Share |

دروس / تفسير

قبسات من سورة الحج

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

فإن لمكة المكرمة تاريخاً عظيماً، مما يدل على علو مكانتها عند الله –تعالى- فهي أقدس بقاع الأرض، وذكر مكة يرتبط بقصة إبراهيم الخليل الذي بنى الكعبة على قواعد آدم -عليه السلام- كما في الآية:{وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (127) سورة البقرة.

وتلك المواقف تجعل العبد مقتنعاً كل القناعة بأن لهذا البلد قدسيته وعظمته عند الله، وبأن له من الوقت العمر الطويل مما جعله الله مهوىً لأفئدة الناس، تهوى إليه وتشتاق إلى زيارته، ولكن لما تعسرت الأمور في هذا الزمن، ووضعت الحدود الجغرافية، بمعاونة الاستعمار، وموافقة المنافقين من بني جلدتنا، حصلت هناك حواجز وموانع من الوصول إلى هذه البقعة الطاهرة، ولا يمكن الوصول إليها إلا بعد جهد وتعب شديد، من أموال طائلة، ومعاملات مملة ومحبطة للآمال، وموانع أخرى سياسة واقتصادية واجتماعية، ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وإلا فقد كان الفرد يذهب ويأتي دونما حواجز ولا موانع.. في أي وقت شاء، وبتكاليف يسيرة، بخلاف هو ما عليه اليوم.. فاللهم يسِّر.

وقد ذكرت في سورة الحج آيات تبين ما جرى للكعبة أيام إبراهيم الخليل -عليه السلام- من تطهير وتقديس وسن شرائع للبشرية إلى قيام الساعة، ومنها الطواف والسعي، وسنأخذ هذه الآيات للكلام حول ما قاله علماء الإسلام من مفسرين ومحدثين لتكون الصورة واضحة جلية.. والله الموفق.

يقول -تعالى- في سورة الحج:{وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَن لَّا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ} (26) سورة الحـج،  (بوأنا) أي مكنا أو هيأنا، قال القرطبي: (يقال: بوأته منزلاً وبوأت له، كما يقال: مكنتك ومكنت لك.. ثم قال في معنى الآية: أريناه أصله ليبنيه، وكان قد درس بالطوفان وغيره، فلما جاءت مدة إبراهيم -عليه السلام- أمره الله ببنائه، فجاء إلى موضعه وجعل يطلب أثراً، فبعث الله ريحاً فكشفت عن أساس آدم -عليه السلام- فرتب قواعده عليه).1

وقوله تعالى: ((ألا تشرك بي شيئاً)) هذا نهي لإبراهيم عن عبادة الأصنام والإشراك بالله، وهو قول الجمهور وهو الراجح .. وقيل: الخطاب للنبي -صلى الله عليه وسلم- والأول أصح.

والإشراك مأخوذ من الشراكة والتشريك، وهو اجتماع أكثر من واحد على أمر ما، فمن ذبح لغير الله أو سجد لغير الله فقد أشرك في العبادة؛ لأنه جعل مع الله معبوداً ومطاعاً. وقوله –تعالى-: ((وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود)) أي طهره من الأوثان والأصنام التي كانت قبل إبراهيم -عليه السلام-، قيل: كانت لجرهم والعمالقة أصنام يعبدونها في بقعة البيت وحوله قبل بناء إبراهيم له. وقيل المقصود بالتطهير: أي من الأنجاس الحسية كالدماء والأرواث والنجاسات المختلفة.. والمعنى كله مطلوب؛ لأن الحرم لا بد أن يجتمع فيه الأمران: التطهير من نجاسة الشرك والمشركين المعنوية والتطهير من النجاسة المحسوسة كالقاذورات والدماء النجسة وغيرها.

وهذا التطهير لأجل أن يتمكن الطائفون حول البيت من عبادة الله وحده، والطواف حول البيت بقلوب يملؤها التقديس والتعظيم للعظيم الكريم، يؤدي هؤلاء الطواف في جو التوحيد والتنزيه بعيداً عن أصنام وأوثان الجاهلية المختلفة، وكذا يستطيع القائمون في الصلاة الذين يركعون ويسجدون لله أداء العبادات في جوٍّ خالص لله، بعيداً عن الإشراك وبعيداً عن الأنجاس الحسية والمعنوية.

قول الله:{وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ} (27) سورة الحـج.

لما أكمل إبراهيم بناء البيت العتيق وجهزه أحسن ما يكون، أمره ربه العظيم، بأن ينادي بصوته البشري الضعيف لتقوم القدرة الإلهية بإيصاله إلى كل مكلف في الأرض، لأن المقصود من بناء البيت هو أن يكون مجتمعاً للتوحيد، ومجمعاً للتعارف والتآلف بين المسلمين من جميع أقطار الأرض، لا فضل لأحد على أحد إلا بالتقوى.

