Share |

خطب / سلوك

القرض الحسن

 

القرض الحسن

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

عباد الله: إن الله سبحانه وتعالى يدعو عباده المؤمنين في كثير من الآيات إلى أن يقرضوه قرضاً حسناً، وهو الغني سبحانه، فقال تعالى: {إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ} (17) سورة التغابن.

وقال تعالى:{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}(245) سورة البقرة.

وقال تعالى:{مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ} (11) سورة الحديد، وقال تعالى:{إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ}(18) سورة الحديد.

وقال تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا}(20) سورة المزمل.

وقال تعالى:{وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ}(12) سورة المائدة.

 

عباد الله: إن هذا على سبيل التأسيس والتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغني الحميد، شبه تعالى عطاء المؤمن في الدنيا بما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض، كما شبه بذل النفوس والأموال في الجنة بالبيع والشراء1.

قال أبو جعفر الطبري -رحمه الله-: يعني تعالى ذكره بذلك: من هذا الذي ينفق في سبيل الله، فيعين ضعيفاً، أو يقوي ذا فاقة، أراد الجهاد في سبيل الله، ويعطي منهم مقتراً؟ وذلك هو القرض الحسن الذي يقرض العبد ربه.

وإنما سماه الله تعالى "قرضاً" لأن معنى"القرض" إعطاء الرجل غيره ماله مملكاً له، ليقضيه مثله إذا اقتضاه، فلما كان إعطاء من أعطى أهل الحاجة والفاقة في سبيل الله، إنما يعطيهم ما يعطيهم من ذلك ابتغاء ما وعده الله عليه من جزيل الثواب عنده يوم القيامة، سماه "قرضاً".

 

وإنما جعله تعالى "حسناً" لأن المعطي يعطي ذلك عن ندب الله إياه، وحثه له عليه، احتساباً منه، فهو لله طاعة، وللشياطين معصية، وليس ذلك لحاجة بالله إلى أحد من خلقه2

وانظر أخي المسلم إلى سرعة الصحابة في استجابة هذا النداء، فعن زيد بن أسلم قال: لما نزلت:{مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} جاء ابن الدحداح إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا نبي الله، ألا أرى ربنا يستقرضنا مما أعطانا لأنفسنا؟! وإن لي أرضين: إحداهما بالعالية والأخرى بالسافلة، وإني قد جعلت خيرهما صدقة! قال: فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (كم من عذق مذلل لابن الدحداح في الجنة!)3

وعن قتادة: أن رجلاً على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سمع بهذه الآية قال:"أنا أقرض الله!"، فعمد إلى خير حائط له فتصدق به، قال، وقال قتادة: يستقرضكم ربكم كما تسمعون، وهو الولي الحميد ويستقرض عباده.4 وهذا عثمان بن عفان - رضي الله عنه - جهز جيش العسرة من ماله رضي الله تعالى عنه وأرضاه. 

قال ابن كثير: حث تعالى عباده على الإنفاق في سبيله، وقد كرر تعالى هذه الآية في كتابه العزيز في غير موضع، وفي حديث النزول أنه يقول تعالى:(من يقرض غير عديم ولا ظلوم)5 أخرجه مسلم6

 

وعن ابن عباس قال: لما نزل قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} البقرة:(245) قالت اليهود: يا محمد، افتَقَرَ ربّك. يَسأل عباده القرض؟! فأنزل الله:{لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} الآية،7 رواه ابن مردويه وابن أبي حاتم8.

فالله - عز وجل - يريد منا عباد الله المسارعة في الخيرات، وأن نتزود للآخرة بالنفقة في جميع وجوه البر، قرضاً حسناً لله، وهو سبحانه غير عديم ولا ظلوم.

 

ولا بد أن يكون هذا القرض عباد الله (حسناً) أي طيبة بها نفوسكم، تبتغون به وجه الله والدار الآخرة بلا من ولا أذى.

وقال القشيري: والقرض الحسن أن يكون المتصدق صادق النية، طيب النفس، يبتغي به وجه الله، دون الرياء والسمعة، وأن يكون من الحلال9.

ومن القرض الحسن ألا يقصد إلى الرديء فيخرجه، لقوله تعالى:{وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ} (267) سورة البقرة.

 

وأن يتصدق في حال يأمل الحياة، فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن أفضل الصدقة فقال:(أن تعطيه وأنت صحيح شحيح تأمل العيش، ولا تمهل حتى إذا بلغت التراقي قلت: لفلان كذا ولفلان كذا)10.

وأن يخفي صدقته، لقوله تعالى:{وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ}(271) سورة البقرة.

وألا يمن، لقوله تعالى:{لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى}(264) سورة البقرة.

وأن يستحقر كثير ما يعطي، لأن الدنيا كلها قليلة.

 

وأن يكون من أحب أمواله، لقوله تعالى:{لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ}(92) سورة آل عمران.

وأن يكون كثيراً، لقوله - صلى الله عليه وسلم -:(أفضل الرقاب أغلاها ثمناً، وأنفسها عند أهلها)11. أخرجه أحمد12.

إذاً القرض الحسن عباد الله: هو الإنفاق بالإخلاص، وتحري أكرم المال، وأفضل الجهات.

وذكر بعضهم أن القرض الحسن ما يجمع عشر صفات:

أن يكون من الحلال، فإن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيباً.

وأن يكون من أكرم ما يملكه المرء.

وأن يكون والمرء صحيح شحيح، يأمل العيش، ويخشي الفقر.

وأن يضعه في الأحوج الأولى.

وأن يكتم ذلك.

وأن لا يتبعه بالمنّ والأذى.

وأن يقصد به وجه الله تعالى.

وأن يستحقر ما يعطي وإن كثر.

