لماذا هجرت الصف الأول

لماذا هجرت الصف الأول؟

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

الدنيا دار تنافس على الأجور والحسنات، وتكفير الذنوب والسيئات، لأنها دار ممر وليست دار مقر، وقد تنبه لذلك أولوا الألباب، فتراهم مسارعين في الخيرات، متنافسين في فعل الطاعات، لكن العجب العجاب هو اللامبالاة بمعالي الأجور، وترك السباق إلى مكامن الحبور، ومنتهى السعادة والسرور، فلا يبالي البعض: هل صلى في الصف الأول، أم في الصف الأخير، أم في الجماعة الثانية، أم في البيت أم بعد خروج الوقت؟

إنها كوارث وليست كارثة واحدة يوم أن يصل الحد إلى ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، لكننا لن نقف مع من هذا فعله؛ بل مع الذي يحافظ على الصلاة في جماعة، ويحرص على الصلاة في المسجد؛ لكنه قد ترك خيراً كثيراً، ترك الصف الأول فلا يعرف نفسه إلا خلف ظهور المصلين، وقد فاته بذلك الأجر الكبير الذي بينه النبي – صلى الله عليه وسلم – للصف الأول، وأن المؤمن لابد أن يحرص عليه ولو أدى ذلك إلى الاقتراع، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول؛ ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير؛ لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح؛ لأتوهما ولو حبواً))1، وقد يخفى الأجر في بعض الأحيان؛ لتتحمس النفس إلى فعله، وتحرص أن تكون من أهله، وقد يصل الأمر إلى الاستهام، كل هذا الخير وفلان من الناس لم يفكر أن يكون منافساً في الصف الأول، ولا مسابقاً للسابقين في الخيرات {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ وَمِنْهُم مُّقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ}2، ألا يعلم من فرط في الأول أن أحسن صفوف الرجال وخيرها أولها، وشرها آخرها، بخلاف صفوف النساء فهي على العكس من ذلك فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((خير صفوف الرجال أولها، وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها، وشرها أولها))3.

بل إن الصف الأول كان أحب إلى النبي – صلى الله عليه وسلم -؛ فقد كان يستغفر لأصحاب الصف الأول أكثر ما يستغفر لأصحاب الصف الثاني، فليت شعري ما هو حظ الصفوف المتأخرة من هذا الاستغفار؟! فعن عرباض بن سارية – رضي الله عنه – "أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – كان يستغفر للصف المقدم ثلاثاً، وللثاني مرة"4، فما أجمل هذا التفضيل من رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وما أعظم ما حصّل أصحاب الصف الأول من استغفار رسول الله – صلى الله عليه وسلم – لهم.

لذا نجد أن من يتأخر عن الصف الأول فإنه يحرم من أشياء كثيرة، ويؤخر عن كرامات عظيمة فعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – رأى في أصحابه تأخراً؛ فقال لهم: ((تقدموا فأتموا بي، وليأتم بكم من بعدكم، لا يزال قومٌ يتأخرون حتى يؤخرهم الله))5، وفي رواية أبي داود عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((لا يزال قومٌ يتأخرون عن الصف الأول حتى يؤخرهم الله في النار))6، يقول صاحب عون المعبود: "(ولا يزال قوم يتأخرون) أي: عن الصفوف الأول (حتى يؤخرهم الله) عن رحمته وعظيم فضله، ورفع المنزلة، وعن العلم ونحو ذلك" 7.

وأصحاب الصف الأول ينعمون بالصلاة من الله – عز وجل -، ومن الملائكة الأبرار قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله وملائكته يصلون على الصف الأول))8.

وللصف الأول فضائل أخرى مثل:

       أن أصحابه قريبون من المحراب فهم أسرع الناس إلى ما يلقى من فوائد.

       ولأنهم متقدمون فخروجهم متأخر، وهم يستغلون أوقاتهم بالذكر والطاعة والتنفل.

       وهم أبعد عن الانشغال بخروج المصلين بعد الصلاة – بخلاف من بعدهم -.

   وإذا كان الأطفال يصلون بين السواري، وقد تحدث منهم فوضى، ويسمع من ازعاج، وذلك غالباً ما يسلم منه أهل الصف الأول.

فالأوائل هم الأوائل، والسابقون هم السابقون، فالبدار البدار، فما الدنيا إلا دار ممر وليست دار قرار، والجنة درجات فلنحرص على أعلى المقامات، ولنترك التسويف وتضييع الكرامات، والله يتولى الصالحين، وصلى اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


1 البخاري (580).

2 سورة فاطر (32).

3 مسلم (664).

4 ابن ماجه (986)، وأحمد (16518)، وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (1/118).

5 مسلم (662).

6 أبي داود (581)، وصححه الألباني في صحيح أبي داود (1/132).

7 عون المعبود (2/264).

8 ابن ماجه (987)، وأحمد (17641)، والدارمي (1236)، وصححه الألباني في صحيح ابن ماجه(1/164).