(أذِّن) أي أعلمهم ونادهم لكي يحجوا بيت الله ويقصدوه بالعبادة. وقد ذكر ابن جرير الطبري وابن كثير والقرطبي وغيرهم، عن علماء السلف كابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وغيرهم: أن إبراهيم   -عليه السلام- لما أمره الله أن ينادي في الناس بالحج، قال: (يا رب كيف أبلغ الناس وصوتي لا ينفذهم !)، فقال: (نادِ وعلينا البلاغ) فقام على المقام، وقيل على الحِجْرِ، وقيل على الصفا، وقيل على جبل أبي قبيس، وقال: (يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتاً فحجوه)، فيقال: إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك).

وقوله: (يأتوك رجالاً) أي مشياً على أرجلهم، ورجالاً جمع راجل، وهو الماشي على قدميه، (وعلى كل ضامر) أي ويأتونك على كل ضامر، والضامر: هو البعير الهزيل المتعب الذي قد أتعبه السفر، ولهذا قال: (يأتِينَ من كل فجٍ عميق)) والفج: هي الفجوة أو الفتحة بين الجبلين التي تتخذ طريقاً للناس، وقوله: (عميق) أي بعيد، فبين أن سبب ضمورها وتعبها هو إتيانها من مكان بعيد.

وفي هذا الزمن ينطبق على السيارات؛ لأنها تأتي من أمكنة بعيدة، وقد يحصل لأكثرها خلل في الطريق لبعد المسافات، أو ما قد يحصل للطائرات من تقادم مع مرور الزمن، وقد تسقط بعضها لظروف معينة.. والمقصود أن الله –تعالى- جعل لهذا البيت محبة وشوقاً، تهوي إليه النفوس المؤمنة للزيارة وتحب القرب منه، يقول ابن كثير -رحمه الله-: ( فليس أحدٌ من أهل الإسلام إلا وهو يحن إلى رؤية الكعبة والطواف، والناس يقصدونها من سائر الجهات والأقطار ).2

( وما يزال وعد الله يتحقق منذ إبراهيم -عليه السلام- إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة الناس تهوي إلى البيت الحرام، وترف إلى رؤيته والطواف به.. الغني القادر الذي يجد الظهر يركبه، ووسيلة الركوب المختلفة تنقله، والفقير المعدوم الذي لا يجد إلا قدميه، وعشرات الألوف – بل مئات الألوف- من هؤلاء يتقاطرون من فجاج الأرض البعيدة، تلبية لدعوة الله التي أذَّن بها إبراهيم -عليه السلام- منذ آلاف الأعوام..).3

الغرض من حج بيت الله:

ذكر الله في نفس السورة أن الهدف والغرض من قصد بيت الله والسفر إليه غرضان رئيسان:

الأول: كما في الآية:{لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ} وهذا من رحمة الله بالعباد، فالحياة لا بد أن تكون كلها لله، حتى المنافع المحضة، يجب أن تكون نيتها وقصدها لله؛ لينال الإنسان الأجر.. إن المنافع التي ذكرت في الآية منافع كثيرة جداً بهذا التعبير المختصر الموجز: ثلاث كلمات جمعت الدنيا كلها.. فسبحان من جعل لكلامه هذا العلو الكبير: علو البلاغة والفصاحة.

يقول سيد قطب: ( والمنافع التي يشهدها الحجيج كثيرة.. فالحج موسم ومؤتمر، الحج موسم تجارة وموسم عبادة، والحج مؤتمر اجتماع وتعارف، ومؤتمر تنسيق وتعاون.. وهو الفريضة التي تلتقي فيها الدنيا والآخرة، كما تلتقي فيها ذكريات العقيدة البعيدة والقريبة.. أصحاب السلع والتجارة يجدون في موسم الحج سوقاً رائجة، حيث تجبى إلى البلد الحرام ثمرات كل شيء، من أطراف الأرض؛ ويقدم الحجيج من كل فج ومن كل قطر، ومعهم من خيرات بلادهم ما تفرق في أرجاء الأرض في شتى المواسم، يتجمع كله في البلد الحرام، فهو موسم تجارة ومعرض نتاج، وسوق عالمية تقام في كل عام )4.

إذن هي المنافع التي يجدها الحجاج في الحج، وهي المنافع الدنيوية التي تبلغهم عيشهم.

الغرض الثاني: ذكر الله وعبادته والإتيان بالشعائر المختلفة: لهذا يقول الله في الآية السابقة:{وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ}،  فهذا هو الهدف الأكبر الذي جاء الحجاج من أجله، والأيام المعلومات كما قال ابن عباس: هي الأيام العشر أي عشر ذي الحجة. وقد ورد ذكر فضل عشر ذي الحجة في الحديث النبوي؛ كما روى البخاري وأحمد عن ابن عباس عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((ما العمل في أيام أفضل منها في هذه)) قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ((ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله ثم لم يرجع بشيء)).

وروى الإمام أحمد عن ابن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ( ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلى الله العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) قال البخاري: وكان ابن عمرو وأبو هريرة يخرجان إلى السوق في أيام العشر فيكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

والقول بأن (الأيام المعدودات) في هذه الآية هي عشر ذي الحجة، هو قول كثير من علماء السلف.

