Share |

بحوث ومقالات / مقالات

لا يفرك مؤمن مؤمنة

 

الحمد لله الذي له الحمد كله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم.

أما بعد: فإن راحة القلب، وطمأنينته وسروره وزوال همومه وغمومه، هو المطلب لكل أحد، وبه تحصل الحياة الطيبة، ويتم السرور والابتهاج، ولذلك أسباب دينية، وأسباب طبيعية، وأسباب عملية، ولا يمكن اجتماعها كلها إلا للمؤمنين، وأما من سواهم فإنها وإن حصلت لهم من وجه وسبب يجاهد عقلاؤهم عليه، فاتتهم من وجوه أنفع وأثبت وأحسن حالاً ومآلاً.

فمنهم من أصاب كثيراً منها فعاش عيشة هنيئة، وحيى حياة طيبة.

ومنهم من أخفق فيها كلها فعاش عيشة الشقاء، وحيي حياة التعساء.

 ومنهم من هو بين بين، بحسب ما وفق له، والله الموفق المستعان به على كل خير، وعلى دفع كل شر.

ومن الأسباب التي تزيل الهم والغم والقلق، الإحسان إلى الخلق بالقول والفعل، وأنواع المعروف، وكلها خير وإحسان، وبها يدفع الله عن البر والفاجر الهموم والغموم بحسبها، ولكن للمؤمن منها أكمل الحظ والنصيب، ويتميز بأن إحسانه صادر عن إخلاص واحتساب لثوابــه.

فيهون الله عليه بذل المعروف لما يرجوه من الخير، ويدفع عنه المكاره بإخلاصه واحتسابه، قال تعالى: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} (114) سورة النساء.

فأخبر تعالى أن هذه الأمور كلها خير ممن صدرت منه، والخير يجلب الخير، ويدفع الشر. والمؤمن المحتسب يؤتيه الله أجراً عظيماً ومن جملة الأجر العظيم: زوال الهم والغم والأكدار ونحوها.

وإذا كان بذل المعروف للناس كافة مما يسبب السعادة والحياة المطمئنة، فإن بذله للقريب الأقرب من الأهل والإخوان من أعظم أسباب السعادة الحقيقية.

ويخص من ذلك الزوجة؛ إذ هي من أكثر من يحتك بك، ويعاشرك.

والله جل وعلا يقول في كتابه العزيز: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (19) سورة النساء.

وقال الصادق المصدوق -صلى الله عليه وسلم- كما روى الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: (لا يفرك مؤمن مؤمنة إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر).1

قال الشيخ السعدي -رحمه الله-:

"وفي الحديث فائدتان عظيمتان:

إحداهما: الإرشاد إلى معاملة الزوجة والقريب والصاحب والمعامل، وكل من بينك وبينه علاقة واتصال، وأنه ينبغي أن توطن نفسك على أنه لا بد أن يكون فيه عيب أو نقص أو أمر تكرهه، فإذا وجدت ذلك، فقارن بين هذا وبين ما يجب عليك أو ينبغي لك من قوة الاتصال والإبقاء على المحبة، بتذكر ما فيه من المحاسن، والمقاصد الخاصة والعامة، وبهذا الإغضاء عن المساوئ وملاحظة المحاسن، تدوم الصحبة والاتصال وتتم الراحة وتحصل لك.

الفائدة الثانية: وهي زوال الهم والقلق، وبقاء الصفاء، والمداومة على القيام بالحقوق الواجبة والمستحبة، وحصول الراحة بين الطرفين، ومن لم يسترشد بهذا الذي ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- -بل عكس القضية فلحظ المساوئ، وعمي عن المحاسن- فلابد أن يقلق، ولابد أن يتكدر ما بينه وبين من يتصل به من المحبة، ويتقطع كثير من الحقوق التي على كلٍ منهما المحافظة عليها.

وكثير من الناس ذوي الهمم العالية يوطنون أنفسهم عند وقوع الكوارث والمزعجات على الصبر والطمأنينة.

لكن عند الأمور التافهة البسيطة يقلقون، ويتكدر الصفاء، والسبب في هذا أنهم وطنوا نفوسهم عند الأمور الكبار، وتركوها عند الأمور الصغار فضرتهم وأثرت في راحتهم، فالحازم يوطن نفسه على الأمور القليلة والكبيرة ويسأل الله الإعانة عليها، وأن لا يكله إلى نفسه طرفة عين، فعند ذلك يسهل عليه الصغير، كما سهل عليه الكبير.