وأن يكون من أحب أمواله إليه.

وأن يتوخى في إيصاله للفقير ما هو أسر لديه من الوجوه كحمله إلى بيته.

ولا يخفى أنه يمكن الزيادة والنقص فيما ذكر13.

نسأل الله أن يجعلنا من المنفقين في سبيله وأن يصلح ما فسد من قلوبنا وأعمالنا إنه ولي حميد.

 

الخطبة الثانية:

الحمد لله الكريم الرحمن العظيم المنان، والصلاة والسلام على النبي العدنان وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، أما بعد:

فانظروا عباد الله: كيف جعل سبحانه وتعالى مواساة الفقراء كأنه قرضاً له، فعبر بنفسه عن الفقراء الضعفاء في قوله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا} البقرة:(245) وذلك حثاً على الاستعطاف عليهم، كما جاء مثله في صحيح السنة: (استطعمتك فلم تطعمني)14

ومن معاني القرض الحسن عباد الله النفقة في وجوه البر.

وقيل: القرض الحسن هو أن يقول سبحان الله والحمد الله ولا إله إلا الله والله أكبر.15

وقال زيد بن أسلم: هو النفقة على الأهل16.

وقال ابن عباس: يريد ما سوى الزكاة من صلة الرحم، وقرى الضيف17.

والمراد ههنا عباد الله: إمّا الجهاد المشتمل على بذل النفس والمال، وإمّا مطلق العمل الصالح، ويدخل فيه ذلك دخولاً أولياً.

عباد الله: إن الله تعالى قضى على نفسه:

أن من توكل عليه كفاه.

ومن آمن به هداه.

ومن أقرضه جازاه.

ومن وثق به نجاه.

ومن دعاه أجاب له.

وتصديق ذلك في كتاب الله:

{وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ}(11) سورة التغابن.

{وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ}(3) سورة الطلاق.

{إِن تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ}(17) التغابن.

{وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ}(101) سورة آل عمران.

{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ}(186) سورة البقرة.

 

فالقرض عباد الله:

اسم لكل ما يعطيه الإنسان ليجازى عليه، فسمى الله تعالى عمل المؤمنين له على رجاء ما وعدهم من الثواب قرضاً، لأنهم يعملونه لطلب ثوابه.

قال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيئ.18 فالله سبحانه يضاعف ذلك أضعافاً كثيرة.

فقد أخرج الإمام أحمد وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي عثمان النهدي قال: بلغني عن أبي هريرة أنه قال: إن الله تعالى ليكتب لعبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف ألف حسنة، فحججت ذلك العام، ولم أكن أريد أن أحج إلا للقائه في هذا الحديث، فلقيت أبا هريرة فقلت له: فقال: ليس هذا قلتُ ولم يحفظ الذي حدثك، إنما قلت: إن الله تعالى ليعطي العبد المؤمن بالحسنة الواحدة ألفي ألف حسنة، ثم قال أبو هريرة: أوَ ليس تجدون هذا في كتاب الله تعالى:{مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}؟ فالكثيرة عنده تعالى أكثر من ألفي ألف وألفي، والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (إن الله تعالى يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة)19 أخرجه أحمد.20

 

فقوله عباد الله: {مَّن ذَا الذي يُقْرِضُ الله قَرْضًا حَسَنًا} ندب بليغ من الله تعالى إلى الإنفاق في سبيله، مؤكد للأمر السابق به، وللتوبيخ على تركه، فالاستفهام ليس على حقيقته بل للحث على الإنفاق في سبيل الله.

وقوله:{وَيَغْفِرْ لَكُمْ} أي ببركة الإنفاق ما فرط منكم من بعض الذنوب {والله شَكُورٌ} يعطي الجزيل بمقابلة النزر القليل {حَلِيمٌ} لا يعاجل بالعقوبة مع كثرة الذنوب.

أسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين أقرضوا الله قرضاً حسناً، وأن يوفقنا لفعل الخيرات، وترك المنكرات، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم.


 

1 - تفسير البحر المحيط - (ج 2 / ص 474)

2 -  تفسير الطبري - (ج 5 / ص 283).

3 - صحيح مسلم - (ج 5 / ص 81 - 1605 ) كتاب الجنائز  باب ركوب المصلي على الجنازة إذا انصرف.

4 - تفسير الطبري - (ج 5 / ص 284)

5 - تفسير ابن كثير - (ج 1 / ص 663).

6 - صحيح مسلم - (ج 4 / ص 141 - 1264) كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب الترغيب في الدعاء والذكر في آخر الليل والإجابة فيه.

7 - تفسير ابن كثير - (ج 2 / ص 176)

8 - تفسير ابن أبي حاتم - (ج 9 / ص 122 - 2468)

9 - تفسير القرطبي - (ج 17 / ص 242)

10 - صحيح البخاري - (ج 5 / ص 233 - 1330 )  وصحيح مسلم - (ج 5 / ص 231 - 1713).

11 - تفسير القرطبي - (ج 17 / ص 243) 

12 - مسند أحمد - (ج 18 / ص 219 - 8677)

13 - تفسير الألوسي - (ج 20 / ص 317).

14 - صحيح مسلم - (ج 12 / ص 440 - 4661).

15 - مصنف ابن أبي شيبة - (ج 8 / ص 260 - 52 ) وشعب الإيمان للبيهقي - (ج 2 / ص 194 - 652 )

16 - تفسير القرطبي - (ج 17 / ص 242)

17 - تفسير البغوي - (ج 8 / ص 258)

18 - تفسير القرطبي - (ج 3 / ص 239)

19 - تفسير الألوسي - (ج 2 / ص 285)

20 - مسند أحمد - (ج 16 / ص 145 - 7604) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع (1655).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01653