Share |

دروس / فقه

غسل الميت

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد الصادق الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، والتابعين وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن الإنسان المسلم إذا مات، وفارق الحياة، فليس موته كموت الحيوانات، وإنما له كرامة حياً وميتاً، فلا يهمل كما تهمل الحيوانات بل يعتنى به، ويغسل وينظف حتى يدخل إلى قبره وهو نظيف البدن.

حكم غسل الميت:

أجمع العلماء على وجوب غسل المسلم الميت(1)، ومستند هذا الإجماع النصوص الواردة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بالأمر به، فإنه -صلى الله عليه وسلم- قال في الذي وقصته الناقة: (اغسلوه بماء وسدر)(2)، وقال -صلى الله عليه وسلم- للنساء الآتي كنَّ يغسلن ابنته زينب: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً)(3)، وقد غُسِّل النبي –صلى الله عليه وسلم- وهو الطاهر المطهر، وحافظ المسلمون على غسل الميت على مر عصورهم.

وغسل الميت فرض كفاية على من علم به فإذا قام به البعض منهم سقط عن الباقين(4).

من يغسل الميت؟

الرجل يغسله الرجل والأولى والأفضل أن يختار لتغسيل الميت ثقة عارف بأحكام التغسيل؛ لأنه حكم شرعي له صفة مخصوصة، لا يتمكن من تطبيقها إلا عالم بها على الوجه الشرعي، ويقدم في تولي تغسيل الميت وصيه، فإذا كان الميت قد أوصى أن يغسله شخص معين، وهذا المعين عدل ثقة؛ فإنه يقدم في توليه تغسيله بذلك؛ لأن أبا بكر -رضي الله عنه- أوصى أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس(5)؛ وأوصى أنس -رضي الله عنه- أن يغسله محمد بن سيرين(6)، ثم يلي الوصي في تغسيل الميت أبو الميت؛ فهو أولى بتغسيل ابنه لاختصاصه بالحنو والشفقة على ابنه، ثم جده؛ لمشاركته للأب في المعنى المذكور، ثم الأقرب فالأقرب من عصبته، ثم الأجنبي منه، وهذا الترتيب في الأولوية إذا كانوا كلهم يحسنون التغسيل وطالبوا به، وإلا فإنه يقدم العالم بأحكام التغسيل على من لا علم له.والمرأة تغسلها النساء، والأولى بتغسيل المرأة الميتة وصيتها، فإن كانت أوصت أن تغسلها امرأة معينة؛ قدمت على غيرها إذا كان فيها صلاحية لذلك، ثم بعدها تتولى تغسيلها القربى فالقربى من نسائها(7).

الكف عما يرى في الميت من مكروه:

عن أبي رافع أسلم مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (من غسل ميَّتاً فكتم عليه، غفر الله له أربعين مرة)(8).

قال سماحة الشيخ ابن العثيمين -رحمه الله-: (والذي يُرى من الميت من المكوهات نوعان:

النوع الأول: ما يتعلق بحاله.

النوع الثاني: ما يتعلق بجسده.

الأول: لو رأى مثلاً أن الميت تغير وجهه واسوَّد وقَبُح، فهذا -والعياذ بالله- دليل على سوء خاتمته -نسأل الله العافية- فلا يحل له أن يقول للناس: إني رأيت هذا الرجل على هذه الصفة، لأن هذا كشف لعيوبه، والرجل قدم على ربه وسوف يجازيه بما يستحق من عدل أو فضل، إن كان عمل خيراً، فالله يجزيه الحسنة بعشرة أمثالها، وإن كان غير ذلك: ((وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ)).

الثاني: ما يتعلق بجسده كأن يرى بجسده عيباً، كأن يرى برصاً أو سواداً خلقياً أو غير ذلك مما يكره الإنسان أن يطلع عليه غيره، فهذا أيضاً لا يجوز له أن يكشفه للناس، ويقول رأيت فيه كذا وكذا برصاً في بطنه في ظهره، وما أشبه ذلك. ولهذا قال العلماء -رحمهم الله-: يجب على الغاسل أن يستر ما رآه إن لم يكن حسنة، أما إذا رأى خيراً بالميت واستنارة بوجهه أو رآه يبتسم فهذا خير، وليخبر به الناس؛ لأنه يجعل الناس يثنون عليه خيراً، ولا بأس به، ولا يعد هذا من الرياء أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يعد من عاجل بشرى المؤمن؛ لأن المؤمن قد يكون له مبشرات، ومن هذه مثلاً: أنه يُرى بعد موته على حالة حسنة، وكذلك يرى الرؤيا الحسنة لنفسه أو يراها له غيره، كل هذه من المبشرات التي تبشر بالخير)(9).

