Share |

بحوث ومقالات / مقالات

الكعبة المشرفة تاريخ ورموز

 

الحمد لله الذي فضل بعض الأمكنة على بعض، وبعض الأزمنة على بعض، وبعض الأنبياء على بعض، وله الشكر على ما خص بيته العظيم بمزيد من التقديس والتكريم، فهو القائل الكريم: {جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (97) سورة المائدة. وهو القائل: {وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (125) سورة البقرة.

فاللهم لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت ولك الحمد بعد الرضى.. لك الحمد بالإسلام، ولك الحمد بالإيمان، ولك الحمد بالمال والأهل والمعافاة.. وصلى الله وسلم على نبيه الكريم الذي نشأ في البلد الحرام، فعانى كل بلاء وفتنة وصبر على الجهلاء الطغام؛ حتى أنار الله له السبيل، وفتح له القلوب، فاستنارت بشرعه، فكانت وجهتها دائماً وأبداً الكعبة المشرفة: {وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ} (144) سورة البقرة. وعلى آله الطيبين وصحابته الأخيار ومن سار على نهجهم وطريقتهم إلى يوم الدين، أما بعد:

فلقد فضل الله تعالى بعض الأمكنة على بعض، وكذا الأزمنة والخلق والأنبياء الكرام وغيرهم، ولننظر نظرة سريعة في ذلك:

فقد خلق الله السماوات سبعاً فاختار العليا منها، فجعلها مستقر المقربين من ملائكته واختصها بالقرب من كرسيه ومن عرشه، وأسكنها من شاء من خلقه، فلها مزية وفضل على سائر السماوات، ولو لم يكن إلا قربها منه -تبارك وتعالى- لكفى شرفاً.

ومن هذا اختياره من الملائكة المصطفين منهم على سائرهم: كجبريل وميكائيل وإسرافيل، وكم من ملك غيرهم في السماوات! فلم يسم إلا هؤلاء الثلاثة.

وكذا اختياره -تعالى- للأنبياء من ولد آدم -عليه وعليهم الصلاة والسلام-، واختياره أولي العزم منهم، وهم المذكورون في قوله –تعالى-: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا}[الأحزاب: 7]. ثم اختيار النبي صلى الله عليه وسلم من بين الأنبياء؛ ليكون أفضلهم، وهو سيد ولد آدم، وكذا تفضيل الأمة المحمدية على سائر الأمم بنص القرآن.. ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها: وهي البلد الحرام فإنه تعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق.. وجعله حرماً آمناً لا يسفك فيه دم، ولا تعضد به شجرة، ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه.. وجعل قصده مكفراً لما سلف من الذنوب، حامياً للأوزار حاطاً للخطايا، كما روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً:  (من أتى هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع كيوم ولدته أمه). إلى آخر تلك الفضائل العظيمة المذكورة في مظانها1 فذوات ما اختاره واصطفاه من الأعيان والأماكن والأشخاص وغيرها مشتملة على صفات قائمة بها ليست لغيرها، ولأجلها اصطفاها الله، وهو سبحانه الذي فضلها بتلك الصفات وخصها بالاختيار فهذا خلقه، وهذا اختياره، {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاء وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}[القصص: 68]2.

هذه مقدمة تبين فضيلة البلد الحرام، ولسنا بصدد ذكر فضائل البيت الحرام، لأنها كثيرة، لا يتسع المقام هنا لذكرها؛ ولأن قصدنا ذكر تاريخ الكعبة ورموزها باختصار، ولو وسعنا البحث لطال، ولما اتسعت له إلا مجلدات، كما سيأتي ذكر من ألف في ذلك من العلماء، ولكن حسبنا ذكر إشارات سريعة إلى تاريخ الكعبة: بناؤها، وحوادث عبر التاريخ متعلقة بها، ورموز وشخصيات كانت لها مع الكعبة أحداث ووقائع ستذكر بقدر الاستطاعة والله الموفق.

