رجل قلبه معلق بالمساجد

رجل قلبه معلق بالمساجد

الحمد لله حمداً كثيراً، والشكر له شكراً وفيراً، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله تسليماً مزيداً، وعلى آله، وصحبه، وسلم تسليماً كثيراً أما بعد:

فإن القلوب كثيرة التقلبات والتحولات، فللقلب من اسمه حظ ونصيب، ونستطيع أن نشبهها بالإناء، فيمكن أن يغرف به ماءً عذباً، ويمكن أن يغرف به ماءاً أجاجاً، وهكذا القلب يمكن أن يتقبل الخير، ويمكن أن يتقبل الشر، ويمكن أن يتقبل الخير والشر، وهو إلى ما غلب أقرب، ولذلك فقد جاء الثناء والمدح لأصحاب القلوب الخيرة – نسأل الله أن يجعل منهم – فقد ذكر النبي  أن من السبعة الأصناف الذين يمتن الله عليهم بالظلال تحت ظل عرشه في يوم لا ظل إلا ظله ورجل قلبه معلقٌ في المساجد1. قال ابن رجب – رحمه الله – في وصف الرجل المعلق قلبه بالمساجد: فهو يحب المسجد، ويألفه لعبادة الله فيه، فإذا خرج منه تعلق قلبه به حتى يرجع إليه، وهذا إنما يحصل لمن ملك نفسه، وقادها إلى طاعة الله، فانقادت له؛ فإن الهوى إنما يدعو إلى محبة مواضع الهوى، واللعب المباح، أو المحظور، ومواضع التجارة واكتساب الأموال، فلا يقصر نفسه على محبة بقاع العبادة إلا من خالف هواه، وقدم عليه محبة مولاه2. فهو ممن قال الله – تعالى – فيهم: رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاء الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (سورة النور:37)، وقد جاء في حديث أبي هريرة : لا يوطن الرجل المساجد للصلاة والذكر إلا تبشبش الله به كما يتبشبش الغائب بغائبهم إذا قدم3، وقد روي عن سعيد ابن المسيب – رحمه الله – قال: من جلس في المسجد فإنه يجالس ربه ​​​​​​​.

فبالله عليك هل من يجالس ربه في بيته بالذكر، وتدبر القرآن، وتعلم العلم وتعليمه؛ كمن يجلس أمام تفاهات التمثيل، وسفاسف اللهو واللعب، وخزعبلات الصحف والمجلات؟!.

وقد خص النبي  الرجل بأنه قلبه معلق بالمساجد فقال: ورجل قلبه معلق في المساجد – والعلم عند الله – لأن المرأة صلاتها في بيتها خير وأفضل لها من صلاتها في المسجد، ولأن صلاة الجماعة غير واجبة عليها، ومع هذا فإنَّ فضل الله واسع؛ فعن أبي هريرة  أن رسول الله  قال: الملائكة تصلي على أحدكم ما دام في مصلاه ما لم يحدث: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، لا يزال أحدكم في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة4 دل هذا الحديث على فضل أمرين:

أحدهما: الجلوس في المصلى، وهو موضع الصلاة التي صلاها، والمراد به: المجلس دون البيت، قال ابن عبد البر: ولو صلت المرأة في مسجد بيتها، وجلست فيه تنتظر الصلاة؛ فهي داخلة في هذا المعنى إذا كان يحبسها عن قيامها لأشغالها انتظار الصلاة، والثاني: أن منتظر الصلاة لا يزال في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه5. وليس المقصود أنه في الصلاة حقيقة، ولكن له أجر وثواب الصلاة، فتنبه.

وقد كان السلف الصالح – رحمهم الله – من أشد الناس تعلقاً بالله، وبما يحبه الله من الأقوال، والأفعال، والأماكن، ومن أحرص الناس على ملازمة المساجد، والمرابطة فيها؛ قال ابن جريج – رحمه الله -: كان المسجد فراش عطاء عشرين سنة، وكان من أحسن الناس صلاة، وكان زياد مولى ابن عباس – أحد العباد الصالحين – يلازم مسجد المدينة، فسمعوه يوماً يعاتب نفسه ويقول لها: أين تريدين أن تذهبي! إلى أحسن من هذا المسجد!! تريدين أن تبصري دار فلان، ودار فلان، وقال سعيد بن المسيب: ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد، فهل أذن المؤذن منذ ثلاثين يوماً وأنت في المسجد؟ وهل أنت من أولئك الرجال الذين تعلقت قلوبهم بالله، وبما يحبه الله؟ فإن كنت كذلك فهنيئاً لك، وإن كنت غير ذلك فلا تلومنًّ إلا نفسك.

نسأل الله أن يرزقنا حلاوة الإيمان، وأن يظلنا تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله، ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.


1– أخرجه البخاري مع الفتح، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين، رقم (1423) ط: دار الريان، وفي غيرها من المواضع، ورواه مسلم مع شرح النووي،  كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة (7 /120). ط: دار الريان.

2– فتح الباري (6 /47) الناشر مكتبة الغرباء الأثرية – المدينة المنورة.

3– أخرجه أحمد(2 /328،453). وابن ماجه (800).

4– كتاب الجماعة والإمامة باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد رقم (628).

5– راجع فتح الباري لابن رجب (6 /42).