وفي قول ثانٍ: أنها يوم النحر- يوم العيد- وأيام التشريق الثلاثة.

وفي قول ثالث: أنها يوم عرفة ويوم النحر ويوم آخر بعده.. وعلى كل حال فكلها أيام فاضلة من أفضل أيام الله، ينبغي للمسلم اغتنامها في عمل الصالحات.

وقوله –تعالى-: ( عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ) أي ليذكروا اسم الله على هذه الأنعام، ويقولوا: باسم الله عند ذبحها. وقوله: (عَلَى مَا رَزَقَهُم) أي على ذبح ما رزقهم، والأنعام هي الإبل والبقر والغنم.

  {فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} إرشاد من الله وقيل إيجاب – على ما سيأتي- لمن ذبح الهدي أو الأضحية أن يأكل منها، وكذا لا ينسى (الْبَائِسَ) الذي عليه البؤس والفقر، والذي لا يملك ما يقيم صلبه وقيل: هو الذي لا يمد يده، وهو المتعفف من سؤال الناس، وعلى كل حال فقد جاء في السنة النبوية ما يدل على أن الإنسان يستحب له أن يأكل الثلث من الأضحية، ويتصدق بثالثها، ويهدي ثلثها، وهو فعل النبي -صلى الله عليه وسلم-.

وإلى هنا نصل في بيان الآيات السابقات.. ولعلنا نكتفي بهذا القدر، فإن الآيات التي تتحدث عن الحج والكعبة كثيرة في سورة الحج، لكن حسبنا بما ذكرنا..

الفوائد مما سبق:

 هناك فوائد فقهية استنبطت من الآيات السابقات ومنها:-

الأولى: استدل بعض العلماء بقوله –تعالى-: (( يَأْتُوكَ رِجَالًا )) على أن المشي إلى الحج أفضل من الركوب؛ لأنه قدَّم من يمشي على رجليه، فدل على الاهتمام بهم، قال ابن عباس: ما آسى على شيء فاتني إلا أن لا أكون حججت ماشياً، فإني سمعت الله -عز وجل- يقول: ((يَأْتُوكَ رِجَالًا))5 إلا أن الذي عليه الأكثرون أن الحج راكباً أفضل، اقتداءً برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه حج راكباً مع كمال قوته -عليه الصلاة والسلام-.

الثانية: (فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ ) ما هي أيام الذبح للأضاحي والهدي؟

 قال الإمام مالك: ثلاثة أيام، يوم النحر ويومان بعده، وبه قال أبو حنيفة والثوري وأحمد بن حنبل.

وقال الشافعي: أربعة أيام، يوم النحر وبعده ثلاثة أيام (أيام التشريق) وقيل: هي يوم النحر خاصة، وهو العاشر من ذي الحجة.

وبهذا نخلص إلى أن العلماء متفقون على أن يوم العاشر (يوم النحر) يوم أضحى تذبح فيه الأضحية، وقد حصل الخلاف فيما سوى ذلك.ولعل قول الشافعي هو الأقرب للصحة لقوله -تعالى-: (( واذكروا الله في أيام معدودات..))وهي أيام التشريق الثلاثة.

الثالثة: هل يجوز الذبح في ليالي هذه الأيام؟

قيل: لا يجوز الذبح بالليل – أي ليل هذه الأيام المعلومات- وقيل يجوز الذبح فيها.. استدل أصحاب القول الأول بقوله –تعالى-: ( في أيام معلومات) فذَكَر الأيام، ولم يذكر الليالي. و الذي يظهر جواز الذبح في أي وقت من ليل أو نهار، لعدم ورود دليل صريح.

الرابعة: هل الأمر في قوله: ((فكلوا منها)) للوجوب أم للاستحباب؟!

فيه قولان: القول الراجح والذي عليه الجمهور أن الأكل من الأضحية أو الهدي مستحب وليس واجباً، وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يأكل ثلث الأضحية، ويهدي ثلثها، ويتصدق بالثلث). وشذت طائفة فقالوا: يجب الأكل والإطعام منها واستدلوا بظاهر الآية..

الخامسة: دماء الكفارات لا يأكل منها أصحابها: كمن عليه كفارة في الحج بارتكابه محظوراً أو ترك مأمور، وقيل أنه لا يأكل من ثلاث فقط: جزاء الصيد، ونذر المساكين، وفدية الأذى، ويأكل مما عدا ذلك إذا بلغ محله، واجباً كان أو تطوعاً، وهو مشهور قول مالك، ووافقه على ذلك  جماعة من السلف وفقهاء الأمصار.6

بهذا نكتفي،، ولله الحمد على ما من به من إتمام الموضوع.. مع أن هناك فوائد جليلة لم تذكر خشية الإطالة.. والله الموفق،،.


 

1- الجامع لأحكام القرآن (12/36).

2- تفسير ابن كثير (3/210) سورة الحج.

3- ظلال القرآن – سيد قطب (4/2418).

4- المصدر السابق.

5- تفسير القرطبي.

6- ذكرت الفوائد والمسائل من تفسير القرطبي.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02868