أول من بنى الكعبة:

بعد الإطلاع على كتب التاريخ ومنها أخبار مكة3، وجدت آثار تدل على أن أول من بناها: هم الملائكة، وقيل أو من بنى الكعبة هو آدم عليه السلام، وهذه الروايات لم تثبت عن المعصوم صلى الله عليه وسلم، بل هي حكايات وروايات ذكرت عن بعض الصحابة والتابعين، والذي يظهر كما أثبته علماء السير والتاريخ أنها أخذت عن الإسرائيليات. وقد بين النبي صلى الله عليه وسلم موقف أمته من روايات من قبلنا، فقال: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج)4، وفي رواية فيها ضعف: (لا تصدقوهم ولا تكذبوهم).. ومعلوم عن سلف الأمة أنهم كانوا يذكرون قصصاً وحوادث كثيرة عن أهل الكتاب، ومنهم من كان يرى تركها، والاكتفاء بما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم، والمسألة في مظانها تبحث.. والمهم أننا سنأخذ روايات عن ابن عباس وغيره حول بناء الكعبة:

ذكر الأزرقي في كتابه (أخبار مكة) عن ابن عباس: أن آدم لما أهبط إلى الأرض، كان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، فطأطأ الله منه إلى ستين ذراعاً.. فاستوحش؛ لأنه كان يستأنس بأصوات الملائكة عليهم السلام، فقال الله له: إنها خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابن لي بيتاً فطف به واذكرني حوله، كما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي .. فأقبل آدم عليه السلام يمشي حتى وصل مكة، وبنى الكعبة من خمسة أجبل- جبال-: من لبنان، وطور زيتا، وطور سيناء، والجودي، وحراء، حتى استوى على وجه الأرض... قال ابن عباس: فكان أول من أسس البيت وصلى فيه وطاف به آدم عليه السلام، حتى بعث الله الطوفان، قال: وكان غضباً ورجساً، فحيث ما انتهى الطوفان ذهب ريح آدم عليه السلام، ولم يقرب الطوفان بلاد الهند والسند، قال: فدرس موضع البيت في الطوفان– أي ذهب أثره- حتى بعث الله تعالى إبراهيم وإسماعيل، فرفعا قواعده وأعلامه، وبنته قريش بعد ذلك، وهو بحذاء – أي مقابل- البيت المعمور لو سقط ما سقط إلا عليه)5.

اتضح من هذه الرواية عن ابن عباس، أن أول من أسس البيت ورفعه هو آدم عليه السلام، وأنه ظل كذلك مدة طويلة من الزمن إلى زمن نوح عليه السلام، وهذه مدة طويلة؛ لأنه قد ثبت أن ما بين آدم ونوح عشرة قرون6. ونوح قد عمِّر ما يقارب ألف سنة، فالمدة ما بين بنائه الأول، ودماره في الطوفان ما يقارب ألف سنة والله أعلم..

وقد كان الناس في العشرة القرون بعد آدم كلهم على الإسلام، كما جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما، ثم حصل الشرك بعد ذلك فبعث الله نوحاً، ودعا قومه إلى التوحيد فلم يستجب إلا قليل منهم. ولما بعث الله إبراهيم عليه السلام إلى قومه عباد الأوثان والشمس والقمر والكواكب، أمره الله أثناء تأديته للرسالة أن يبني البيت مرة أخرى؛ لأنه انهدم بالطوفان أيام نوح.

بناء إبراهيم للبيت العتيق: (البيت الحرام)

لم تزل مكة ولا تزال مشرفة ومكرمة إلى أبد الدهر ففي عهد إبراهيم عليه السلام أمره الله أن يبني الكعبة على القواعد الأولى التي بنيت عليه من قبل.. وهنا مزية في هذا الحدث هو أن بناء إبراهيم للكعبة ذكر في القرآن وثبت في السنة بخلاف بناء آدم لها، وقصة بناء إبراهيم سيكون له الاطمئنان الأكبر؛ لأنه ثابت بالنصوص القطعية..

يقول تعالى في محكم كتابه: {وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ}[البقرة: 127-128].

وقد روى البخاري رحمه الله في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لما كان بين إبراهيم وأهله ما كان... فذكر الحديث بطوله إلى أن قال: فجاء فوافق إسماعيل من وراء زمزم يصلح نبلاً له، فقال: يا إسماعيل! إن ربك عز وجل أمرني أن أبني له بيتاً، فقال: أطع ربك عز وجل، قال: إنه قد أمرني أن تعينني عليه، فقال: إذن أفعل، أو كما قال .. قال: فقام فجعل إبراهيم يبني وإسماعيل يناوله الحجارة، ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم} قال: حتى ارتفع البناء وضعف الشيخ عن نقل الحجارة، فقام على حجر المقام، فجعل يناوله الحجارة، ويقولان: {ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم}7.

