علمني وأوجز (2)

 

 

علمني وأوجز(2)

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين، أما بعد:

جاء في حديث أبي أيوب الأنصاري – رضي الله عنه – وصايا للنبي   يوصي بها أحد الناس، والحديث هو: أن رجلاً جاء إلى النبي فقال له: يا رسول الله علمني وأوجز، قال: ((إذا قمت في صلاتك فصل صلاة مودع، ولا تكلم بكلام تعتذر منه، وأجمع اليأس عما في أيدي الناس))1.

وقد سبق أن وقفنا مع الوصية الأولى، واليوم سنقف مع بقية الوصايا؛ علَّ الله – عزوجل – أن ينفعنا بها، وأن يعيننا على العمل بما فيها:

الوصية الثانية: ((ولا تكلم بكلام تعتذر منه)):

ومن الوصايا العظيمة التي تضمنها هذا الحديث الشريف قوله : ((ولا تكلم بكلام تعتذر منه)) وفيه حفظ اللسان وحمايته من كل ما يورث الندم، وكل ما يوجب الاعتذار، سواء كان هذا الاعتذار في الدنيا أو في الآخرة.

فكم من كلمات أودت بأصحابها إلى المهالك، وساقتهم إلى أسوأ المسالك، فلا يدري أحدهم إلا وقد أخرج الكلمة؛ فإذا بالدنيا تسود أمام وجهه، وإذا باللوم لا يفارقه في ليله أو صبحه، فيصبح الإنسان مِلْكَ كلمته؛ إذ أخرجها فصاراً أسيراً لها

احذر لسانك أيها الإنسـان لا يـلــدغنك أنه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشجعان

ورب كلمة يتكلم بها إنسان فتحدث تغيراً واضطراباً في الكون كقول أهل الكفر والضلال: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا * تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا * أَن دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا}2، “والمعنى أن هول هذه الكلمة وعظمها بحيث لو تصورت بصورة محسوسة لم تتحملها هذه الأجرام والعظام، وتفتت من شدتها، أو أن فظاعتها مجلبة لغضب الله؛ بحيث لولا حلمه لخرب العالم، وبدد قوائمه غضباً على من تفوه بها”3.

يقول سيد قطب وهو يصف ما يحصل من تأثر في الكون جراء كلمة قالها أحدهم: “إن جرس الألفاظ، وإيقاع العبارات؛ ليشارك ظلال المشهد في رسم الجو: جو الغضب، والغيرة، والانتفاض، وإن ضمير الكون وجوارحه لتنتفض، وترتعش وترجف من سماع تلك القولةالنابية، والمساس بقداسة الذات العلية كما ينتفض كل عضو، وكل جارحة؛ عندما يغضب الإنسان للمساس بكرامته أو كرامة من يحبه ويوقره.

هذه الانتفاضة الكونية للكلمة النابية تشترك فيها السماوات والأرض والجبال،والألفاظ بإيقاعها ترسم حركة الزلزلة والارتجاف، وما تكاد الكلمة النابية تنطلق: (وقالوا: اتخذ الرحمن ولداً) حتى تنطلق كلمة التفظيع والتبشيع: (لقد جئتم شيئاًإداً)، ثم يهتز كل ساكن من حولهم، ويرتج كل مستقر، ويغضب الكون كله لبارئه، وهو يحس بتلك الكلمة تصدم كيانه وفطرته؛ وتجافي ما وقر في ضميره، وما استقر في كيانه”4.

وإن الكلمة لتخرج من فيِّ صاحبها؛ فتخرجه من دائرة الإسلام، وإن أخرجها مزاحاً،وهذا ما حكاه القرآن عن نفرٍ كانوا يعيشون مع النبي استهانوا بالكلمة فأردتهم الردى يقول – تعالى -: {وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِؤُون * لاَ تَعْتَذِرُواْ قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِن نَّعْفُ عَن طَآئِفَةٍ مِّنكُمْ نُعَذِّبْ طَآئِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ}5

قال ابن كثير – رحمه الله تعالى -: “قال أبو معشر المديني عن محمد بن كعب القرظي وغيره قالوا: قال رجل من المنافقين: ما أرى قراءنا هؤلاء إلا أرغبنا بطوناً، وأكذبنا ألسنةً، وأجبننا عند اللقاء؛ فرفع ذلك إلى رسول الله  ، فجاء إلى رسول الله   وقد ارتحل وركب ناقته، فقال: يا رسول الله (إنما كنا نخوض ونلعب)، فقال: (أبالله،وآياته، ورسوله؛ كنتم تستهزئون؟ إلى قوله: (كانوا مجرمين)، وإن رجليه لتنسفان الحجارة، وما يلتفت إليه رسول الله  ، وهو متعلق بنسعة رسول الله  “6.