غسل أحد الزوجين الآخر:

لكل واحد من الزوجين غسل صاحبه، فالرجل له أن يغسل زوجته والمرأة لها أن تغسل زوجها(10)؛ فعن عائشة -رضي الله عنها- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (ما ضرك لو مت فقمت عليك فغسلتك وكفنتك، ثم صليت عليك ودفنتك)(11).

وقد غسل الصديق أبا بكر -رضي الله عنه- زوجتُه أسماء بنت عميس(12)؛ وغسل عليٌّ فاطمةَ رضي الله عنهم أجمعين(13).

غسل المرأة الصبي:

يجوز للمرأة أن تغسل الصبي الصغير الذي لم يبلغ سبع سنين، فقد قال ابن المنذر: (أجمع كل من يحفظ عنه من أهل العلم على أن المرأة تغسل الصبي الصغير)(14).

 وأما غسل الصغيرة من قبل الرجال فقد كرهه أحمد ومجموعة من السلف، إلا أن تكون ابنته، وقال ابن قدامة: (والصحيح ما عليه السلف من أن الرجل لا يغسل الجارية، والتفرقة بين عورة الغلام والجارية؛ لأن عورة الجارية أفحش، ولأن العادة معاناة المرأة للغلام الصغير ومباشرة عورته في حال تربيته ولم تجر العادة بمباشرة الرجل عورة الجارية في الحياة فكذلك حالة الموت، والله أعلم)(15).

وقال آخرون يجوز للرجل غسل البنت التي عمرها دون سبع سنين(16).

الشهيد لا يغسل:

الشهيد الذي يقتل في المعركة لا يغسل، وذلك ثابت عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، فعن جابر -رضي الله عنه- قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ادفنوهم في دمائهم) - يعني يوم أحد - ولم يغسلهم(17).

وفي رواية: أنه -صلى الله عليه وسلم- قال: (أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة)، وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم(18).

وفي رواية: (لا تغسلوهم فإن كل جرح أو كل دم يفوح مسكاً يوم القيامة ولم يصل عليهم)(19).

أما إذا كان الشهيد جنباً فاختلف العلماء في غسله؛ فمنهم من يرى أنه يغسل، ومنهم من يرى أنه لا يغسل، وقد رجح الشيخ الألباني أنه لا يغسل، للأدلة السابقة وحديث عبد الله بن الزبير في قصة أحد واستشهاد حنظلة بن أبي عامر قال: فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إن صاحبكم تغسله الملائكة فاسألوا صاحبته) فقالت: خرج وهو جنب لما سمع الهائعة(20)، فقال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لذلك غسلته الملائكة)(21).

وأما من أُطلق عليه اسم الشهيد كالمطعون، والمبطون والنفساء، والغريق، وغيرهم فإنهم يغسلون(22).

شروط الماء الذي يغسل به:

يشترط في الماء الذي يغسل به الميت أن يكون طهوراً مباحاً. ويكون التغسيل في مكان مستور عن الأنظار(23).

صفة الغسل:

قال الشيخ الفوزان: "ويستر ما بين سرة الميت وركبته وجوباً قبل التغسيل، ثم يجرد من ثيابه، ويوضع على سرير الغسل منحدراً نحو رجليه، لينصب عنه الماء وما يخرج منه. ويحضر التغسيل الغاسل ومن يعينه على الغسل، ويكره لغيرهم حضوره.

ويكون التغسيل بأن يرفع الغاسل رأس الميت إلى قرب جلوسه، ثم يمر يده على بطنه ويعصره برفق، ليخرج منه ما هو مستعد للخروج، ويكثر صب الماء حينئذ، ليذهب بالخارج، ثم يلف الغاسل على يده خرقة خشنة، فيجني الميت، وينقي المخرج بالماء، ثم ينوي التغسيل، ويسمي، ويوضئه كوضوء الصلاة، إلا في المضمضة والاستنشاق، فيكفي عنهما مسح الغاسل أسنان الميت ومنخريه بإصبعيه مبلولتين أو عليهما خرقة مبلولة بالماء، ولا يدخل الماء فمه ولا أنفه، ثم يغسل رأسه ولحيته برغوة سدر أو صابون، ثم يغسل ميامن جسده، وهي صفحة عنقه اليمنى، ثم يده اليمنى وكتفه، ثم شق صدره الأيمن وجنبه الأيمن وفخذه الأيمن وساقه وقدمه الميامن(24)، ثم يقلبه على جنبه الأيسر، فيغسل شق ظهره الأيمن، ثم يغسل جانبه الأيسر كذلك، ثم يقلبه على جنبه الأيمن، فيغسل شق ظهره الأيسر، ويستعمل السدر مع الغسل أو الصابون، ويستحب أن يلف على يده خرقة حال التغسيل.