وهكذا: لم تزل مكة مشرفة بتلك الكعبة الطاهرة، وبذلك البيت العتيق.. فاستوطنت قبائل جرهم مكة ونالتهم بركة إسماعيل وإبراهيم وأهلهما؛ فكانت هذه البلدة حرماً آمناً يجبى إليه ثمرات كل شيء رحمة من الله، وذكرى للعابدين..

ذو القرنين في مكة:

روى ابن أبي حاتم حديثاً يدل على أن ذي القرنين وجد إبراهيم عليه السلام في مكة، فوجده وإسماعيل يبنيان قواعد البيت من خمسة أجبل، فقال: مالكما ولأرضنا؟ فقال: نحن عبدان مأموران أمرنا ببناء هذه الكعبة، وذكر الأزرقي في أخبار مكة أن ذا القرنين طاف مع إبراهيم عليه السلام بالبيت، وهذا يدل على تقدم زمانه، والله أعلم.8

قبائل جرهم والكعبة:

ذكر الأزرقي رحمه الله أثراً عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لقريش: (إنه كان ولاة هذا البيت قبلكم طسم فاستخفوا بحقه، واستحلوا حرمته فأهلكهم الله، ثم وليته بعدهم جرهم فاستخفوا بحقه، واستحلوا حرمته، فأهلكهم الله، فلا تهاونوا به وعظموا حرمته)9.

دل هذا على أن جرهم ولوا البيت ولكن لم يقوموا به واستخفوا به، وقد حاول رجال منهم سرقة حلي الحرم وأوقافه؛ لكن الله خيب أملهم وأبطل صنيعهم.

قال بعض أهل العلم: إن جرهماً لما طغت في الحرم دخل رجل منهم وامرأة يقال لهما أساف ونايلة البيت، ففجروا فيه فمسخهما الله تعالى حجرين فأخرجا من الكعبة، فنصبا على الصفا والمروة ليعتبر بهما من رآهما.. وقال بعض أهل العلم: إن عمرو بن لحي دعا الناس إلى عبادتهما وقال للناس: إنما نصبا هاهنا ليعبدوا، وأن آباءكم ومن قبلكم كانوا يعبدونها، وكان عمرو بن لحي فيهم سيداً شريفاً مطاعاً ما قال لهم فهو دين متبع.

وقال بعض أهل العلم: إنه لم يفجر بها في البيت، وإنما قبَّلها، قالوا: فلم يزالا يعبدان حتى كان يوم فتح مكة فكسرا، وكانت مكة لا يقر فيها ظالم ولا باغ ولا فاجر! إلا نفي منها، وكان نزلها العماليق وجرهم جبابرة، فكل من أراد البيت بسوء أهلكه الله، فكانت تسمى بذلك الباسة. قال عبد الله بن عمرو بن العاص: سميت (بكة)؛ لأنها كانت تبك أعناق الجبابرة، وقال ابن الزبير رضي الله عنهما سمي البيت العتيق؛ لأنه عتق من الجبابرة أن يسطوا عليه، وقيل سمي العتيق: لقدمه10.

خزاعة والكعبة:

لما استحلت جرهم الحرم، وأفسدوا فيه، وأكلوا مال الكعبة الذي كان يهدى إليها، أخرجهم الله بالسيف حيث قتلتهم خزاعة شر قتلة، ومنهم من ذهب في الأرض فمات، وكان قد حذرهم مضاض بن عمرو بن الحارث غضب الله بإفسادهم في الحرم، فلم يستجيبوا له فأهلكهم الله، ونجا هو وأهله.. وبعد المعركة التي حصلت بين خزاعة وبين جرهم واستيلاء خزاعة على الحرم، أقام بها ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو لُحي فولي أمر مكة، وحجابة الكعبة. وقد أقامت خزاعة في ولاية البيت الحرام والحكم بمكة ثلاثمائة سنة، وكان بعض التبابعة قد حاول هدمه فمنعتهم خزاعة، ودافعت عنه أشد الدفاع.