ويبقى مطمئن النفس ساكن القلب مستريحاً."2

فليس هناك ما يبعث على الكره التام؛ فإن كانت خصلة نقص فثمة خصال كمال، وإن كانت خلة عيب فثمة خلال منافذ كثيرة.

يقول ابن كثير -رحمه الله- في قوله تعالى: {وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ}"أي: طيِّبُوا أقوالكم لهن، وحَسّنُوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم، كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله، كما قال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ} (228) سورة البقرة.

وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي).3

وكان من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- أنه جَمِيل العِشْرَة دائم البِشْرِ، يُداعِبُ أهلَه، ويَتَلَطَّفُ بهم، ويُوسِّعُهُم نَفَقَته، ويُضاحِك نساءَه، حتى إنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين يَتَوَدَّدُ إليها بذلك.

قالت: سَابَقَنِي رسولُ الله -صلى الله عليه وسلم- فَسَبَقْتُهُ، وذلك قبل أن أحملَ اللحم، ثم سابقته بعد ما حملتُ اللحمَ فسبقني، فقال: (هذِهِ بتلْك).4

ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، ثم تنصرف كل واحدة إلى منزلها.

وكان ينام مع المرأة من نسائه في شعار واحد، يضع عن كَتِفَيْه الرِّداء وينام بالإزار، وكان إذا صلى العشاء يدخل منزله يَسْمُر مع أهله قليلاً قبل أن ينام، يُؤانسهم بذلك -صلى الله عليه وسلم- وقد قال الله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} (21) سورة الأحزاب."5

وللقرطبي كلمات نضيفها في تفسير هذه الآية.. يقول في شأن المعاشرة بالمعروف: " أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع... وذلك توفيه حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب، وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها"6

"حتى عبوس الوجه لا ينبغي أن يكون... إنه ليس من العشرة بالمعروف، إن انبساط الوجه وتبسمك في وجه أخيك صدقة، فكيف بزوجك؟!

إن إدخال السرور على المسلم له أجر عظيم، فكيف بحليلتك؟!

إن نوعاً من التطلق والسهولة والسماحة يكون للإنسان به إلى قلب الإنسان جسر قوي من المودة والمحبة، فكيف بمن هي وإياك تحت سقف واحد كل ليلة؟!

إن مثل هذا الأمر والتوجيه الرباني الذي يتنزل به القرآن من فوق سبع سماوات هو سبب من أعظم أسباب الوقاية والحماية والصيانة.

واستمع لقول الله عز وجل في آيات محكمات، وفي كلمات معجزات... كلام رب العالمين: {فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا} (19) سورة النساء.

حتى لا تبادر إلى كره تام وبغض شامل لأدنى خطأ أو لأقل تقصير إن كرهت شيئاً فانظر فلعل هناك خيراً كثيراً... أليست تلك المرأة هي التي بها عفاف نفسك، وهي الحصن الحصين لك من الوقوع في المعاصي والفواحش؟!.

أليست هي حاملة أبنائك؟

أليست هي مرضعتهم؟

أليست هي من تقاسمك السراء والضراء؟

انظر إلى كثير المحاسن تجدها غامرة لقليل المساوئ...

فما بال الرجل العاقل الحصين كأنما قد خف عقله، وطاش فكره فأصبح كالصغير إذا أثير بشيء يسير ثار فلم ينظر إلى غير ذلك من الأمور!"7

إن بناء الحياة الزوجية على المحبة والرحمة والمودة والعشرة الحسنة، امتثالاً لأمر الله ورسوله، يترتب عليه النتائج القيمة في الدارين.

ولا يمكن -في التصور الإسلامي- أن يكون بين الزوجين حقد أو بغضاء أو حسد، كيف وقد أفضى بعضهم إلى بعض.

يقول سيد قطب -رحمه الله- في تفسير قوله تعالى: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا} (21) سورة النساء: "لا يقف لفظ "أفضى" عند حدود الجسد وإفضاءاته، بل يشمل المشاعر والعواطف والوجدانات والتصورات والأسرار والهموم، يدع اللفظ يرسم عشرات الصور لتلك الحياة المشتركة آناء الليل وأطراف النهار، وعشرات الذكريات لتلك المؤسسة التي ضمتهما فترة من الزمان، وفي اختلاجة حب إفضاء، وفي نظرة ود إفضاء، وفي كل لمسة جسم إفضاء، وفي كل اشتراك في ألم أو أمل إفضاء...".8

والأحاديث الصحيحة كثيرة في الحض على حسن العشرة بين الزوجين، كما أن السيرة العطرة مليئة بالنماذج العملية من حياة النبي-صلى الله عليه وسلم- على الحياة الزوجية الهانئة الجميلة في البيت النبوي الكريم.

