Share |

دروس / تفسير

الحكمة من ضرب الأمثال

(يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً)

 

الحمد لله الذي كان بعباده خبيراً بصيراً، والصلاة والسلام على من أرسله الله مبشراً ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً، وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد:

فيقول الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِين * الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ * كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ * هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ}[البقرة: 26-29].

سبب نزول الآية:

ذُكر أنَّ سببَ نزولِ هذِهِ الآيةِ أنَّ المشركين اعترضُوا، فقالوا: كيف يضرب اللهُ المثلَ بالذُّبابِ والعنكبوتِ، في قولِهِ تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَن يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ}[الحـج: 73]. قالوا: الذباب يذكره الله في مقام المحاجة؟! فبيَّن الله عزّ وجلّ أنه لا يستحيي من الحق، حتى وإنْ ضُرِبَ المثلُ بالبعوضةِ فَمَا فوقها1.

شرح الآيات:

قوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما} أي لا يمنعه الحياء من أن يضرب مثلاً، ولو كان مثلاً حقيراً، ما دام يثبت به الحقُّ؛ فالعبرة بالغاية؛ و{ما} يقولون: إنها نكرة. أي: مثلاً أيَّ مثل.

قوله: {بعوضة} عطف بيان لـ{ما} أي: مثلاً بعوضة؛ والبعوضة معروفة؛ ويضرب بها المثل في الحقارة.

قوله: {فما فوقها} قيل فما فوقها، أي في الحقارة، فيكون المعنى أدنى من البعوضة. وقيل: فما فوقها في الارتفاع، فيكون المراد ما هو أعلى من البعوضة2.

قوله: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه} أي المثل الذي ضربه الله: {الحق من ربهم} ويؤمنون به، ويرون أن فيه آيات بينات.

قوله: {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلاً} لأنه لم يتبين لهم الحق لإعراضهم عنه، وقد قال الله تعالى: {إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين * كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون}[المطففين: 13- 14]. وقوله: {ماذا} أي ما الذي أراد الله بهذا مثلاً. قوله: {يضل به كثيراً} هذه جملة استئنافية لبيان الحكمة من ضرب المثل بالشيء الحقير؛ ولهذا ينبغي الوقوف عند القراءة على قوله تعالى: {ماذا أراد الله بهذا مثلاً}. و{يضل به} أي بالمثل {كثيراً} أي من الناس {ويهدي به كثيراً وما يضل به إلا الفاسقين} أي الخارجين عن طاعة الله. والمراد هنا الخروج المطلق الذي هو الكفر؛ لأن الفسق قد يُراد به الكفر، وقد يُراد به ما دونه؛ ففي قولِهِ تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ}[السجدة: 20] المراد به في هذه الآية الكفر، وكذلك هنا.

قوله: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} أي العهد الذي بينهم وبين الله، وهو الإيمان به، وبرسله؛ فإن هذا مأخوذ على كل إنسان، إذا جاء رسول بالآية فإن الواجب على كل إنسان أن يؤمن به، فهؤلاء نقضوا عهد الله، ولم يؤمنوا به، وبرسله؛ والنقض حَلّ الشيء بعد إبرامه، وقد بيَّن اللهُ عزّ وجلّ هذا العهدَ في قولِهِ تعالى: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ} [المائدة: 12].

قوله: {ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل} أي يقطعون كل ما أمر الله به أن يوصل؛ كالأرحام، ونصرة الرسل، ونصرة الحق، والدفاع عنه.

قوله: {ويفسدون في الأرض} أي يسعون لما به فساد الأرض فساداً معنوياً كالمعاصي؛ وفساداً حسياً كتخريب الديار، وقتل الأنفس، وما أشبه ذلك.

قوله: {أولئك هم الخاسرون} الخاسر: هو الذي فاته الربح، وذلك لأن هؤلاء فاتهم الربح الذي ربحه من لم ينقض عهد الله من بعد ميثاقه، ولم يقطع ما أمر الله به أن يوصل.