تُبَّع والكعبة:

كان تُبَّع قد نوى أن يهدم الكعبة، ويبني بيتاً يصرف به وجوه الناس؛ كما فعل أبرهة الأشرم الحبشي، فلما كان في موضع من الأرض أظلمت عليهم الدنيا، وهبت الرياح، فخاف وسأل أحباراً ممن كانوا معه، فقالوا: هل هممت لهذا البيت بشيء؟ فقال: أردت أن أهدمه! فأخبروه أن من أراد به سوءاً أهلكه الله، وأمروه أن يكسو البيت، ويهدي له أموالاً وإبلاً، ففعل فانجلت عنهم الظلمة، فكان تُبَّع هذا أول من كسا الكعبة كسوة كاملة11.

أبرهة والكعبة:

وقصة أبرهة معلومة في إرادته هدم الكعبة المشرفة، وصرف الناس عنها إلى صنعاء اليمن ولكن الله أهلكه شر إهلاك، ودمر جنوده ومزقهم كل ممزق، وأنزلت فيه آيات تتلى إلى يوم القيامة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ * أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ * وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ * تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ * فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَّأْكُولٍ} [سورة الفيل]، وكانت هذه سنة ميلاد الرسول -صلى الله عليه وسلم- فكانت تقدمة لنبوته ورسالته، وقد حصلت عجائب وغرائب في محاولة هدم أبرهة البيت (أنظر أخبار مكة للأزرقي رحمه الله).12

قريش والكعبة:

كانت الكعبة أيام حكم قريش لمكة المكرمة رضماً فوق القامة – أي حجارة متجمعة متراكمة على شكل بيت متهدم- فأرادوا رفعها وتسقيفها.

ولما أرادوا ذلك خافوا أن يحل بهم غضب الله بسبب هدم البيت، وكانت بجانب البيت حية تخرج من بئر الكعبة التي كانت توضع فيها الهدايا والقرابين.. فتظهر على جدار الكعبة فكانوا يخافون منها؛ لأنه كان لا يقرب منها أحد إلا كشَّتْ وصاحت وفتحت فاها، فبعث الله إليها طيراً فأخذها بعيداً، ففرحت قريش، وقالوا: نرجوا أن الله قد رضي ما أردنا، فلما أجمعوا على هدمها وبنائها قام ابن وهب ابن عمرو بن عائذ بن مخزوم، فتناول حجراً فرجع من يده إلى مكانه، فقال: يا معشر قريش لا تدخلوا في بنائها مالاً حراماً، فجزأت قريش بناء البيت لكل قبيلة، ولما وصلوا موضع الحجر الأسود اختلفوا حتى كادوا يقتتلون على شرف وضعه.. فاحتكموا إلى أول داخل عليهم من الباب، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم أول داخل من باب المسجد، فحكم بينهم وبسط رداءً ووضع الحجر عليه، فأخذت كل قبيلة بطرف ثم رفعوه، ووضعه بيده الشريفة صلى الله عليه وسلم.

وهكذا حتى تم البناء، ولم تبن قريش الكعبة كما كانت على قواعد إبراهيم وإسماعيل، لأنه قصرت بهم النفقة، فأنقصوا منها ما يسمى (الحِجْر).. وهكذا استمرت الأمور والأحوال حتى بعث النبي صلى الله عليه وسلم، وهي لا زالت بيد قريش، ولما أكرمه الله بفتح مكة المكرمة ودخلها معززاً مكرماً منصوراً عتقت الكعبة من يد الشرك ودخلت في أيدي المسلمين، ولم يحصل لها أي تغيير..

عبد الله بن الزبير والكعبة:

لم تزل الكعبة المشرفة على ما كانت عليه منذ أن بنتها قريش، ولما مات الرسول صلى الله عليه وسلم وحصل الخلاف من بعد موت عثمان رضي الله عنه، وكثرت الفتن وحصل القتل بين المسلمين –تأولاً- وكان عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قد استولى على بلاد الحجاز، فكانت مكة تحت يده، فأراد يزيد بن معاوية أن يقاتل ابن الزبير ففعل وحاصر مكة بعد سنة 60هـ. وكان مما حصل من الفتن أن احترقت الكعبة، بسبب رميها بالمنجنيق من قبل أعداء ابن الزبير، فحينئذٍ نقضها ابن الزبير إلى الأرض وبناها على قواعد إبراهيم عليه السلام، وأدخل فيها الحجر وجعل لها باباً شرقياً وباب غربياً، ملصقين بالأرض وكان ذلك منه عملاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي سمعه ابن الزبير من خالته عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لها: (لولا أن الناس حديث عهدهم بكفر، وليس عندي من النفقة ما يقويني على بنائه، لكنت أدخلت فيه من الحجر خمسة أذرع، ولجعلت له باباً يدخل الناس منه، وباباً يخرجون منه). رواه مسلم من حديث طويل..

