آداب متعلم القرآن

آداب متعلم القرآن

 

الحمد لله الذي أنزل القرآن، وشرفنا بحفظه وتلاوته، وتعبدنا بتدبره ودراسته، وجعل ذلك من أعظم عبادته، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، دلت على وجوده المصنوعات، وشهدت بجماله وكماله وجلاله وعظمته الآيات البينات، وأشهد أن سيدنا محمداً رسول الله صلى الله وسلم عليه، وعلى آله وأصحابه، الذين حازوا الدرجة العليا في حفظ القرآن والعمل به. أما بعد:

فإن لكل شيء آداباً، وإن أعظم ما يتأدب معه هو القرآن الكريم، وهذه مقتبسات من آداب متعلم القرآن الكريم.

أولاً: أدبه قبل أخذه للقرآن:

مما ينبغي لمتعلم القرآن الكريم: أن يخلص النية في أخذه للقرآن الكريم، ويستحضر كذلك فضل تعلم القرآن الكريم، فعن عثمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه))1، وحديث عقبة بن عامر قال: خرج علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في الصفة فقال: ((أيكم يحب أن يغدو كل يوم إلى بطحان، أو إلى العقيق، فيأتي منه بناقتين كوماوين في غير إثم، ولا قطع رحم؟))، فقلنا: يا رسول الله نحب ذلك. قال: ((أفلا يغدو أحدكم إلى المسجد، فيعلم، أو يقرأ آيتين من كتاب الله عز وجل خير له من ناقتين، وثلاث خير له من ثلاث، وأربع خير له من أربع، ومن أعدادهن من الإبل))2.

وكذلك أن ينظر إلى أعلم الناس بكتاب الله فيأخذ العلم والقرآن منه، ويتقن كتاب الله على يديه.

ثانياً: أدبه في نفسه مع القرآن:

فمن الآداب أن يتطهر قبل قراءته قال تعالى: {لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ}[الواقعة: 79]. قال الترمذي الحكيم أبو عبد الله في نوادر الأصول: "فمن حرمة القرآن أن لا يمسه إلا طاهرا، ومن حرمته أن يقرأه على طهارة، ومن حرمته أن يستاك ويتحلل فيطيب فاه؛ إذ هو طريقه". وقال يزيد بن أبي مالك: "إن أفواهكم طرق من طرق القرآن، فطهروها ونظفوها ما استطعتم". ومن الآداب أن يتلبَّس كما يتلبس للأمير، بل أفضل؛ لأنه مُناجٍ، وأن يستقبل القبلة لقراءته.

وكان أبو العالية إذا قرأ اعتم، ولبس وارتدى، واستقبل القبلة.

ومن الأدب أن يتمضمض كلما تنخع، فقد روى شعبة عن أبي حمزة عن ابن عباس: (أنه كان يكون بين يديه تور3 إذا تنخع تمضمض، ثم أخذ في الذكر، وكان كلما تنخع تمضمض).

ومن الأدب كذلك أنه متى تثاءب أمسك عن القراءة؛ لأنه إذا قرأ فهو مخاطب ربه ومناج، والتثاؤب من الشيطان. قال مجاهد: (إذا تثاءبت وأنت تقرأ القرآن فأمسك عن القرآن تعظيماً حتى يذهب تثاؤبك)، وقال عكرمة: (يريد أن في ذلك الفعل إجلالاً للقرآن).

ومن الأدب أن يستعيذ بالله – عند ابتدائه للقراءة – من الشيطان الرجيم، ويقرأ (بسم الله الرحمن الرحيم)، إن كان ابتدأ قراءته من أول السورة، أو من حيث بلغ.

ومن الأدب أنه إذا أخذ في قراءة القرآن لم يقطعها ساعة فساعة بكلام الآدميين من غير ضرورة، وأن يخلو بقراءته حتى لا يقطع عليه أحد بكلام فيخلطه بجوابه؛ لأنه إذا فعل ذلك زال عنه سلطان الاستعاذة الذي استعاذ في البدء.

ومن الأدب كذلك أن يقرأه على تؤدة وترسل وترتيل، وأن يستعمل في ذهنه فهمه حتى يعقل ما يخاطب به، وأن يقف على آية الوعد فيرغب إلى الله تعالى، ويسأله من فضله، وأن يقف على آية الوعيد فيستجير بالله منه، وأن يقف على أمثاله فيمتثلها، وأن يؤدي لكل حرف حقه من الأداء حتى يبرز الكلام باللفظ تماماً، فإن له بكل حرف عشر حسنات.

 ومن الأدب أنه إذا وضع المصحف أن لا يتركه منشوراً، وأن لا يضع فوقه شيئاً من الكتب حتى يكون أبداً عالياً لسائر الكتب، عِلماً كان أو غيره.