قوله: {كيف تكفرون بالله} استفهام إنكاري وتعجب؛ والمعنى: كيف تجحدونه، وتكذبون به، وتستكبرون عن عبادته، وتنكرون البعث مع أنكم تعلمون نشأتكم؟!.

قوله: {وكنتم أمواتاً} وذلك قبل نفخ الروح في الإنسان هو ميت، جماد {فأحياكم} أي بنفخ الروح {ثم يميتكم} ثانية، وذلك بعد أن يخرج إلى الدنيا {ثم يحييكم}الحياة الآخرة التي لا موت بعدها {ثم إليه ترجعون} بعد الإحياء الثاني ترجعون إلى الله، فينبئكم بأعمالكم، ويجازيكم عليها. لمَّا ذكر -جَلَّ وعلا- أنه قادرٌ على الإحياء والإماتة، بيَّن منَّته على العباد بأنه خلقَ لهم ما في الأرضِ جميعاً.

قوله تعالى: {هو الذي خلق لكم} أي أوجد عن علم وتقدير على ما اقتضته حكمته، وعلمه. و{لكم} اللام هنا لها معنيان: المعنى الأول: الإباحة كما تقول: أبحت لك. والمعنى الثاني: التعليل: أي خلق لأجلكم.

قوله: {ما في الأرض جميعاً}. {ما} اسم موصول تعُمُّ كل ما في الأرض فهو مخلوق لنا من الأشجار، والزراع، والأنهار، والجبال، وكل شيء. قوله: { ثم } أي بعد أن خلق لنا ما في الأرض جميعاً {استوى إلى السماء} أي علا إلى السماء؛ هذا ما فسرها به ابن جرير رحمه الله3. وقيل: أي قصد إليها؛ وهذا ما اختاره ابن كثير رحمه الله4. ولعل الصواب ما ذهب إليه ابن كثير رحمه الله وهو أن الاستواء هنا بمعنى القصد التام، والإرادة الجازمة5؛ و{السماء} أي العلوّ؛ وكانت السماء دخاناً. أي مثل الدخان. {فسواهن سبع سموات} أي جعلها سوية طباقاً غير متناثرة قوية متينة. قوله: {وهو بكل شيء عليم} ومن علمه عزَّ وجلَّ أنه علم كيف يخلق هذه السماء6.

بعض الفوائد المستفادة من الآيات:

1.  إثبات صفة الحياء لله عزّ وجلّ؛ لقوله تعالى: {إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما}. ووجه الدلالة: أن نفي الاستحياء عن الله في هذه الحال، دليل على ثبوته فيما يقابلها؛ وقد جاء ذلك صريحاً في السنة؛ كما في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن ربكم حييّ كريم يستحيي من عبده، إذا رفع يديه إليه أن يردهما صِفراً))1، ولكنه حياءٌ ليس كحياء المخلوق؛ كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}[الشورى: 11].

2.    أنه لا ينبغي أن يمنع من فعل المعروف وقوله والأمر به7.

3.  أن الله تعالى يضرب الأمثال؛ لأن الأمثال أمور محسوسة يُستدلُّ بها على الأمورِ المعقولةِ؛ انظر إلى قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا}، وهذا البيت لا يقيها من حَرّ، ولا برد،ولا مطر،ولا رياح {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ}[العنكبوت: 41]، وغير ذلك من الأمثلة.

4.  أن البعوضة من أحقر المخلوقات؛ لقوله-تعالى-: {بعوضة فما فوقها} ومع كونها من أحقر المخلوقات فإنها تقض مضاجع الجبابرة؛ وربما لو سُلطت على الإنسان لأهلكته، وهي حشرة صغيرة مهينة.

5.    أن القياس حجة؛ لأن كل مثل ضربه الله في القرآن، فهو دليل على ثبوت القياس.

