Share |

خطب / سلوك

مفاتيح الخير والشر

الشيخ محمد صالح المنجد

عناصر الخطبة:

1.    مفاتيح الخير ومفاتيح الشر.

2.    أمثلة لمفاتيح الشر.

3.    ضعف المسلمين.

4.    كثرة أبواب الخير.

5.    نعيم الجنة.

6.    الجنة محفوفة بالمكاره والنار بالشهوات.

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

مفاتيح الخير ومفاتيح الشر

عباد الله: ((إن من الناس مفاتيح للخير مغاليق للشر، وإن من الناس مفاتيح للشر مغاليق للخير، فطوبى لمن جعل الله مفاتيح الخير على يديه، وويل لمن جعل الله مفاتيح الشر على يديه))[رواه ابن ماجه237 وحسنه الألباني في صحيح الجامع 2223] هنيئاً لمن كان يعمل في فتح أبواب الخير، وإرشاد الناس إليها، ودلهم عليها، وتشجيعهم إليها، وإعانتهم على ذلك، وويل لمن كان قدوة في الشر، يهيئ له، ويدل عليه، ويسهل طريقه.

عباد الله: لقد كان في هذه البشرية أوائل، أول من سن القتل ولد آدم، فعليه إثم جريمته، وإثم مثل آثام من عمل بذلك إلى يوم الدين، كان أول الأنبياء في البشرية آدم، وأول الرسل نوح، كما كان في الصديقين أوائل، وأول من أمر بكتابة المصاحف أبو بكر، وأول من جمع الناس على التراويح بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي تركها خشية أن تفرض على الناس؛ عمر بن الخطاب، لما انشغل المسلمون بقتال المرتدين في عهد أبي بكر، ثم بالفتوحات في خلافة عمر حتى صار الوقت مهيأً أن يعيد جمع الناس عليها، وهو أول من مصَّر الأمصار، وأمر أن تبنى للمسلمين مدن حتى لا يختلطوا، ويذوبوا في ثقافات الفرس والروم، فجعل لهم البصرة والكوفة، ونحو ذلك من المدن التي أقيمت في البلاد المفتوحة، وهو أول من دون الدواوين، وأول من عس بالمدينة، وعثمان رضي الله عنه أول من جمع القرآن في مصحف واحد، وعمر بن عبد العزيز أول من أمر بجمع السنة النبوية، ومالك والبخاري أول من ألف في الصحيح، والشافعي في أصول الفقه.. وهكذا، حتى في الأخلاق، أول من ضيف الضيف إبراهيم عليه السلام.

أمثلة لمفاتيح الشر

بينما نجد مثلاً أن إبليس أول من فتح باب العصيان والتمرد، وكذلك مشركو قوم نوح أول من أدخل عبادة الأصنام على البشرية، وهكذا تجد بولس اليهودي الذي غير في دين المسيحية، وأدخل عليهم عقيدة الصلب المزعومة المفتراة، وحرف في النصرانية، وعمرو بن لحي الخزاعي أول من غير دين إبراهيم في جزيرة العرب، وجلب إليها الأصنام من الخارج، رآه النبي صلى الله عليه وسلم يجر أمعاءه في النار.

وكان في البشرية في العصر المتأخر من نادى بعبادة الشيطان، وألف في ذلك الكتب.

ونجد في الانحرافات أول من خرج عن السنة الخوارج، والقدرية، والجهمية، والمعتزلة، وهكذا العبيديون الذي أقاموا الاحتفالات البدعية، وعظموا المشاهد والأضرحة تعظيماً شركياً، وأول من أظهر سب الشيخين، والطعن في أبي بكر وعمر؛ عبد الله بن سبأ، وهكذا ابن أبي دؤاد في القول بخلق القرآن، ومفاتيح للشر وأوائل في تغيير الشريعة كما حصل من أتان الترك الذي حولها من الإسلام إلى العلمنة.

عباد الله:

((لا تقتل نفس إلا ظلماً إلا كان على ابن آدم الأول كفل من دمها))، لماذ؟ ((لأنه أول من سن القتل)) [رواه البخاري3336 ومسلم1677]، وعندما ننظر في قوم لوط نجد عجباً قال تعالى: {وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ} (سورة الأعراف80) ما كانت البشرية تعرف هذا الشذوذ، ولا هذه الفاحشة قبل قوم لوط، {إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاء بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} (سورة الأعراف81) ففتحوا على البشرية باب الشذوذ هذا، ونشروا الفاحشة بفعلهم، فعليهم مثل أوزار الشذاذ هؤلاء إلى يوم الدين، ولم يقبلوا بوجود أطهار في البلد، وقالوا عن لوط ومن معه: {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ }(سورة الأعراف82) لماذا؟ ما هي جريمتهم؟ {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (سورة الأعراف82) لا يتعايش أهل الفساد مع أهل الصلاح، لا يتحملونهم، لا يريدونهم، {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ }(سورة الأعراف82) لماذا؟ {إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (سورة الأعراف82).

