Share |

إدارة المسجد / التحفيظ

وصايا وتنبيهات لِحُفَّاظ كتاب الله

 

الحمد لله رب العالمين، حمداً حمداً، وأشكره على نعمه سراً وجهراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، أما بعد:

فإن من أعظم ما يشرف الله تعالى به أحداً من خلقه أن يحليه حلة القرآن الكريم، وأن يهديه إلى حفظه، ويجعله ممن يحقق الله بهم حفظ هذا الكتاب العظيم، وهو القرآن الكريم قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر: 9]. فكما أنه وعد بحفظه عز وجل، فقد كان حافظ القرآن من وسائل الحفظ، فيكون محفوظاً بحفظ الله تعالى لما في صدره من القرآن.

اعلم -يا حافظ القرآن- أنك ممن حملت العلم في جنبات صدرك وكنت من أهل العلم الذين قال الله عنهم: {بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ}[العنكبوت: 49]. فقد شهد الله لك أنك من أهل العلم، فاحفظه، وحافظ عليه تكن من أهل حفظه ومن أهل الله وخاصته، كما جاء عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن لله تعالى أهلين من الناس)) قيل: يا رسول الله: ومن هم؟ قال: ((أهل القرآن، أهل الله وخاصته))1.

يا حافظ القرآن! غمرت قلبك بكتاب الله تعالى، واستقيت من ينابيعه الصافية، وارتويت من فراته النقي، وشبعت من ثماره اليانعة، فلا تستبدل ينابيعه الصافية بينابيع كَدِرَة، ولا بثماره الطيبة ثماراً حنظلية.

عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة لا ريح لها وطعمها مر!))2.

قال الشيخ المنجد -حفظه الله-: قوله ((طعمها طيب، وريحها طيب))، خص صفة الإيمان بالطعم، وصفة التلاوة بالرائحة؛ لأن الطعم أثبت وأدوم من الرائحة، والحكمة في تخصيص الأترجة بالتمثيل دون غيرها من الفاكهة التي تجمع بين طيب الطعم والريح: أنه يتداوى بقشرها، ويستخرج من حبها دهن له منافع، وقيل: إن الجن لا تقرب البيت الذي فيه الأترج، فناسب أن يُمثل به القرآن الذي لا تقربه الشياطين، وغلاف حبِّه أبيض، فيناسب قلب المؤمن، وفيها أيضاً من المزايا: كبر حجمها، وحسن منظرها، وتقريح لونها، ولين ملمسها، وفي أكلها من الالتذاذ طيب النكهة، وجودة هضم ودباغة معدة3.

يا أهل القرآن! أنتم أهل التجارة الرابحة، وأهل وفاء الأجور وأهل الزيادة من فضله، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ* لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}[فاطر: 29-30]، فلا تستبدل تجارة الربح بتجارة الخسران.

يا أهل القرآن! حزتم خيرية هذه الأمة وشرفها، وتقدمتم المراتب العليا، بينما تأخر غيركم، عن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم من تعلم القرآن، وعلمه))4.

فلا ترجعوا إلى الوراء، وتنزلوا من العلياء، وتكونوا أغبياء، ممن يرتضون الدون دون السماء، وممن حكى الله قصته في القرآن فقال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ذَّلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[الأعراف: 176].

وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((إن مما أتخوف عليكم رجل قرأ القرآن حتى إذا رئيت بهجته عليه، وكان ردئاً للإسلام غيَّره إلى ما شاء، فانسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف ورماه بالشرك))، قال: قلت: يا نبي الله أيهما أولى بالشرك الرامي، أم المرمي؟ قال: ((بل الرامي))5.

فالحذر الحذر يا صاحب القرآن أن تكون ممن أهان نفسه بعد الكرامة، وذل نفسه بعد العزة، وأسقط نفسه بعد الرفعة.