والكلمة يقولها صاحبها فيوصم بالعار طيلة الحياة؛ فهذا أبو لهب عم النبي   بسبب كلمة سوء شتم بها رسول الله  فلم يزل يُقرأ إلى قيام الساعة: {تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ}7،

فعن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: صعد النبي   الصفا ذات يوم، فقال: يا صباحاه، فاجتمعت إليه قريش، قالوا: ما لك؟ قال: أرأيتم لو أخبرتكم أن العدو يصبحكم أو يمسيكم؛ أما كنتم تصدقوني؟ قالوا: بلى، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فقال أبو لهب: تباً لك ألهذا جمعتنا؛ فأنزل الله (تبت يدا أبي لهب).”8.

وعندما سأل معاذ بن جبل – رضي الله عنه – النبي  عن أبواب الخير؛ فأخبره، ثم قال له: ((ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ قلت: بلى يا نبي الله، فأخذ بلسانه؛ قال: كف عليك هذا، فقلت: يا نبي الله، وإنا لمؤاخذون بما نتكلم به؟؛ فقال: ثكلتك أمك يا معاذ؛ وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم؟))9.

فكان لابد على المسلم أن يحفظ لسانه؛ لكيلا يندم بعد ذلك ولا ينفع الندم قال ابن حجر – رحمه الله – وهو يفسر حفظ اللسان: “بالامتناع عن النطق بما لا يسوغ شرعاً، مما لا حاجة للمتكلم به”10.

إن كل ما نتكلم به مقيد علينا، مسطر في صحائفنا، لا تنساه الملائكة الموكلة بنا قال- تعالى -: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ}11، وكم أفسد اللسان من علاقات، وأشاع من منكرات، وألحق بصاحبه من سيئات، فهذا يتكلم بخير يرفعه الله به درجات، وهذا يتكلم بشر فيسقط دركات.

ورب كلمة لا ينتبه لها قائلها، ولا يبالي بها؛ تهوي به في نار جهنم فعن أبي هريرة -رضي الله عنه – عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: ((..وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً؛ يهوي بها في جهنم))12

قال ابن حجر – رحمه الله تعالى -: “(لا يلقي لها بالاً)لا يتأملها بخاطره، ولا يتفكر في عاقبتها، ولا يظن أنها تؤثر في شيءٍ”13، وقبل أن تخرج الكلمة اعط نفسك فرصة التفكير: هل ما ستقوله يرضي الله أم يغضبه؟ وهل هو من طيب الكلام أم من بذيئه؟ وهل تكون عاقبته خيراً أم شراً؟.

الوصية الثالثة: ((وأجمع اليأس عما في أيدي الناس)):

هكذا يعلم النبي   أصحابه على العفة، وعدم النظر إلى ما عند الآخرين، ويغرس فيهم القناعة، ويربيهم على الزهد في ما عند الناس فعن سهل بن سعد الساعدي قال: أتى النبي   رجل فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا أنا عملته أحبني الله وأحبني الناس؟ فقال رسول الله  : ((ازهد في الدنيا يحبك الله، وازهد فيما في أيدي الناس يحبوك))”14، وهذا مما لابد أن يكون عليه المسلم، زاهداً في الدنيا، لا يُقبل عليها بإشراف نفس،أو هلع وطمع قال رسول الله  : ((إن هذا المال خضرٌ حلوٌ؛ فمن أخذه بسخاوة نفسٍ بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفسٍ لم يبارك له فيه))15، وكلما كان الإنسان صاحب طمع تطلع دوماً إلى ما عند الغير ممن هو فوقه قال الإمام النووي – رحمه الله تعالى -: “لأن الإنسان إذا رأى من فَضُلَ عليه في الدنيا طلبت نفسه مثل ذلك، واستصغر ما عنده من نعمة الله – تعالى -، وحرص على الازدياد ليلحق بذلك أو يقاربه، هذا هو الموجود في غالب الناس”16.

إن اليأس عما في أيدي الناس هي العفة التي يؤتيها الله – عز وجل – من جاهد نفسه عليها، وتعود على ممارستها ((ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله))17،

وقد عدَّ النبي   المتعفف من أهل الجنة، فعن عياض بن حمار المجاشعي – رضي الله عنه – أن رسول الله   قال: ((…وأهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان مقسط متصدق موفق، ورجل رحيم، رقيق القلب لكل ذي قربى ومسلم، وعفيف متعفف ذو عيال))18.