عباد الله: في مسابقة في بلد أوروبي رفض ولد من المشاركين لأن اسمه إسلام، وهكذا تستبعد محجبات، وهكذا لماذا؟ {أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ} (سورة الأعراف82)، لمجرد الاسم أحياناً لا يطيق الأعداء ذلك، لا يطيقون ذلك.

عباد الله: هناك أول من أخرج فيلماً إباحياً، وأول من أنشأ موقعاً على الشبكة لهذه المحرمات والقاذورات، وأول وأول، وكل من فتح باباً للشر، أو بدأ شراً فعليه بالإضافة إلى وزره مثل أوزار من اتبعه، وهكذا كل من يعمل شيئاً فيه إفساد في المجتمع، أول من دعت للتبرج والسفور، وألقت الحجاب، وأحرقته، وداسته تحت الأرجل، وهكذا الذين يقيمون منشآت المحرمات.

عباد الله: لا بد أن يكون لنا أولوية في الخير لنجتنب الضلالات والبدع: ((من دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه))[رواه مسلم 2674] وقال تعالى: {وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَّعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (سورة العنكبوت13) والشرك أعظم منكر، وكذلك البدعة طريق الشيطان، فالبدعة أحب له من الزنا والفاحشة؛ لإفسادها للدين أكثر.

عباد الله:

عد بعض الدعاة في بلده ستة آلاف قرية، في كل قرية قبر ضريح يعبد من دون الله، وتصرف له أنواع العبادة من دون الله، يا فلان مدد، يا فلان اشف مريضي، يا فلان اقض حاجتي، يا فلان توسط لنا عند الله، الله عز وجل ليس عنده حجّاب، الله عز وجل لا تحول بينه وبين عباده أسباب، السماء مفتوحة، والأبواب مشرعة للتوبة، للدعاء، للطلب من الله سبحانه وتعالى.

أيها المسلمون:

كم انتشر في أهل الإسلام من هذه المنكرات العظيمة المخالفة للتوحيد؟ وعندما يتفاءل الوثنيون بالرقم ثمانية، ويقولون: 8/8/2008، وهو اليوم، وتتعمد نساؤهم برمجة الولادة في هذا اليوم، ولو لم يأتها المخاض والطلق فيه؛ تلد ولادة قيصرية، عقيدة فاسدة، ليس في تمييز مثل هذا اليوم على غيره شيء؛ ولذلك جعلوه افتتاحاً لمناسبتهم الكبيرة التي هي قد تكون أكبر مناسبة لتعري النساء على مستوى العالم، تنقلها الشاشات إلى أكثر من مليار من البشر، في هذه الحركات في غاية السوء، يراها فتياتنا وشبابنا، فما عسى أن تقول في لباس الجري، والوثب، والتنس الأرضي، والجمباز، وغيره، عري يعرض عرضاً عظيماً على مستوى العالم، وبعض شبابنا يقلدون هؤلاء الوثنيين، فيزدحمون على عقد قرانهم، وإقامة أعراسهم في هذا اليوم بزعمهم أنه يوم سعد يتفاءل به، فهل هذا من التوحيد؟

ضعف المسلمين

عباد الله:

ما هذه الهشاشة الموجودة عند كثير من المسلمين لدرجة أن يتقبلوا كل ساقط وكل منكر؟! وعندما يتحول عامل شاورما يكتشفه مخرج إلى بطل مهند في مسلسل يتيه به الشباب والفتيات، والكبار والصغار، ماذا يوجد فيه؟ تطبيع لإقامة العلاقة قبل الزواج، تطبيع للحرام، تطبيع للزنا، وحمل غير مشروع، وإسقاطه، وإجهاضه، وهكذا، كؤوس الخمر تدار، والمشاهد تلتقطها أعين الصغار والكبار لتخزن في الذاكرة، وتتحول من إسقاطات إلى قناعات، وبعد ذلك نقول: من المسئول عن انحراف شبابنا وفتياتنا؟ ولماذا نجد هذا العهر؟ وهذا الفساد؟ وهذا الانتحار؟ وهذا البغي؟ وهذا، وهذا؟

