العجـب

العجـب

 

إن الأمراض القاتلة التي انتشرت بين الناس انتشار النار في الهشيم، وعز على الأطباء علاجها، وقل من يبحث عن سبب استفحالها، وبالتالي يصاب الناس بها؛ بل يكادون أن يموتوا ولم يتنبهوا إلى أنهم مصابون بهذا المرض الفتاك، هذا المرض الخطير هو داء العجب!!.

أيها الفضلاء: لقد كثرت آيات القرآن في ذم العجب، والتحذير من عواقبه الوخيمة، فمن ذلك، قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ}[التوبة: 25].

 وقال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا}[الكهف: 103-104]. وهذا يرجع إلى العجب بالعمل.

 وقال عن قارون: {قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ}[القصص: 78]، والآيات في ذم العجب كثيرة.

وأما من السنة فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((بينما رجل يتبختر يمشي في برديه قد أعجبته نفسه فخسف الله به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة))1.

وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((الغزو غزوان: فأمّا من ابتغى وجه الله، وأطاع الإمام، وأنفق الكريمة، وياسر الشريك، واجتنب الفساد، فإن نومه ونبهه أجر كله، وأما من غزا فخراً ورياءً وسمعة، وعصى الإمام، وأفسد في الأرض، فإنه لن يرجع بكفارة))2. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بينما رجل يمشي في حلة تعجبه نفسه، مرجل جمته، إذ خسف الله به، فهو يتجلجل إلى يوم القيامة))3.

 وقد يستدل على ذم العجب بالأحاديث التي ذكرناها في ذم الكبر؛ لأن العجب إنما ينشأ عن كبر.

وقال ابن مسعود رضي الله عنه: الهلاك في اثنتين: القنوط والعجب4.

وقال مطرف بن عبد الله بن الشخير رضي الله عنه: لأن أبيت نائماً وأصبح نادماً أحب إلي من أن أبيت قائماً وأصبح معجباً5.

ولتعلم – وفقني الله وإياك – أن للعجب آفات كثيرة، فإنه: "يدعو إلى الكبر؛ لأنه أحد أسبابه فيتولد من العجب والكبر، ومن الكبر الآفات الكثيرة التي لا تخفى، هذا مع العباد، وأما مع الله تعالى فالعجب يدعو إلى نسيان الذنوب وإهمالها، فبعض ذنوبه لا يذكرها ولا يتفقدها لظنه أنه مستغن عن تفقدها، فينساها، وما يتذكره منها فيستصغره، ولا يستعظمه، فلا يجتهد في تداركه وتلافيه، بل يظن أنه يغفر له، وأما العبادات والأعمال فإنه يستعظمها، ويتبجح بها، ويمن على الله بفعلها، وينسى نعمة الله عليه بالتوفيق والتمكين فيها، ثم إذا عجب بها عمى عن آفاتها.

 ومن لم يتفقد آفات الأعمال كان أكثر سعيه ضائعاً، فإن الأعمال الظاهرة إذا لم تكن خالصة نقية عن الشوائب قلما تنفع، وإنما يفتقد من يغلب عليه الإشفاق والخوف دون العجب، والمعجب بغير نفسه وبرأيه، ويأمن من مكر الله وعذابه، ويظن أنه عند الله بمكان، فإن له عند الله منة وحقاً بأعماله التي هي نعمة من نعمه، وعطية من عطاياه، ويخرجه العجب إلى أن يثني على نفسه ويحمدها ويزكيها، وإن أعجب برأيه وعمله وعقله منع ذلك من الاستفادة ومن الاستشارة والسؤال فيستبد بنفسه ورأيه، ويستنكف من سؤال من هو أعلم منه، وربما يعجب بالرأي الخطأ الذي خطر له فيفرح بكونه من خواطره، ولا يفرح بخواطر غيره، فيصر عليه ولا يسمع نصح ناصح، ولا وعظ واعظ، بل ينظر إلى غيره بعين الاستجهال، ويصر على خطئه، فإن كان رأيه في أمر دينه، فيحقق فيه، وإن كان في أمر ديني لا سيما فيما يتعلق بأصول العقائد فيهلك به، ولو أتهم نفسه، ولم يثق برأيه، واستضاء بنور القرآن، واستعان بعلماء الدين، وواظب على مدارسة العلم، وتابع سؤال أهل البصيرة، لكان ذلك يوصله إلى الحق، فهذا وأمثاله من آفات العجب، فلذلك كان من المهلكات.