وأن لا يضعه بالأرض، وإنما بين يديه، أو في حجره، وأن لا يمحوه من اللوح بالبصاق، ولكن يغسله بالماء، وأن إذا غسله بالماء أن يتوقى النجاسات من المواضع، والمواقع التي توطأ، فإن لتلك الغسالة حرمة، وكان من قبلنا من السلف منهم من يستشفي بغسالته4.

ويقول الإمام النووي رحمه الله: "ينبغي أن يحافظ – أي متعلم القرآن – على تلاوته، ويكثر منه"، وكان السلف رضي الله عنهم لهم عادات مختلفة في قدر ما يختمون فيه، فروى ابن أبي داوود عن بعض السلف رضي الله عنهم أنهم كانوا يختمون في كل شهرين ختمة واحدة، وعن بعضهم في كل شهر، وعن بعضهم في كل عشر ليالٍ ختمة واحدة، وعن الأكثرين في سبع ليالٍ، وأما الذين ختموا في الأسبوع مرة، فكثيرون، نقل عن عثمان بن عفان رضي الله عنه، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثبت، وأُبي بن كعب رضي الله عنهم، وعن جماعة من التابعين كعبد الرحمن بن زيد، وعلقمة، وإبراهيم رحمهم الله5.

والاختيار أن ذلك يختلف باختلاف الأشخاص، فمن كان يظهر له بدقيق الفكر لطائف ومعارف، فليقتصر على قدر ما يحصل له من كمال وفهم ما يقرؤوه، وكذا من كان مشغولاً بنشر العلم، أو غيره من مهمات الدين، ومصالح المسلمين العامة، فليقتصر على قدر لا يحصل بسببه إخلال بما هو مرصد له، وإن لم يكن من هؤلاء المذكورين، فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حد المَلل والهذرمة.

وقد كره جماعة من المتقدمين الختم في يوم وليلة، ويدل عليه الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث))6.

ويحرم على الجنب والحائض قراءة القرآن الكريم سواءٌ كان آية، أو أقل منها، ويجوز لهما إجراء القرآن على قلبيهما من غير تلفظ به، ويجوز لهما النظر في المصحف، وإمراره على القلب7.

وأجاز بعضهم للحائض والنفساء قراءة القرآن دون مس المصحف؛ لأن فترتهما تطول وربما نسيا شيئاً من القرآن في مدة الحيض أو النفاس.

ويستحب أن تكون القراءة في مكان نظيف، ولهذا استحب أن يقرأه في المسجد.

ويكره أن يقول: نسيت آية كذا، بل يقول: أنسيتها، فقد ثبت عن عبد الله قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((بئسما لأحدهم يقول: نسيت آية كيت وكيت، بل هو نُسِّيَ))8.

ويستحب أن يحسن الصوت في قراءة القرآن، قال الجمهور في معنى (لم يتغن) في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس منا من لم يتغن بالقرآن))9 أي لم يحسن صوته، قال العلماء رحمهم الله: "فيستحب تحسين الصوت بالقراءة ترتيلها، ما لم يخرج عن حد القراءة بالتمطيط، فإن أفرط حتى زاد حرفاً، أو أخفاه فهو حرام".

وينبغي لقارئ القرآن إذا كان يقرأ فخرجت منه ريح أمسك حتى تنقضي، ثم إن أحب أن يواصل فليتوضأ، وإن قرأ غير طاهر فلا بأس.

ومن جمع القرآن فقد حمل أمراً عظيماً، وقد استدرجت النبوة بين جنبيه، إلا أنه لا يوحى إليه، وينبغي لصاحب القرآن أن لا يغضب فيمن يغضب، ولا يجهل فيمن جهل، وفي جوفه كلام الله تعالى10.

ثالثاً: أدب متعلم القرآن مع معلمه:

قال محمد بن الحسين: من كان يقرأ القرآن على غيره ويتلقن فينبغي له يحسن الأدب في جلوسه بين يديه، ويتواضع في جلوسه، ويكون مقبلاً عليه، فإن ضجر عليه احتمله ورفق به، واعتقد له الهيبة، والاستحياء منه.

وأن يتلقن ما يعلم أنه يضبط – هو أعلم بنفسه -، إن كان يعلم أنه لا يحتمل في التلقين أكثر من خمس، خمس، فلا ينبغي أن يسأل الزيادة، وإن كان يعلم أنه لا يحتمل أن يتلقن إلا ثلاث آيات، لم يسأل أن يلقنه خمساً، فإن لقنه الأستاذ ثلاثاً لم يزده عليها، و إن علم هو من نفسه أن يحتمل خمساً سأله أن يزيده على أرفق ما يكون، فإن أبى لم يزده بالطلب، وصبر على مراد الأستاذ منه، فإنه إن فعل ذلك كان هذا الفعل منه داعيةً للزيادة له ممن يلقنه – إن شاء الله – .