كثرة أبواب الخير

ولذلك يجب الآن فتح باب التوعية، وباب التوبة، وباب العودة إلى الله، وأن يقال للناس: هلموا إلى الخير، اتركوا الشر، هذه أبواب الخير مشرعة، يا أخي احفظ سورة، علّم آية، انقل مسألة، اروِ حديثاً، احضر درساً، اسمع شريطاً، اقرأ كتاباً، لخص محاضرة، قدم نصيحة، انشر دعوة، اكتب مقالاً، صمم للحق موقعاً، صحح خطأ، رافق ناصحاً، انفق مالاً في الخير، اغث لهفاناً، اهد حيراناً، استقبل تائباً، أد صلاة، أد عمرة، الق خطبة، قدم في الحق رأياً، قاوم بدعة، أنكر منكراً، أطعم مسكيناً، اتبع جنازة، اكس عارياً، زر مريضاً، ابن مسجداً، أصلح طريقاً، انصر مظلوماً، خطط في الخير مشروعاً، اجمع صدقة، أكبت عدواً، اكشف منافقاً، ادع كافراً، أشبع جائعاً، استفت عالماً، اقترح في الحق فكرة، وهكذا في الخير قدم برنامجاً، وراسل جريدة، وهكذا في الأشياء الاجتماعية أنقذ عانساً، وزوج خيراً.

عباد الله:

ما أكثر أبواب الخير، ((من قتل وزغةً في أول ضربة كتبت له مائة حسنة))[رواه مسلم2240] فما بالك بمن يمشي إلى المساجد، وينتظر الصلاة بعد الصلاة، ما بالك بالذي ينشر العلم، ويدعو إلى الله، ما بالك بالذي يعلم الناس التوحيد، ما بالك بالذي ينشر الحق، ما بالك بالذي ينصح الشباب، ما بالك بالذي يدعو إلى صلة الرحم.

متى آخر مرة قبلت رأس أبيك يا عبد الله؟ هل فكرت أن تكون عند قدم الوالدة؟ أم يقال: أنا ما زرت خالي، أو ولد كذا ابن عم قريب لم أزره منذ سنوات، لماذا؟  يقول: صار موقف بيننا، وتخزن الأحقاد، وتنقل إلى الأجيال التالية، لماذا قطيعة الرحم هذه؟ لماذا يا عباد الله ينتشر فينا من الأدواء ما ينتشر؟ الصلح بين الناس أعظم من صلاة النافلة، وصيام النافلة، وصدقة النافلة، حتى لو نقلت على لسان أحد الطرفين إلى الطرف الآخر كلاماً طيباً لم يقله ليس كذباً، ولا تأثم على ذلك؛ لأنه من الإصلاح بين الناس، وإفساد العلاقات يحلق الدين، كم من اليوم علاقات فاسدة؟ كم من اليوم علاقات مقطعة؟ ماذا فعلنا من أجل وصل العلاقات؟ ماذا فعلنا من أجل الإصلاح بين الناس؟ الفلوس غيرت النفوس، ماذا فعلنا من أجل إصلاح بين شركاء متخاصمين، وورثة متقاطعين، ورثة قضاياهم في المحاكم، عجت المحاكم، وضج القضاة من كثرة المشكلات، لماذا لا يعطى الحق لصاحبه، كل واحد يجحد الآخر، وكل واحد يريد أن يستولي على نصيب أكبر من التركة، وعلى نصيب أكبر من الشركة، لماذا تجحد الأشياء، والاتفاقيات، بعضها لفظي لكن انعقد البيع، العقد انعقد بأي كلام يدل عليه، ما عندك شهود اشتكِ، أخرنا الإيجار اشتكِ، لماذا تجحد الحقوق؟

