Share |

الإمام والمأموم / المأموم

رفع اليدين بالدعاء بعد الصلاة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد:

من المعلوم أن رفع الأيدي في الدعاء سنة، ومن أسباب الإجابة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((إن ربكم حيي كريم يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً))1، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - طيب ولا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ}2، وقال - عز وجل -: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}(البقرة: 172)، ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام؛ فأنى يستجاب لذلك؟))3.

لكن هل يشرع رفع اليدين بعد الصلاة؟

من شروط قبول العمل الصالح أن يكون على وفق سنة النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيُتابع المسلم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في العمل الذي يتقرّب به إلى الله - عز وجل -، ولم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه رفع يديه في أدبار الصلوات الخمس.

فإن قيل: ترك الشيء وعدم فعله لا يدل على منعه أو تحريمه، لأن مجرد الترك وعدم الفعل ليس نهياً شرعياً، والله - تعالى - يقول: {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}4، ولم يقل وما تركه فانتهوا عنه، وبيّن بنص الآية أن التحريم أو الكراهة لا يكون إلا بشكل صريح، وليس عدم القيام بالفعل دليلاً على النهي عنه، لذلك فمجرد ترك النبي - صلى الله عليه وسلم - لرفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة لا يفيد تحريمه ولا كراهيته.

وتقرر في الأصول أن الآية أو الحديث إذا شملت بعمومها أمراً دل اشتمالها على أنه مشروعٌ وجائز، وفي الحديث: ((إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين))، وهذا الحديث يدل على جواز رفع اليدين في الدعاء مطلقاً، وفي أي وقت طالما لم يرد نهي عنه في وقت أو وضع أو مكان معين، لأن الحديث اشتمل على ذكر رفع اليدين ولم يحدد وضعاً أو وقتاً معينين، ولم ينه عن وضع أو وقت معينين، وهناك حديث آخر يؤيد الحديث السابق اشتمل بعمومه على جواز رفع اليدين أيضاً في الدعاء فعن سلمان الفارسي - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((ما رفع قوم أَكُفَّهم إلى الله - عز وجل - يسألونه شيئاً إلا كان على الله حقاً أن يضع في أيديهم الذي سألوا))5، ومع أن الدليل العام يكفي في إثبات جواز رفع اليدين في الدعاء بعد الصلاة ومشروعيته وعدم تحريمه،  وروى الطبراني عن محمد بن أبي يحيى قال : رأيت عبد الله بن الزبير وقد رأى رجلاً رافعاً يديه يدعو قبل أن يفرغ من صلاته، فلما فرغ منها قال له: (إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته)6.

وروى الطبراني أيضاً عن أبي بكرة - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((سلوا الله ببطون أكفكم، ولا تسألوه بظهورها))7.

فالجواب: أنه قد وردت أحاديث تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يمكث في مصلاه إلا بمقدار يسير فعن أنس - رضي الله عنه - قال: ((صليت خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليتُ مع أبي بكر فكان إذا سلم وثب كأنه على رضفة))8 يعني الحجر المحمى.

فإن قيل: هذا الحديث وغيره لا يدل صراحةً على عدم رفع اليدين بعد الصلاة، إنما تدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يمكث طويلاً بعد الصلاة.

فالجواب: أن عدم مكث النبي - صلى الله عليه وسلم - طويلاً بعد الصلاة يدل على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إنما كان يذكر الأذكار الواردة بدون رفع لليدين، وإلا لأخذ ذلك وقت.

فإن قيل: كيف أجزتم الأذكار والدعاء بعد الصلاة ولم تجيزوا رفع اليدين؟

فالجواب: قد وردت الأدلة على الدعاء بعد الصلاة منها عن مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ - رضي الله عنه - : ((أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَخَذَ بِيَدِهِ وَقَالَ: يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، ، فَقَالَ: أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ))9ولم يرد أنه رفع يديهِ.

أما الاستدلال بالآية {وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} فمعنى الآية كما يقول ابن كثير - رحمه الله -: أي مهما أمركم به فافعلوه، ومهما نهاكم عنه فاجتنبوه، فإنه إنما يأمر بخير، وإنما ينهى عن شر10، وقد جاءت السنة موضحة للقرآن فقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))11 أي مردود عليه، ويقتدى به - عليه الصلاة والسلام - في الفعل والترك، أي كما يقتدى به في الفعل يقتدى به في الترك، فأمرنا أن لا نزيد في الدين ما ليس فيه، ولا ننقص منه شيئاً، والآية دليل لنا لا علينا.

أما الاستدلال بحديث: ((إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يكن يرفع يديه حتى يفرغ من صلاته))، وحديث: ((سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها)) فهذه أحاديث ضعفها أهل العلم، وعلى فرض صحتها فهي في المواطن التي رفع فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - يديه، أما في غيرها فلا.

وقد سئل الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز - رحمه الله تعالى - فأجاب: "الحمد لله .. لم يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا عن أصحابه فيما نعلم أنهم كانوا يرفعون أيديهم بالدعاء بعد صلاة الفريضة؛ وبذلك يعلم أنه بدعة لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، وأما الدعاء بدون رفع اليدين وبدون استعماله جماعياً فلا حرج فيه لأنه قد ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على أنه دعا قبل السلام وبعده، وهكذا الدعاء بعد النافلة لعدم ما يدل على منعه، ولو مع رفع اليدين في الدعاء، لأن رفع اليدين في الدعاء من أسباب الإجابة، لكن لا يكون ذلك بصفة دائمة بل في بعض الأحيان، لأنه لم يحفظ عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يدعو رافعاً يديه بعد كل نافلة، والخير كله في التأسي به - صلى الله عليه وسلم -، والسير على منهجه لقوله سبحانه: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة}12.13.

والله أعلم.


1 - سنن ابن ماجه (3865)؛ وصححه الألباني في صحيح ابن ماجة (2/331) برقم (3117).

2 - المؤمنون (51).

3 - صحيح مسلم (1015).

4 - الحشر (7).

5 - رواه الطبراني في الكبير (6142)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/169): رجاله رجال الصحيح.

6- مجمع الزوائد (10/169)، وقال العلامة المحدث الألباني: ضعيف، السلسلة الضعيفة رقم 2544.

7 - ضعيف أبي داود (1/145).

8 - المستدرك على الصحيحين للحاكم (ج2/ص2)؛ وصحيح ابن خزيمة (6/311).

9- سنن أبي داود (1522)، وصححه الألباني في صحيح سنن أبي داود  (4/22).

10 - تفسير ابن كثير (4/429).

11- أخرجه مسلم في صحيحه (3243).

12 - الأحزاب (21).

13 - مجموع فتاوى ومقالات متنوعة لسماحة الشيخ ابن باز رحمه الله (11/168)، ويراجع سؤال (11543).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02078