يا أهل القرآن، ويا حافظ القرآن، أنت المحسود من بين الخلق بحق، فقد روى الإمام البخاري رحمه الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يتلوه آناء الليل وآناء النهار، فهو يقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت، ورجل آتاه الله مالاً ينفقه في حقه، فيقول: لو أوتيت مثل ما أوتي هذا لفعلت كما يفعل))6.

لقد ارتقيت مرتقاً صعباً يا حافظ القرآن، فأنت مع خير خلق الله من الملائكة، فلا تنزل ولا تتنازل عن هذه المرتبة.

عن عائشة -الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما- قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له، مع السفرة الكرام البررة، ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد فله أجران))7.

يا حافظ القرآن، ليهنك شفاعة القرآن لك في يومٍ الناس أحوج فيه إلى يسير الظل، ويسر الماء، ويسير الطعام، بل يسير الرحمة، تأتي سورة البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما.

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لصاحبه، اقرؤوا الزهراوين: البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غيايتان، أو كأنهما غمامتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا يستطيعها البطلة))8.

يا حافظ القرآن كن خير آخذ لهذا القرآن، فهو عزك، وقدرك، ومنزلتك، قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}[مريم: 12].

يا حافظ القرآن لا تكن كالشمعة تحرق نفسها؛ لتضيء للآخرين، بل تعلم لتعمل وتدعو، ولا تكن كمن قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم: ((يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى! فيجتمع إليه أهل النار، فيقولون: يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه وأنهى عن المنكر وآتيه!!))9.

يا حافظ القرآن! تخلق بأخلاق القرآن كما كان حبيبك محمد صلى الله عليه وسلم، فقد وصفته عائشة رضي الله عنها بقولها: (كان خلقه القرآن)10.

يا حافظ القرآن وحامله! احفظه وحافظ عليه من الأيادي الملوثة، والألسنة القذرة، بتعلمه وتعليمه ومعرفة أحكامه، ورفع لوائه ونشره، والرد على الكائدين عليه، بل واحفظه من النسيان، ((فإنه أشد تفلتاً من الإبل في عقلها))11.

يا حافظاً لكتاب الله! كن ممن يأخذ بقولهم (تعلموا قبل أن تسودوا)، فتعلم علوم القرآن وتفسيره قبل أن يكون لك سيادة تنشغل بها عن هذا الكتاب الكريم.

يا حافظ القرآن! الإخْلاص الإخلاص فإنه الخلاص، فأخلصوا تتخلصوا.

يا والد ووالدة حافظ القرآن! بشراكم بالكرامة يوم القيامة، قال عليه الصلاة والسلام: ((ويكسى والديه حلتين لا يقوم لهما أهل الدنيا، فيقولان: بِمَ كُسينا هذا؟ فيقال: بأخذ ولدكما القرآن)12.

اللهم ألزم قلوبنا حفظ كتابك، وسدد خطانا على دربك، واحفظها من الزلل يوم لقائك.

والحمد لله رب العالمين،،،


1 رواه الحاكم في المستدرك (1/734) البيهقي في شعب الإيمان، (2/551)، وقال الشيخ الألباني (صحيح) انظر حديث رقم (2165) في صحيح الجامع.

2 رواه البخاري برقم (5111)، ومسلم برقم (797) وغيرهما.

3 المصدر: موقع كلمات http: www.kalemat.org.

4 رواه البخاري (4/1919) برقم (4739) وغيره.

5 رواه ابن حبان برقم (81) وقال الشيخ الألباني: صحيح، انظر السلسلة الصحيحة رقم (3201).

6 رواه البخاري (6/2643) برقم (6805).

7 رواه البخاري (4/1882) برقم (4653).

8 رواه مسلم (1/553) برقم (804).

9 رواه مسلم (41/2290)، برقم (2989).

10 رواه أحمد برقم (8942) البيهقي، في شعب الإيمان برقم (1428)، وقال الألباني: (صحيح)، انظر رقم (4811) في صحيح الجامع.

11 رواه البخاري برقم (4645).

12 رواه أحمد برقم (21892) وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة، انظر رقم (2829).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.05298