اللهم إنا نسألك أن تصلح أحوالنا، وأن تهب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين، وأن تجعلنا للمتقين إماماً، هيئ لنا من أمرنا رشداً، أصلح أحوالنا، وتب علينا، إنك أنت التواب الرحيم.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبد الله ورسوله، سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، الحمد لله الذي خلق السموات والأرض، وجعل الظلمات والنور، الحمد لله الذي خلق الموت والحياة ليبلونا أينا أحسن عملاً، الحمد لله الذي أرسل محمداً صلى الله عليه وسلم بالحق والنور والقرآن، وخاتم النبوة بين كتفيه ليكون خاتماً للأنبياء، وليكون كتابه مهيمناً على ما سبق من الكتب، أشهد أنه رسول الله حقاً، الداعي إلى سبيله صدقاً، اللهم صل وسلم، وبارك عليه، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وعلى ذريته الميامين، وخلفائه، وزوجاته، اللهم صل وسلم عليه ما تعاقب الليل والنهار، اللهم اجعلنا من أتباعه ومن حملة سنته، والذابين عن شريعته، واحشرنا معه، واجعلنا من أهل شفاعته، أوردنا حوضه يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك أن تجمع بيننا وبين نبينا في جنات النعيم.

نعيم الجنة

عباد الله:

إن الله سبحانه وتعالى خلق الخلق، وجعل لهم يوم القيامة دار ثواب، ودار عقاب، من أطاع دخل الجنة، ومن عصى دخل النار، وبين لنا ما هي المحرمات لنجتنبها، وأباح لنا الأصل الإباحة، ووسع علينا سبحانه وتعالى.

ولو تأملت في دار الكرامة يا عبد الله، بارق نهر بباب الجنة، وعند باب الجنة نهر يلقى فيه من كان محترقاً في النار من عصاة الموحدين بعد العذاب، فينبتون مرة أخرى ليدخلوا الجنة على أحسن صورة، عندما يدخل الواحد الجنة فإنه يستدل على بيته فيها بالرغم من طبقاتها، ودرجاتها، واتساعها، وكثرة بنيانها، وأشجارها، وجناتها، والناس الذين فيها تهتدي إلى بيتك في الجنة إذا دخلتها أكثر مما تعرف بيتك في الدنيا يا عبد الله، الله يدلك عليه، في الجنة عجب، قوارير من فضة، القارورة الزجاج، ومن المعروف أن الزجاج شفاف لكن ما رأينا زجاج من فضة، يعني: فضة وشفافة، {قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ} (سورة الإنسان16) يعني: تجمع بين كونها فضة وبين شفافية الزجاج ما رأينا؟ {عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا} (سورة الإنسان6) وحيث ما يشير ينفجر الينبوع وتنفجر العين، عين تسيل سيلاناً، وشيء مسكه وخلطه من هذا الزنجبيل، وهذا المسك المختوم، طعم الزنجبيل على طعم المسك، عندما ترى يا عبد الله أن في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، أعطوني أكبر لؤلؤة في العالم، كم مقاسها، كم حجمها؟ في الجنة خيمة من لؤلؤة مجوفة، في كل زاوية منها أهل للمؤمن لا يراهم الآخرون، في كل زاوية من هذه الخيمة أهل لا يراهم الآخرون، هل رأيت فيها الطلح المنضود المنظم المرتب؟ ما في الجنة شجرة إلا وساقها من ذهب، هذه الجنة التي يرى فيها الأعلى منه كما نرى نحن النجم في السماء، هذه الجنة فيها غرفات: {غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ} (سورة الزمر20) ، هذه الجنة فيها لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، هذه الجنة إذا تمنى فيها الواحد الطير الذي يطير من السماء خر بين يديه مشوياً، هذه الجنة التي تخرج ثياب أهلها من أغصان أشجارها، هذه الجنة التي فيها شجرة طوبى لو سار الراكب المضمر الجواد حولها مائة عام ما قطعها.

ظل الدنيا ينحسر، هذا هو أمامكم ينحسر، لكن ظل الجنة لا ينحسر: {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } (سورة الواقعة30) لا يوجد له انحسار، الجنة هذه فيها أيام، فيها سبت، وأحد، واثنين، وثلاثاء، وجمعة، وفيها سوق الجمعة لكن ما فيها شمس، {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا} (سورة الإنسان13) {وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ } (سورة الواقعة30) وما فيها شمس، وفيها أيام أسبوع، وفيها سوق الجمعة يلتقي فيها أهل الجنة بمثل هذا اليوم.

اللهم اجعلنا منهم، اللهم اجعلنا منهم يا رب العالمين، اللهم لا تحرمنا جنتك بذنوبنا، اللهم إنا نسألك الجنة وما قرب إليها من قول وعمل، اللهم إنا نعوذ بك من النار.