وكان قد أصاب في ذلك أيما إصابة.. ومع مرور الأيام وبعد أن قتله الحجاج الثقفي ظلماً وجوراً وعدواناً هدمها وردها على ما بنتها عليه قريش، لا لشيء سوى أن عبد الله ابن الزبير هو الذي بناه لكونه في رأيه الجائر كافراً أو ظالماً.. وردها على ما بنته وثنية قريش فالله حسيبه ووكيله...

الحَجَّاج السفاح والكعبة:

في عهد عبد الملك بن مروان أمير المؤمنين آنذاك، وبعد مقتل ابن الزبير رضي الله عنه وأرضاه، وجعل الجنة مأواه، بعث عبد الملك إلى الحجاج يأمره بأن يرد الكعبة على ما كانت عليه قبل ابن الزبير، فهدمها الحجاج، وردها على ما بنتها عليه قريش، وهو بهذا قد خالف السنة، وما كان يتمناه الرسول صلى الله عليه وسلم لولا حداثة الناس بكفر.

ولما سمع عبد الملك بثبوت الحديث عن عائشة ندم على ألا يكون تركها كما فعلها ابن الزبير رضي الله عنه المقتول ظلماً وعدواناً، روى ذلك مسلم (بمعناه).

وهكذا استمر الأمر، وبقيت الأحوال مع مرور الأيام والسنين إلى عهد الخليفة هارون الرشيد، الذي أراد إرجاعها كما كانت في عهد ابن الزبير.

هارون الرشيد والكعبة:

أراد هارون الرشيد أن ترد الكعبة على ما تمنى الرسول صلى الله عليه وسلم أن تكون عليه، وقد سأل الإمام مالكاً عن ذلك فقال له مالك: يا أمير المؤمنين لا تجعل الكعبة ملعبة للملوك لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها..

القرامطة والكعبة:

تمكن القرامطة من الاستيلاء على الحرم عام 317هـ وقتلوا من الحجاج خلقاً كثيراً، واستحلوا كل حرام، وأخذوا الحجر الأسود إلى هجر في البحرين، وقد دفع لهم 50 ألف دينار ذهبي فأبوا، ثم رجعت في عام 330هـ.

ثم تتالت الأيام والسنون.. فكان كلما حصل خلل في جدار الكعبة وسقفها أصلحه الولاة القائمون على مكة، وهكذا في الدولة العباسية، وفي عهود الدولة العثمانية، وفي هذا العصر حصل لها عدة إصلاحات منها للملك عبد العزيز آل سعود، وأبنائه من بعده كفيصل وخالد وأخيراً في عهد الملك فهد حيث اهتم بمكة وبالكعبة خصوصاً والحرم المكي الشريف، فكانت التوسعة الأخيرة والعناية بها أمراً عظيماً، يأخذ الألباب ثم لا يعيدها.

نسأل الله أن يحمي الحرمين الشريفين، من كل ظالمٍ وباغٍ، ومتجبر وأن يحرسها بعينه التي لا تنام.

والله الموفق،،


1- لمزيد من فضائل البيت العتيق انظر زاد المعاد لابن القيم (1/47) وما بعدها. ط/ مؤسسة الرسالة.

2- مقتطفات من كلام ابن القيم ن زاد المعاد (1/42) وما بعدها بتصرف واختصار.

3- للأزرقي- رحمه الله- وكذا تاريخ مكة للفاكهي. وكتاب الأزرقي يعد من أوثق المراجع في أخبار مكة لقربه من عهد الصحابة والتابعين.

4- رواه البخاري والترمذي.

5- أخبار مكة للأزرقي رحمه الله ص 36-37. ط: دار الأندلس.

6-  ورد ذلك في البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما.

7 - صحيح البخاري (3185).

8- تفسير ابن كثير (1/170-171). ط/ مكتبة العلوم والحكم.

9- أخبار مكة 80.

10- أخبار مكة ص 88-89.

11-  أخبار مكة ص 132-134.

12- ص 134-154.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01932