ولا ينبغي له أن يضجر ممن يلقنه فيزهد فيه، وإذا لقنه شكر له ذلك، ودعا له، وعظَّم قدره، ولا يجفو عليه إن جفا عليه، ويكرم من يلقنه إن كان هو لم يكرمه، وتستحي منه إن لم يستح منك.

وأن يلزم نفسه واجب حق معلمه، فإن الله عز وجل قد أمرك أن تعرف حق العالم، وأمرك بطاعة العلماء، وكذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فعن عبادة بن الصامت قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ليس من أمتي من لم يجل كبيرنا، ولا يرحم صغيرنا، ويعرف لعلمائنا)) قال أحمد: يعرف حقهم11.

وعن مجاهد في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ}[النساء: 59]، قال: العلماء والفقهاء12.

وإن لا يقرأ إلا كما عُلِّم من معلمه، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((اقرؤوا كما علمتم))13.

ومن قنع بتلقين الأستاذ لم يجاوزه، فبالأحرى أن يواظب عليه، وأحب ذلك منه، وإذا رآه قد التقن ما لم يلقنه، زهد في تلقينه، وثقل عليه، ولم يحمد عواقبه، وأحب له إذا قرأ عليه أن لا يقطع، حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه، فإن بدت له حاجة، وقد كان الأستاذ مراده أن يأخذ عليه مائة آية، فاختار هو أن يقطع القراءة في خمسين آية، فليخبره قبل ذلك بعذره، حتى يكون الأستاذ هو الذي يقطع عليه.

وينبغي أن يقبل على من يلقنه، ويأخذ عليه ولا يقبل على غيره، فإذا شُغل الأستاذ عنه بكلام لا بد له في الوقت من كلامه قطع القراءة حتى يعود إلى الاستماع إليه، فإذا انقطعت قراءته على الأستاذ وكان في المسجد فإن أحب أن ينصرف انصرف، وعليه الوقار، ودرس في طريقه ما قد التقن، وإن أحب أن يجلس ليأخذ عن غيره فعل، وإن جلس في المسجد وليس بالحضرة من يأخذ عليه فإما أن يركع فيكتسب خيراً، وإما أن يكون ذاكراً لله، شاكراً له على ما علَّمه من كتابه، وإما جالس يحبس نفسه في المسجد، يكره الخروج؛ خشية أن يقع بصره على ما لا يحل! أو معاشرة من لم يحسن معاشرته في المسجد، فحكمة أن يأخذ نفسه بجلوسه في المسجد أن لا يخوض فيما لا يعنيه، ويحذر الوقيعة في أعراض الناس، ويحذر أن يخوض في حديث الدنيا، وفضول الكلام، فإنه ربما استراحت النفوس إلى ما ذكر مما لا يعود نفعه، وله عاقبة لا تحمد، ويستعمل من الأخلاق الشريفة في حضوره، وفي انصرافه ما يشبه أهل القرآن14.

اللهم اجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك، يا ذا الجلال والإكرام، الله انفعنا بالقرآن العظيم، واجعله لنا حجة ومؤانساً وشفيعاً يا رب العالمين، اللهم أسكنا به الظُلل وألبسنا به الحلل، وأخرجنا به من الظلمات إلى النور، وآمنا به من وحشة القبر وعذابه، اللهم ذكِّرنا منه ما أنسينا، وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، برحمتك يا أرحم الراحمين.

وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.


1 البخاري (9/66 ، 67) برقم(4640) .

2 مسلم رقم (2803)، وأبو داوود برقم (1456).

3 التور: إناء يشرب فيه.

4 الجامع لأحكام القرآن، لأبي عبد الله محمد بن أحمد الأنصاري القرطبي، جـ1/26 – 28 , بتصرف.

5 التبيان في آداب حملة القرآن – المختصر لابن بابقي صـ17،16 ط: مكتبة السوادي للتوزيع، 1411هـ – 1991م.

6 رواه أبو داوود والترمذي والنسائي، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، قال الحافظ بن حجر في روضة المحدثين: إسناده صحيح، برقم (4659). وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (1242).

7 التبيان صـ19.

8 رواه البخاري برقم(4651) .

9 رواه البخاري برقم(6973) .

10 فضائل القرآن – لأبي عبيد القاسم بن سلام الهروي – صـ113 – دار ابن كثير – ط2، 1420 – 1999م،(بتصرف يسير).

11 رواه أحمد (5/323)، والحاكم (1/122)، وقال الألباني في صحيح الترغيب (1/44): صحيح.

12 رواه ابن عبد البر في جامعه (1/129).

13 رواه أحمد (1/419)، والحاكم (2/223). وحسنه الألباني في صحيح الجامع (1171).

14 أخلاق أهل القرآن، لأبي بكر أحمد بن الحسين الآجُرِّي صـ135 – 144، بتصرف ط1، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان.