ما لكم لا ترجون لله وقارا

ما لكم لا ترجون لله وقارا

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه، واستن بسنته إلى يوم الدين..أما بعد:

لما عاند قوم نوح –عليه السلام- نبيهم، وأبوا أن يستسلموا لرب العالمين، واستكبروا استكبارا، ولم تزدهم دعوته لهم إلا نفورا؛ هنالك أخبرهم نوح –عليه الصلاة والسلام- بأن ما تفعلوه، هو عدم تعظيمكم لله –عز وجل-، فلو عظمتموه حق التعظيم، ووقرتموه حق التوقير، لما وقع منكم ما وقع، ولما بدر منكم ما بدر، وما عصيتم بارئكم، وتجرأتم على خالقكم إلا لما فقد في قلوبكم التعظيم، وانعدم في أفئدتكم توقير العلي العظيم، قال تعالى في كتابه الكريم على لسان نوح –عليه السلام- وهو يخاطب قومه: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا * وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا * أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا * وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا * وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا * لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا}1، سورة نوح .إنه بيان من نبي الله نوح –عليه السلام- إلى من قومه وإلى كل من أرد أن يعرف طريق العبودية لله رب العالمين، فقبل أن يفكر أحدنا بالمعصية، وقبل أن يهم بالمنكر، لابد أن ينظر بقلبه، ويتفكر بعقله، من هذا الذي أعصيه؟ من هذا الذي أقابله بالمنكرات؟ من هذا الذي أخالق أمره؟ أليس هو الذي خلقني، وشق سمعي وبصري؟ أليس هو خالق السبع الطوال، ومنشأ السحاب الثقال؟.

إن العبد الذي يقدم على فعل السيئات، وانتهاك الحرمات؛ إن ذلك ما قدر الله حق قدره: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ}2 ..

وتعظيم الله – سبحانه وتعالى- من أجل القربات، وأعظم العبادات، بل هو أساس العبادات، يقول ابن القيم –رحمه الله-: " ومن منازل إياك نعبد وإياك نستعين منزلة التعظيم، وهذه المنزلة تابعة للمعرفة فعلى قدر المعرفة يكون تعظيم الرب –تعالى- في القلب وأعرف الناس به أشدهم له تعظيماً وإجلالاً، وقد ذم الله –تعالى- من لم يعظمه حق عظمته، ولا عرفه حق معرفته، ولا وصفه حق صفته، وأقوالهم تدور على هذا، فقال –تعالى- : ما لكم لا ترجون لله وقارا نوح : 13 "3، ثم أخذ يذكر كلام السلف في تفسير هذه الآية، فقال: "قال ابن عباس ومجاهد: لا ترجون لله عظمة، وقال سعيد بن جبير: ما لكم لا تعظمون الله حق عظمته، وقال الكلبي: لا تخافون لله عظمة، قال البغوي: و الرجاء بمعنى المخوف والوقار، والعظمة اسم من التوقير وهو التعظيم، وقال الحسن: لا تعرفون لله حقاً، ولا تشكرون له نعمة، وقال ابن كيسان: لا ترجون في عبادة الله أن يثيبكم على توقيركم إياه خيراً"4.

وقد جعل العلماء لتعظيم الله –تبارك وتعالى- درجات ومراتب، وممن ذكر ذلك الهروي في منازل السائرين، يقول -رحمه الله تعالى-: "التعظيم معرفة العظمة مع التذلل لها، وهو على ثلاث درجات:

الدرجة الأولى: تعظيم الأمر والنهي، وهو أن لا يعارضا بترخص جاف، ولا يعرضا لتشديد غال، ولا يحملا على علة توهن الانقياد.

والدرجة الثانية: تعظيم الحكم أن يبغى له عوج، أو يدافع بعلم، أو يرضى بعوض.

والدرجة الثالثة: تعظيم الحق، وهو أن لا تجعل دونه سبباً، أو ترى عليه حقاً، أو تنازع له اختياراً"5….

إن الإيمــان بالله مـبـني على تعظـيم الله وإجـلاله، قال -سبحانه-: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا * وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدًا * إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا}6، قال الضحـاك بن مزاحم في تفسير قوله – تعالى -: {تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ}7: "يتشققن من عظمة الله -عز وجل-"8، قال ابن عباس -رضي الله عنهما- في تفسير هذه الآيات: "اقشعرت الجبال وما فيها من الأشجار، والبحار وما فيها من الحيتان، وفزعت السماوات والأرض، وجميع المخلوقات إلا الثقلين، وكادت أن تزول، وغضبت الملائكة، فاستعرت جهنم، واكفهرت الأرض حين قالوا: اتخذ الله ولداً"9.

ألا يعظم الله؟! وهو الذي له الملائكة العظام يسبحونه ويستغفرونه، وله يسجدون، جاء عن أبي ذر –رضي الله عنه- أنه قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم: ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون أطت السماء، وحق لها أن تئط؛ ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجداً لله، والله لو تعلمون ما أعلم؛ لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله))10.

وتعظيم الله يكون بفعل ما أمر، وترك ما نهى عنه وزجر، وتفصيل ذلك ما ذكره ابن القيم في الوابل الصيب بقوله: "وأما علامات تعظيم المناهي فالحرص على التباعد من مظانها، وأسبابها، وما يدعو إليها، ومجانبة كل وسيلة تقرب منها، كمن يهرب من الأماكن التي فيها الصور التي تقع بها الفتنة خشية الافتتان بها، وأن يدع ما لا بأس به حذرا مما به بأس، وأن يجانب الفضول من المباحثات؛ خشية الوقوع في المكروه، ومجانبة من يجاهر بارتكابها، ويحسنها ويدعو إليها، ويتهاون بها، ولا يبالي ما ركب منها، فإن مخالطة مثل هذا داعية إلى سخط الله –تعالى- وغضبه، ولا يخالطه إلا من سقط من قلبه تعظيم الله –تعالى- وحرماته، ومن علامات تعظيم النهي أن يغضب لله -عز وجل- إذا انتهكت محارمه، وأن يجد في قلبه حزناً وكسرة إذا عصى الله –تعالى- في أرضه، ولم يضلع بإقامة حدوده، وأوامره، ولم يستطع هو أن يغير ذلك"11.

فما أعظمك ربنا وما أجلك، وما أكبر شأنك.. يقول أبو العلاء بن سليمان المغربي:

يا من يرى مد البعوض جناحها  

و يرى مناط عروقها في لحمها  

أجالها محتومة أرزاقها  

امنن علي بتوبة تمحو بها  

 

في ظلمة الليل البهيم الأليل  

و المخ في تلك العظام النحل  

مقسومة بعطا و إن لم تسأل  

ما كان مني في الزمان الأول12  

وتوقير الله -عز وجل- وتعظيمه ليست كلمات مجردة تتحرك بها الألسن بلا وعي أو فهم، وليست حركات مجردة يؤديها المرء في عباداته الظاهرة بلا روح، بل ملاك الأمر ما يقوم في القلب تجاه هذا الرب العظيم، ويصدقه اللسان وباقي الأركان، فمن تحقق ذلك في نفسه فليحمد الله، ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه، ونحن لا نملك إلا أن نعيد عليه تلك الصيحة النبوية المدوية المترددة عبر القرون، عساه أن يفيق من سكرته: {مَّا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا}13.


1 سورة نوح(13) إلى (20).

2 سورة الزمر(67).

3 مدارج السالكين(2/495).

4 المصدر السابق.

5  منازل السائرين للهروي(1/80،81).

6 سورة مريم(88) إلى (93).

7 سورة مريم(90).

8 أخرجه أبو الشيخ في العظمة: (1/143).

9 تفسير القرطبي(11/851)،  وتفسير ابن كثير( 3/631).

10 رواه الترمذي(2234)، وأحمد(20539)، وقال الألباني: حسن، انظر صحيح الترغيب والترهيب(3/174)برقم(3380).

11 الوابل الصيب (1/24).

12 التذكرة للقرطبي(1/188).

13 سورة نوح(13).