والواجب غسله واحدة إن حصل الإنقاء، والمستحب ثلاث غسلات، وإن لم يحصل الإنقاء زاد في الغسلات حتى ينقي إلى سبع غسلات، ويستحب أن يجعل في الغسلة الأخيرة كافوراً(25); لأنه يصلب بدن الميت، ويطيبه، ويبرده، فلأجل ذلك، يجعل في الغسلة الأخيرة، ليبقي أثره.

ثم ينشف الميت بثوب ونحوه، ويقص شاربه، وتقلم أظافره إن طالت، ويؤخذ شعر إبطيه، ويجعل المأخوذ معه في الكفن، ويضفر شعر رأس المرأة ثلاثة قرون، ويسدل من ورائها(26).

وأما إذا تعذر غسل الميت لعدم الماء، أو خيف تقطعه بالغسل كالمجذوم والمحترق، أو كان الميت امرأة مع رجال ليس فيهم زوجها، أو رجلاً مع نساء ليس فيهم زوجته، فإن الميت في هذه الأحوال ييمم بالتراب، بمسح وجهه وكفيه من وراء حائل على يد الماسح، وإن تعذر غسل بعض الميت، غسل ما أمكن غسله منه، ويمم عن الباقي(27).

استحباب الغُسل لمن غسَّل ميِّتاً:

يستحب لمن غسل ميِّتاً أن يغتسل لقوله -صلى الله عليه وسلم: (من غسل ميتاً فليغتسل ومن حمله فليتوضأ)(28)، قال العلامة الألباني -رحمه الله- في "مختصر أحكام الجنائز" (1/31) عن هذا الحديث: (وظاهر الأمر يفيد الوجوب وإنما لم نقل به لحديثين:

الأول: (حسن) قوله -صلى الله عليه وسلم-: (ليس عليكم في غسل ميتكم غسل إذا غسلتموه فإن ميتكم ليس بنجس فحسبكم أن تغسلوا أيديكم)(29).

الثاني: (صحيح) قول ابن عمر -رضي الله عنه-: (كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل)(30).

نسأل الله أن يرحمنا ويغفر لنا، ويتجاوز عن سيئاتنا، اللهم تب علينا إنك أنت التواب الرحيم واغفر لنا إنك أنت الغفور الرحيم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين.


1 - نقل الإجماع الإمام النووي في المجموع (5/128).

2 - متفق عليه.

3 - متفق عليه.

4 - راجع: الشرح الكبير (2/308)، وزاد المستقنع (1/175) والملخص الفقهي (صـ 213).

5 - رواه البيهقي (3/397) وضعفه الألباني في الإرواء (696).

6 - الشرح الكبير (2/308).

7 - من كلام الشيخ الفوزان في الملخص الفقهي (صـ 214)، وراجع الشرح الكبير (2/308)، والروض المربع (1/175).

8 - رواه الحاكم، وقال: "صحيح على شرط مسلم"، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (صـ 69).

9 - شرح رياض الصالحين (3/59-60).

10 - قال ابن المنذر في كتابه "الإجماع": (وأجمعوا على أن المرأة تغسل زوجها إذا مات).

11 - رواه أحمد وابن ماجه، وابن حبان، حسنه الألباني في صحيح ابن ماجه رقم (1197) ومشكاة المصابيح (5971).

12 - رواه البيهقي (3/397).

13 - رواه الدارقطني (2/79) وأبو نعيم في الحلية(2/43)، والبيهقي في السنن الكبرى (3/396).

14 - المغني (2/396).

15 - المغني (2/396).

16 - راجع: الشرح الكبير (2/313)، ومنار السبيل (1/165).

17 - رواه البخاري.

18 - رواه البخاري.

19 - رواه أحمد وصححه الألباني في مختصر أحكام الجنائز (1/33).

20 - الصياح والضجة.

21 - رواه الحاكم وصححه الألباني في مختصر أحكام الجنائز (1/33).

22 - راجع: المجموع للنووي (5/264)، والدراري المضية للشوكاني (1/300).

23 - راجع: الملخص الفقهي (صـ 215).

24 - لحديث أم عطية -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال لهن عندما غسلن ابنته: (ابدأن بميامنها ومواضع الوضوء منها) متفق عليه.

25 - عن أم عطية -رضي الله عنها- قالت: دخل علينا النبي -صلى الله عليه وسلم- ونحن نغسل ابنته فقال: (اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك بماء وسدر واجعلن في الآخرة كافوراً أو شيئاً من كافور) متفق عليه.

26 - الملخص الفقهي (صـ 215-216).

27 - الملخص الفقهي (ص 217).

28 - رواه ابن حبان والبيهقي، وصححه الألباني في أحكام الجنائز (1/31).

29 - أخرجه الحاكم (1/543)، والبيهقي نحوه.

30 - رواه البيهقي، والدارقطني.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01886