ومن أعظم آفاته أن يغتر في السعي لظنه أنه قد فاز، وأنه قد استغنى، وهو الهلاك الصريح الذي لا شبهة فيه6.

وقال في غذاء الألباب: وربما منع المعجب عجبه من الازدياد في – الطاعات-  ولهذا قيل: عجب المرء بنفسه أحد حسّاد عقله، وما أضر العجب بالمحاسن7.

 لا شك إن هذا المرض لا ينشأ إلا عن جهل محض، أو ممن أعجب بطاعته، وهذا ما يقرره العلماء رحمهم الله يقول الغراليُّ: علة العجب الجهل المحض، ومن أعجب بطاعته – مثلاً-  فما علم أنها بالتوفيق حصلت، فإن قال: رآني أهلاً لها فوفقني، قيل له: فتلك نعمة من الله من منِّهِ وفضله فلا تقابل بالإعجاب8 .

ويكمن علاج هذا المرض في الأتي:

يقول الغزالي: وعلاجه المعرفة المضادة لذلك الجهل، أي معرفة أن ذلك الذي أثار إعجابه نعمة من الله عليه، من غير حق سبق له، ومن غير وسيلة يدلي بها، ومن ثم ينبغي أن يكون إعجابه بجود الله وكرمه وفضله9.

وإذا تم علم الإنسان لم ير لنفسه عملاً ولم يعجب به؛ لأن الله هو الذي وفقه إليه، وإذا قيس بالنعم لم يف بمعشار عشرها، هذا إذا سلم من شائبة، وسلم من غفلة، فأما والغفلات تحيط به، فينبغي أن يغلّب الحذر من رده، ويخاف العقاب على التقصير فيه10.

هذا في علاج العجب إجمالاً، وأما علاج حالاته تفصيلاً فإن ذلك يختلف باختلاف ما يحدث به العجب، فإن كان ناشئاً عن حالة البدن وما يتمتع به صاحبه من الجمال والقوة ونحوهما، فعلاجه التفكر في أقذار باطنه، وفي أول أمره وآخره، وفي الوجوه الجميلة والأبدان الناعمة، كيف تمرغت في التراب، وأنتنت في القبور حتى استقذرتها الطباع.

 وإن كان العجب ناشئاً عن البطش والقوة، فعلاج ذلك أن حمّى يوم تضعف قوته، وأنها ربما سلبت منه بأدنى آفة يسلطها الله عليه.

 وإن كان العجب بالعقل والكياسة، فعلاجه شكر الله تعالى على ما رزق من عقل، والتفكر في أنه بأدنى مرض يصيب دماغه، كيف يوسوس ويجنّ بحيث يضحك منه.

وإن كان العجب بالنسب الشريف, فعلاجه أن يعلم أنه إن خالف آباءه في أفعالهم وأخلاقهم وظن أنه ملحق بهم فقد جهل، وإن اقتدى بهم فما كان العجب من أخلاقهم، وأنهم شرفوا بالطاعة والعلم، والخصال الحميدة.

 وإن كان العجب بنسب السلاطين الظلمة وأعوانهم، فعلاجه أن يتفكر في مخازيهم، وأنهم ممقوتون عند الله تعالى، وما بالك لو انكشف له ذلهم يوم القيامة؟

وإن كان العجب بكثرة الأموال والأولاد والخدم والأقارب والأنصار، فعلاجه أن يعلم ضعفه وضعفهم، وأن للمال آفات كثيرة، وأنه غاد ورائح، ولا أصل له…

أما إذا كان العجب بالرأي الخطأ فعلاجه أن يتهم الإنسان رأيه وألا يغتر به11.

والحمد الله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.


1 روه البخاري ومسلم واللفظ له.

2 رواه أبو داود وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (1295).

3 رواه البخاري وغيره.

4 إحياء علوم الدين 3/389ط: دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان.

5 المصدر السابق3/390 ط: دار الكتب العلمية- بيروت- لبنان

6 إحياء علوم الدين 3/390 ط: دار الكتب العلمية- بيروت – لبنان.

7 غذاء الألباب شرح منظومة الآداب للسفا ريني الحنبلي 2/225.

8 غذاء الألباب 2/225.

9 انظر إحياء علوم الدين 3/ 391 ط: دار الكتب العلمية..

10 غذاء الألباب 2/226 بتصرف واختصار.

11 إحياء علوم الدين 3/394- 398 بتصرف واختصار.