الجنة محفوفة بالمكاره والنار بالشهوات

عباد الله:

ذكر الله الجنة، وذكر النار، حتى تشتاق النفوس إلى الجنة فتعمل، وتخاف من النار، فتحجب عن المعاصي، لما خلق الله الجنة أمر جبريل أن ينظر إليها وسأله، فقال جبريل: ما أظن أن أحداً لا يدخلها، والنار ما ظننت أحداً سيدخلها، فأمر أن تحف الجنة بالمكاره: تقوم لصلاة الفجر في البرد، تخرج النفقة الواجبة، والمال الواجب عليك، وتجاهد نفسك فيه، فإخراج المال صعب، يقول خبراء البنوك الإسلامية: إنه لا يخرج من زكاة الأموال التي في مصارف الخليج إلا عشرة في المائة فقط، وزكاة أموال العرب في بنوك أوروبا وأمريكا سبعة وخمسون مليار دولار، يقول المحاسب: كم عليَّ؟ كذا كذا، هذه زكاة، هذا ركن من أركان الإسلام، ويقولون: نحتاج السيولة، وإدارة السيولة أصعب شيء في الإدارات المالية، لكن السيولة هذه العزيزة على نفسك عندما تخرج لله طيبة بها نفسك كم أجرها يكون عند الله، غير النفقات الواجبة عليك للأهل، والأولاد، والوالدين المحتاجين طبعاً.

عباد الله:

لما حفت الجنة بالمكاره؛ عرفنا أنه لا يوجد طريق للجنة إلا باقتحام المكاره؛ لأنها حفت بذلك، كما قال العلماء: حفت: من جميع الجهات، ليس لك طريق إلى الجنة إلا باقتحام المكاره، لا بد أن تتعب، ودخول الجنة بدون تعب لا يمكن، وحفت النار بالشهوات، لا طريق للنار إلا بالشهوات، كم من الناس الآن عبيد للشهوات في مواقع، وصور، وأفلام، وقنوات، وأماكن دعارة، وفسق، وربما سافروا إليها، وأقاموا العلاقات، والاتصالات، تسخر التقنية الحديثة لخدمة الحرام، حفت النار بالشهوات، وربنا فتح علينا أبواب الحلال، فمثلاً أباح جميع أنواع العصائر إلا الخمر، ولكن الناس يقعون في المسكر، وكذلك أباح  الزواج، وملك اليمين، وأربع زوجات، وبعض الناس يصر أن يقع في الخبيث مثل الذباب لا يقع إلا على الخبيث.

النار فيها سلاسل، وأغلال، وضرب، فالملائكة تضرب بمقامع من حديد، مطارق من حديد، {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ} (سورة النساء56) يحسون بالعذاب، يتضاعف حجم الكافر والفاجر في النار حتى يصير عضده مثل الجبل، فالجلد سميك ليذوق العذاب، حجم الكافر في النار ضخم جداً، وإذا كان العضد مثل الجبل، فكيف يكون حجمه؟ ولماذا تتضاعف حجوم الكفار والفجار في النار؟ ليذوقوا العذاب.

نسأل الله أن يقينا شرها وحرها وعذابها إنه هو السميع العليم، اللهم منَّ علينا بوقايتنا من عذاب السموم، اللهم اجعل بيننا وبين النار برزخاً، وحجراً محجوراً، نعوذ بك من النار، أجرنا من النار، أجرنا من النار، أجرنا من النار يا غفار.

اللهم إنا نسألك الجنة، ونسألك الفردوس الأعلى، ونسألك الفردوس الأعلى يا رب العالمين، اللهم إنا نسألك الأمن في البلاد، والنجاة يوم المعاد، آمنا في الأوطان والدور، وأصلح الأئمة، وولاة الأمور، اللهم من أراد الإخلال بأمن هذه البلاد فأذقه العذاب في الدنيا قبل الآخرة، اللهم من أراد بلدك هذا بسوء فأشغله في نفسه، واجعل كيده في نحره، اللهم من أراد أمننا وإيماننا بسوء اللهم إنا نسألك أن تحول بينه وبين ما أراد، وأن ترده على عقبيه خاسراً يا رب العالمين، انصر الإسلام والمسلمين، واحم حوزة الدين، وأقم لواء السنة في العالمين، اللهم انصر أهل الحق وافتح لهم المغاليق وقلوب الخلق إنك على كل شيء قدير وبالإجابة جدير، بارك لنا في أموالنا، أغننا ولا تطغنا، اقض ديوننا، واستر عيوبنا، واشف مرضانا، وارحم موتانا، واجمع على الحق شملنا يا ربنا.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.38651