6.  فضيلة الإيمان، وأن المؤمن لا يمكن أن يعارض ما أنزل الله عزّ وجلّ بعقله؛ لقوله تعالى: {فأما الذين آمنوا فيعلمون أنه الحق من ربهم} ولا يعترضون، ولا يقولون: لِم؟ وكيف؟، وإنما يقولون: سمعنا، وأطعنا، وصدقنا؛ لأنهم يؤمنون بأنَّ الله عزّ وجلّ له الحكمة البالغة فيما شرع، وفيما قدر.

7.   إثبات الربوبية الخاصة؛ لقوله تعالى:{من ربهم}؛ وذلك أنَّ ربوبية الله تعالى تنقسم إلى قسمين: عامة وخاصة؛ فالعامة هي الشاملة لجميع الخلق، وتقتضي التصرف المطلق في العباد. والخاصة هي التي تختص بمن أُضيفت له، وتقتضي عناية خاصة؛ وقد اجتمعتا في قوله تعالى: {قَالُواْ آمَنَّا بِرِبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}[الأعراف: 121-122]. فالأولى ربوبية عامة، والثانية خاصة بموسى وهارون.

8.  أنَّ الكافرين ديدنهم الاعتراضُ على حُكْمِ اللهِ، وعلى حِكْمَةِ اللهِ؛ لقوله تعالى: {وأما الذين كفروا فيقولون ماذا أراد الله بهذا مثلًا} فكل من اعترض ولو على جزء من الشريعة ففيه شبه بالكفار. إلا أن يقول ذلك على سبيل الاسترشاد، والاطلاع على الحكمة؛ فهذا لا بأس به.

9.  أن لفظ الكثير لا يدل على الأكثر؛ لقوله تعالى: {يضل به كثيراً ويهدي به كثيراً} فلو أخذنا بظاهر الآية لكان الضالون، والمهتدون سواءً؛ وليس كذلك؛ لأن الواقعَ يشهدُ بخلافِ ذلكَ.

10.    أن إضلال مَن ضَلَّ ليس لمجرَّدِ المشيئة؛ بل لوجود العلة التي كانت سبباً في إضلال الله العبد؛ لقوله تعالى: {وما يضل به إلا الفاسقين}، وهذا كقوله تعالى: {فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم والله لا يهدي القوم الفاسقين}[الصف: 5].

11.    أن نقض عهد الله من الفسق؛ لقوله تعالى: {الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه} فإذا رأيت شخصاً فرط في واجب، أو فعل محرماً؛ فإنه بذلك قد نقض العهد من بعد الميثاق.

12.    التحذير من قطع ما أمر الله به أن يوصل من الأرحام؛ لأن الله ذكر ذلك في مقام الذم؛ وقطع الأرحام من كبائر الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ((لا يدخل الجنة قاطع))8. يعني قاطع رحم.

13.    منَّة الله تعالى على عباده بأن خلق لهم ما في الأرض جميعاً، ولكن للعجب أنَّ من الناس من سخر نفسه لما سخره الله له؛ فخدم الدنيا، ولم تخدمه؛ وصار أكبر همه من الدنيا، جمع المال، وتحصيل الجاه، وما أشبه ذلك[9.


1  تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (1/ 96).

2  تفسير العثيمين: الفاتحة والبقرة (1/ 96).

3  تفسير الطبري (1/ 430).

4  تفسير ابن كثير (1/121).

5  تفسير العثيمين (1/110).

6  انظر: تفسير القرآن العظيم للحافظ ابن كثير (1/61- 66)، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (1/241- 261)، وفتح القدير للشوكاني (1/89- 99)، وتيسير الكريم الرحمن في تفسير الكريم المنان لابن سعدي (1/46- 50)، وتفسير العثيمين (1/103-110).

7  أيسر التفاسير (1/ 38).

8  رواه البخاري (5638)، ومسلم (2556).

9  تفسير العثيمين (1/103-110).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01843