أحكام المسجد

فضل إتيان المسجد

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، محمد بن عبد الله الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين أما بعد:

فإن المساجد من أحب الأماكن إلى الله، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (أحب البلاد إلى الله مساجدها، وأبغض البلاد إلى الله أسواقها)(1)، وقد شرف الله هذه البقاع وأعلى مكانها، فقال سبحانه: ((فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ))النــور: 36، فهي بيوت الله التي يعبد فيها ويوحد، وهي الدور العامرة بالخير، وهي الأمكنة التي تهفو إليها القلوب، وتجد فيها الرحة والسعادة.

وقد رتب الله أجوراً عظيمة لرواد هذه المساجد ففي الحديث الصحيح سبعة يظلهم الله تحت ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله وذكر منهم، (ورجل قلبه معلق بالمساجد)(2)، قال الإمام النووي -رحمه الله-: (معناه شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها، وليس معناه دوام القعود فيها)(3).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (من غدا إلى المسجد أو راح أعد الله له في الجنة نزلاً(4) كلما غداً أو راح)(5).

وكلما كان المسلم بعيداً من المسجد ويأتي إليه، ويحافظ على الصلاة فيه كان أجره أعظم، فعن أبي موسى -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم ممشى، والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي ثم ينام)(6).

والإتيان إليها سبب في تكفير السيئات، ورفع الدرجات، فكلما كان إتيانه إليها أكثر كان أجره أعظم، وهو كذلك سبب لدعاء الملائكة للعبد بالرحمة، والمغفرة فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفاً، وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لم يخط خطوة إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه، اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة)(7).

فيغتنم المسلم تلك المنح والفضائل، ولا يتوانى في تحصيلها، فهي التي تنفعه بين يدي الله، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، ولا يتكاسل ويتوانى فيخسر تلك الأجور العظيمة، واللبيب من اغتنم وثابر واجتهد في إرضاء ربه، نسأل الله أن يوفقنا للخير وأن يعيننا عليه، وأن يجعلنا من عباده المخلصين، وأوليائه المتقين، اللهم اعف عنا وغفر لنا ورحمنا، والحمد لله رب العالمين.


1 - رواه مسلم، وابن حبان رقم (1600).

2 - متفق عليه.

3 - شرح النووي على صحيح مسلم (7/121).

4 - النزل: بضم النون وسكون الزاي، وقد تضم، ومعناه ما يهيأ للنزيل أي الضيف، والمقصود بالغدوِّ والرواح: الذهاب إلى المسجد والرجوع منه.

5 - متفق عليه.

6 - متفق عليه.

7 - متفق عليه.