرمضان؛ يقول الحسن البصري -عليه رحمة الله-: "أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم". يقول هذا لمن كانوا في زمنه، وأما في زماننا فماذا سيقول لو رآنا ورأى شبابنا وكيف يضيعون أوقاتهم في الأمور التافهة، بل قد تكون أحياناً في الأمور المحرمة من تضييع للصلوات، وسماع لآلات الطرب والملهيات.

 

وقال أيضاً في موعظة من مواعظه: "لا يلهينك المتاع القليل الفاني، ولا تربص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك، فبادر أجلك". فهو يدعو أصحابـه إلى المبادرة بالأعمال الصالحة، واستغلال الوقت في طاعة الله، قبل أن يأتيهم آجالهم، فإنـه إذا جاء الأجـل فلا ينفع نفس إيمانها لم تكـن آمنت من قبل، ويدعوهم إلى التسويف وتأخير التوبـة، فإن الإنسان لا يدري متى إلى الله يصير.

وكان ابن مسعود -رضي الله عنه- يقول: "ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي".

 

وهذا العالم الجليل أبو الوفاء ابن عقيل كما ينقل عنه ابن الجوزي: "إني لا يحل لي أن أضيع ساعة من عمري؛ حتى إذا تعطل لساني عن مذاكرة ومناظرة، وبصري عن مطالعة، أعملت فكري في حال راحتي وأنا مستطرح، فلا أنهض إلا وقد خطر لي ما أسطره، وإني لأجـد من حرصي على العلم وأنا في عشر الثمانين أشد مما كنت أجده وأنا ابن عشرين20.

أولئك آبائي فجني بمثلهم              إذا جمعتنا يا جرير المجامع21

وصلوا وسلموا على من أمركم الله بالصلاة والسلام عليه، فقال عز من قائل: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا22.

اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.

 

1 الجواب الكافي.. (الداء والدواء) لابن القيم، صـ (109). ط: دار الكتب العلمية – بيروت.

2  صيد الخاطر، لابن الجوزي، صـ(22).

3 سورة إبراهيم (33- 34).

4 سورة الليل(1- 2).

5 سورة الفجر (1- 2).

6 سورة الضحى(1-2).

7 سورة العصر.

8 رواه البزار والطبراني بإسناد صحيح، وقال الألباني: "صحيح لغيره"؛ كما في صحيح الترغيب والترهيب، رقم(3593).

9 سورة الفرقان(62).

10 سورة يس(40).

11 سورة الزلزلة (7-8).

12 سورة الشرح (7 -8).

13 سورة الذاريات (56).

14 رواه البخاري ومسلم.

15 نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب (4/488). لأحمد بن محمد المقري التلمساني.

16 لباب الآداب، صـ(50). الثعالبي.

 17 انظر: الوقت أنفاس لا تعود، لعبد الملك القاسم صـ (21-22).

18 الكشكول، صـ(269). البهاء العاملي.

19  لطائف المعارف، صـ(268).

20  المنتظم في تاريخ الملوك والأمم لابن الجوزي(9/214). الناشر: دار صادر – بيروت. الطبعة الأولى (1358).

21  الإيضاح في علوم البلاغة، للقزويني، صـ(43). . الناشر: دار إحياء العلوم – بيروت. الطبعة الرابعة (1998).

22 سورة الأحزاب(56).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.06478