إن اليأس مما في أيدي الناس يقتضي عدم سؤالهم، وترك الحاجة إليهم، وعلى هذا عاش الصحابة الكرام؛ فقد كان بعضهم يبايع رسول الله   على ألا يسأل الناس شيئاً كما ورد عن عوف بن مالك الأشجعي – رضي الله عنه – قال: “كنا عند رسول الله   تسعة أو ثمانية أو سبعة، فقال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) وكنا حديث عهد ببيعة، فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) فقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، ثم قال: ((ألا تبايعون رسول الله؟)) قال: فبسطنا أيدينا، وقلنا: قد بايعناك يا رسول الله، فعلام نبايعك؟ قال: ((على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً، والصلوات الخمس، وتطيعوا، وأسر كلمةً خفيةً: ولا تسألوا الناس شيئاً))؛ فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم؛ فما يسأل أحداً يناوله إياه”19.

وهذا حوار للنبي   مع أحد طلابه يسأله عن فعله إذا اشتدت عليه الأمور، ماذا يفعل؟ فعن أبي ذر – رضي الله عنه – قال: قال رسول الله  : ((كيف أنت وجوعاً يصيب الناس حتى تأتي مسجدك؛ فلا تستطيع أن ترجع إلى فراشك؟ ولا تستطيع أن تقوم من فراشك إلى مسجدك؟)) قال: قلت: الله ورسوله أعلم، أو ما خار الله لي ورسوله. قال:((عليك بالعفة))20.

فإذا كان اليأس مطلوب فإلى من يرفع صاحب الحاجة حاجته؟ وإلى من يشتكي صاحب الفاقة؟.

لا بد أن ينزل حاجته بالله رب العالمين، فحريٌ حينئذٍ أن تقضى حاجته عن ابن مسعود -رضي الله عنه – قال: قال رسول الله  : ((من أصابته فاقةٌ فأنزلها بالناس لم تسد فاقته؛ ومن أنزلها بالله أوشك الله له بالغنى؛ إما بموتٍ عاجلٍ، أو غنىً عاجلٍ))21.

نلجأ إلى الله الذي يقول: {وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ}22، وهو الذي قال: {أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ}23.

وقد يصاب الإنسان بضرورةٍ تضطره إلى سؤال الناس؛ وهذا قد أذن النبي   له بذلك؛ لكنه قيدها بقيد ((حتى يصيب قواماً من عيشٍ، أو قال سداداً من عيشٍ؛ فما سواهن من المسألة: – يا قبيصة – سحتاً يأكلها صاحبها سحتاً))24.

ويبقى المؤمن عزيزاً ما اجمع اليأس عما في أيدي الناس، وهذه قولة جبريل – عليه السلام – لنبينا محمد – صلى الله عليه وسلم -: ((يا محمد عش ما شئت فانك ميت، واعمل ما شئت فإنك مجزي به، وأحبب من شئت فإنك مفارقه، واعلم أن شرف المؤمن قيام الليل، وعزه استغناؤه عن الناس))25.

اللهم وفقنا لما تحب وترضى، واهدنا ويسر الهدى لنا، وعلمنا ما ينفعنا، وصلي اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


1 ابن ماجه (4161)، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه: حسن (3363)، وأحمد (22400)، وأبو نعيم في الحلية (1/444).

2 سورة مريم (88-91).

3 تفسير البيبضاوي (4/35).

4 الظلال سورة مريم آية (88، 89).

5 سورة التوبة (65-66).

6 تفسير ابن كثير (2/368).

7 سورة المسد (1).

8 البخاري (4427).

9 الترمذي (2541)، وأحمد (21008)، وقال الألباني في الصحيحة: صحيح بمجموع طرقه (3/114).

10 فتح الباري (11/308).

11 سورة ق (18).

12 البخاري (5997) بلفظه، ومسلم (5304).

13 فتح الباري (11/311).

14 ابن ماجه (4092)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره (3/137).

15 البخاري (2545).

16 شرح مسلم للنووي (18/97).

17 البخاري (1338)، ومسلم (1745).

18 مسلم (5109).

19 مسلم (1729).

20 ابن ماجه (3948)، وقال الألباني في صحيح ابن ماجه: صحيح (2/355).

21 أبو داود (1402)، وقال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح (1/310).

22 سورة غافر (60).

23 سورة النمل (62).

24 مسلم (1730).

25 الطبراني في الأوسط (4/306)، وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب: حسن لغيره (1/152).