الصراط

الصراط

الصراط هو الجسر الممتد على متن جهنم، وهو أدق من الشعرة، وأحد من السيف، وعليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة، يقطعه الناس على قدر أعمالهم، فبين مجتاز إلى الجنان، ومسرف يكب في النيران.

وهو جسر حقيقي كما هو معتقد أهل الحق، وهو ما دلت عليه آيات الكتاب العزيز، وأحاديث سيد المرسلين، وما عليه جماعة المسلمين.

 والمؤمنون في المرور عليه متفاوتون، فمنهم من يمر كالبرق، ومنهم كالجواد المضمر، ومنهم كأجاويد البهائم، ومنهم.. ومنهم..

قال الله – تعالى-: {وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا * ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا}1.

وتأمل معي – أخي في الله- في هذه الآيات، قال الله – تعالى- : {يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ * يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاء أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ}2.

 وذلك أن المنافقين إذا أراد أن يقتربوا من الصراط سلب اللـه نورهم، فإذا رأى أهل الإيمان نور المنافقين قد انطفأ، خاف المؤمنون ووجلوا؛ وفي هذا يقول الله – تعالى- :{يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }3.

حينئذ يرى أهل النفاق في الظلمات الحالكة أهل الأنوار من أهل الإيمان والتوحيد يمرون على الصراط، فينادي أهل الظلمات من أهل النفاق أهل الأنوار من أهل الإيمان والإخلاص: {انظرونا نقتبس من نوركم } أي لا تتركونا في هذه الظلمات الحالكة  السوداء  لوحدنا!! {قيل ارجعوا وراءكم فالتمسوا نوراً } فالجزاء من جنس العمل، ولا يظلم ربك أحداً.

{فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ}.

 {ينادونهم} أي ينادى أهل النفاق أهل الإيمان ألم نكن معكم نصلي الجمع والجماعات ونحضر الغزوات، ونقف معكم في عرفات؟! فيجيبون عليهم: {بلى ولكنكم  فتنتم أنفسكم وتربصتم} أي بالحق وأهله والسنة وأهلها: {وارتبتم} شككتم في البعث والنشور، والصراط والجنة والنار: {وغرتكم الأماني حتى جاء أمر اللـه} أي حتى فاجأكم الموت، وانتقلتم من دار الزوال – الدنيا- إلى دار البقاء –الآخرة-، فرأيتم الميزان والصراط: {وغركم باللـه الغرور}وهو الجهل والهوى والشيطان.

ويزيد النبي -صلى الله عليه وسلم-  الصورة إيضاحاً: فعن أبى سعيد الخدرى – رضي الله عنه- قال: قال -صلى الله عليه وسلم- : "حتى إذا لم يبق إلا من كان يعبد اللـه من بر وفاجر، أتاهم اللـه في أدنى صورة من التي رأوه فيها". قال: "فما تنتظرون، تتبع كل أمة ما كانت تعبد" قالوا: "يا ربنا فارقنا الناس في الدنيا أفقر ما كنا إليهم، ولم نصاحبهم". فيقول: أنا ربكم" فيقولوا: " نعوذ باللـه منك، لا نشرك باللـه شيئاً – مرتين – أو ثلاثة – حتى إن بعضهم ليكاد أن ينقلب" فيقول: " هل بينكم وبينه آية فتعرفونه بها"؟ فيقولون:" نعم فيكشف عن ساق، فلا يبقى من كان يسجد لله من تلقاء نفسه إلا أذن اللـه له بالسجود، ولا يبقى من كان يسجد لله إتقاء ورياء إلا جعل اللـه ظهره طبقة واحدة، كلما أراد أن يسجد خر على قفاه، ثم يرفعون رؤوسهم وقد تحول في صورته التي رأوه فيها أول مرة" فقال: "أنا ربكم" فيقولون:" أنت ربنا، ثم يضرب الجسر على جهنم، وتحل الشفاعة" ويقولون:" اللـهم سلم.. سلم " قيل: يا رسول اللـه! ما الجسر؟ قال:" مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب وحسكة مفلطحة لها شوكة بنجد، يقال لها السعدان، فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مُسلَّم ومخدوش مرسل، ومكدوس في نار جهنم..) إلخ. وكان أبو سعيد – رضي الله عنه – يقول: إن لم تصدقوني بهذا الحديث فاقرؤوا إن شئتم:{إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا}4 .

ويصف القرطبي -رحمه الله – الصراط فيقول: تفكر آلان فيما يحل بك من الفزع بفؤادك إذا رأيت الصراط ودقته، ثم وقع بصرك على سواد جهنم من تحته، ثم قرع سمعك شهيق النار وتغيظها، وقد كلفت أن تمشي على الصراط مع ضعف حالك، واضطراب قلبك، وتزلزل قدمك، وثقل ظهرك بالأوزار، المانعة لك من المشي على بساط الأرض فضلاً عن حدة الصراط، فكيف بك إذا وضعت عليه إحدى رجليك! فأحسست بحدته!، واضطررت إلى أن ترفع قدمك الثاني، والخلائق بين يديك يزلون، ويعثرون، وتتناولهم زبانية النار بالخطاطيف والكلاليب، وأنت تنظر إليهم كيف ينكسون إلى جهة النار رؤوسهم، وتعلوا أرجلهم، فياله من منظر ما أفظعه، ومرتقى ما أصعبه، ومجاز ما أضيقه5.

وقال قبل ذلك: فتوهم نفسك – يا أخي – إذا صرت على الصراط، ونظرت إلى جهنم تحتك سوداء مظلمة، قد لظى سعيرها، وعلا لهيبها، وأنت تمشي أحياناً، وترجف أخرى.

                  إذا مد الصراط على جحيم            تصول على العصاة وتستطيـل

                  فقوم في الجحيم لهم ثبـور             وقـوم في الجنـان لهم مقيـل

                  وبان الحق وانكشف المغطى            وطـال الويل واتصل العويـل6.

اسأل الله أن يثبتنا على الصراط، وأن يرحمنا برحمته إنه جواد كريم.

والحمد لله رب العالمين.


1 – سورة مريم. (71-72)

2 – الحديد (12- 13-14)

3 – التحريم(8 ). 

4 – النساء. (40). والحديث أخرجه البخاري في كتاب التوحيد، باب وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة رقم (7439)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية رقم (183).

5 – التذكرة ص385.

6 – التذكرة ص382- 383