ولا تمنع المحبة والعشرة بالمعروف بين الزوجين من أن يكونا حازمين مع بعضهما في التربية والتوجيه وخاصة من ناحية الزوج، فمحارم الله -عز وجل- لا مداهنة فيها، والتقصير في الأمور الشرعية لا يمكن السكوت عنه، فها هو النبي-صلى الله عليه وسلم- يدلل زوجاته أرق الدلال، فكان يدلل عائشة -رضي الله عنها- بقوله: (يا عائش9 وكانت تشرب من الإناء وهي حائض، فيأخذه النبي-صلى الله عليه وسلم- فيضع فاه على موضع فيها،10 وكان يقبّل نساءه وهو صائم.11

وعلى الزوجين أن يكونا لبعضهما كما كان أبو الدرداء وأم الدرداء -رضي الله عنهما- كانت إذا غضب سكتت واسترضته، وإذا غضبت سكت واسترضاها، وكان هذا منهجاً انتهجاه من يوم زواجهما، وياله من منهج حكيم، فكم من البيوت هدمت، وكم من الأسر انهارت بسبب غضب الزوجين معاً وعدم تحمل أحدهما للآخر.

مع أنهما يعرفان جيداً أنهما بشر، ومن طبيعة البشر الخطأ والنقص، فإن وقع الخطأ والتقصير من أحد الزوجين في حق الطرف الآخر -إذا كان من الأمور الدنيوية- فعلى الطرف الآخر الصفح والعفو، فلا ينسى حسنات دهر أمام زلة يوم، وعليهما أن يغضا الطرف عن الهفوات الصغيرة مع التنبيه بأسلوب لطيف ليس فيه جرح للكرامة أو إهانة؛ ولهذا نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- أن يطرق الرجل أهله ليلاً، وأن يتخونهم أو يلتمس عثراتهم،12 وكان هذا أسلوب النبي-صلى الله عليه وسلم-.

وقد روي أن رجلاً جاء إلى عمر رضي الله عنه يشكو خلق زوجته فوقف على باب عمر ينتظر خروجه، فسمع امرأة عمر تستطيل عليه بلسانها وتخاصمه وعمر ساكت لا يرد عليها، فانصرف الرجل راجعاً وقال: إن كان هذا حال عمر -مع شدته وصلابته- وهو أمير المؤمنين فكيف حالي! فخرج عمر فرآه مولياً عن بابه فناداه وقال: ما حاجتك يا رجل، فقال: يا أمير المؤمنين جئت أشكو إليك سوء خلق امرأتي واستطالتها علي فسمعت زوجتك كذلك فرجعت، وقلت: إذا كان حال أمير المؤمنين مع زوجته فكيف حالي، فقال عمر: يا أخي إني احتملتها لحقوق لها علي إنها طباخة لطعامي، خبازة لخبزي، غسالة لثيابي مرضعة لولدي وليس ذلك كله بواجب عليها، ويسكن قلبي بها عن الحرام، فأنا أحتملها لذلك، فقال الرجل: يا أمير المؤمنين وكذلك زوجتي، فقال عمر: فاحتملها يا أخي، فإنما هي مدة يسيرة.13

هذا هو التصرف المطلوب في مثل هذه المواقف (إن كره منها خلقاً رضي منها خلقاً آخر)14.

نسأل الله صلاح البيوت والأهل لجميع المسلمين، اللهم أسبغ علينا نعمتك، ووفقنا للعمل بشرعك، وأصلح زوجاتنا واجعلهن لنا قرة أعين، إنك أنت العزيز الحكيم.

والحمد لله رب العالمين.                     


1 رواه مسلم (1469).

2 الوسائل المفيدة للحياة السعيدة.

3 رواه الترمذي برقم (3895) وصححه الألباني، انظر حديث رقم: (3314) في صحيح الجامع.

4 رواه أبو داود برقم (2578) وصححه الألباني، انظر حديث رقم : (7007) في صحيح الجامع.

5 تفسير القرآن العظيم لابن كثير (2/242).

6 تفسير القرطبي (5/91).

7 من موقع إسلاميات. بتصرف.

8 ظلال القرآن لسيد قطب (2/26).

9 رواه البخاري برقم (3557).

10 رواه مسلم (300).

11 رواه مسلم (1106).

12 قال البخاري (باب لا يطرق أهله ليلا إذا أطال الغيبة مخافة أن يخونهم أو يلتمس عثراتهم) ورواه مسلم برقم(715).

13 الكبائر للذهبي(1/68).

14 سبق تخريجه.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02226