Share |

رسائل عاجلة

على درب هؤلاء فامض

 

الحمد لله رب العالمين، حبيب الذاكرين، وأنيس المخبتين، وسلوة الطائعين

لك الحمد حمداً يملأ الأرض والسمـا        كثيراً غزيراً ما يعد ويحـسب

رضاك وإلا فالنفوس مهانـــــة       وأنت وإلا ما لغيرك مـذهب

وحبك أغلى كل حـب ومنيـــة       وتهجر فيك النفس والأم والأب

إلى من نرد الأمر إن خاب سعيــنا        ومنك إلى من نستجير ونهرب

فخذ هامتي مهراً لحـبي ومهجــتي        فداء فما لي عن رحابك مذهب

لعلك ترضى إن رأيت صبـــابتي        ووجهي بسربال الحياء محجب

عسى دمنا يسقي الثرى في سبيـلكم        وأعناقنا في نصر دينك تضرب

تباركت يا من أنزل الغيث والهـدى        فذكرك للأرواح أحلى وأطيب

ألا قُطّعت أذن تعاف حديثـــكم        وتسمع آلات الغناء فتـطرب

يا الله: وقف العلماء حائرين عند حمدك، وذهل الشعراء عند بيان قدرك، وأداء حقك، وعجزت البلاغة عن التعبير عن حمدك وشكرك، فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك، وعظيم سلطانك.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم تسليماً كثيراً - أما بعد:

أيها الناس: يقول الحق - جل وعلا -: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}1 فيا تُرى كيف صبر الأنبياء وأولوا العزم منهم؟ كيف صبروا على أذى أقوامهم، وتبليغ رسالة ربهم، وذكر ربهم، وتقديس خالقهم؟

أيها المسلمون الكرام: كونوا معنا نعيش مع ومضات من ذكر هؤلاء الأنبياء، واتباعهم لربهم، ونقبس قبسات من تمجيدهم لخالقهم - سبحانه -، حتى تكون لنا فيهم القدوة الحسنة والمثال الأسمى في هذا الباب الواسع العظيم.

* ذكر الله - تعالى -:

عن خالد بن معدان - رحمه الله - قال: كان إبراهيم خليل الله - عليه السلام - إذا أتى بقطف من العنب أكل حبة حبة، وذكر اسم الله - تعالى - على كل حبة!!2

وقال الله سبحانه عن نبيه زكريا - عليه السلام -: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ}3.

وقال عن نبيه يونس - عليه السلام -: {فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ * لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}4 "أي: في وقته السابق بكثرة عبادته لربه، وتسبيحه، وتحميده"5.

وقال سبحانه عن داود - عليه السلام -: {وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ * إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ}6.

وقال مسعر: "كانت دواب البحر في البحر تسكن، ويوسف - عليه السلام - في السجن لا يسكن عن ذكر الله، وكان لأبي هريرة - رضي الله عنه - خيط فيه ألف عقدة فلا ينام حتى يسبح به"7.

وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه - قال: قال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ((أحب الصيام إلى الله صيام داود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً، وأحب الصلاة إلى الله صلاة داود كان ينام نصف الليل، ويقوم ثلثه، وينام سدسه))8.

واسمع لبعض أخبار نبينا - عليه الصلاة والسلام - مع ذكر الله - تعالى - قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: ((والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة))9، وفي مسلم: ((وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة))10.

وعن ابن عمر - رضي الله عنه - قال: "كان يُعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المجلس الواحد مائة مرة من قبل أن يقوم: "رب اغفر لي، وتب علي؛ إنك أنت التواب الغفور"11، وهو رسول الله، من غُفِرَ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

قال عبد الله بن رواحة - رضي الله عنه -:

وفينا رسولُ الله يتلو كتـابه        كما لاحَ مشهورٌ من الصبح ساطعُ

أتى بالهدى بعد العمى فقلوبنا       له موقنــــات إنَّما قالَ واقِعُ

يبيتُ يجـافي جنبه عن فراشه       إذا استثقلت بالمشركينَ المضاجـعُ12

وانظر كذلك إلى حال أتباع الرسل من الصحابة والتابعين - رضوان الله عليهم - مع هذا الخُلُق العظيم، فلقد ضربوا - والله - أروع الأمثلة في ذلك، وكانوا خير سلف لمن بعدهم، رغم قلة ذنوبهم، وكثرة خوفهم من ربهم، لكنهم الشاكرين حقاً، الذاكرين لله صدقاً

أولئك آبائي فجئني بمثلـهم         إذا جمعتننا يا جرير المحافل

"قال أبو هريرة - رضي الله عنه -: إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم اثني عشر ألف مرة، وذلك على قدر ذنبي، وفي رواية بقدر ديتي"13، وذكر ابن رجب - رحمه الله -: "أن أبا هريرة كان لا ينام حتى يسبح ألف تسبيحة"14، وانظر إلى حال هذه الأسرة المباركة أسرة أبي هريرة - رضي الله عنه - كيف عمرت أوقاتها بذكر الله - سبحانه -، فقد قال أبو عثمان النهدي: تضيّف أبا هريرة سبعاً، فكانوا يعتقبون الليل أثلاثاً، ثلثاً هو، وثلثاً امرأته، وثلثاً خادمه!15.

وقال رياح القيسي: "لي نيِّفٌ وأربعون ذنباً قد استغفرتُ الله لكلِّ ذنب مئة ألف مرّة"16. سبحان الله قد عرفوا ذنوبهم وعدوها، لأنها شغلهم الشاغل - رضوان الله عليهم -، أما نحن فذنوب لا تُعد ولا تحصى، ورغم هذا قليل من يذكر ذنبه فيستغفر ربه - نسأل الله السلامة والعافية -.

"وقال الحسن: أحبّ عباد الله إلى الله أكثرهم له ذكراً، وأتقاهم قلباً"17.

عباد الله: إن الذكر لذة قلوب العارفين قال الله - تعالى -: {الَّذِينَ آمَنُواْ وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللّهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ}18، و"هو قوام الحياة الروحية، وهو العنصر الفعَّال الَّذي يتفاعل داخل كيان الذاكر، ويتَّحد مع ذرَّات القلب ليتحوَّل إلى طاقة نورانيَّة ربانيَّة، تولِّد في روح المؤمن القوَّة والنشاط، وتدفعه للقيام بالمزيد من الطاعات والعبادات والعمل المنتج، وهو عطاء مستمر لا ينقطع، ومن ثمراته خروج المؤمن من الظلمات النفسيَّة والماديَّة إلى رحاب الحقِّ والحكمة والعمل الصالح، وهذا من رحمة الله بعباده وهو أرحم الراحمين"19.

قال ذو النون - رحمه الله -: "ما طابت الدنيا إلا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنة إلا برؤيته

أبدا نفوس الطالبيــــ          ن إلى طلولكم تحن

كذا القلوب بذكركــم بـعد المخافة تطمئن

حنــت بحبكم ومـــن       يهوي الحبيب ولا يحن"

قال ابن رجب - رحمه الله -: "وكان عامة كلام ابن سيرين: سبحان الله العظيم، سبحان الله وبحمده، وكان المغيرة بن حكيم الصنعاني إذا هدأت العيون نزل إلى البحر، وقام في الماء يذكر الله مع دواب البحر، ونام بعضهم عند إبراهيم بن أدهم قال: فكنت كلما استيقظت من الليل وجدته يذكر الله، فأغتم ثم أعزي نفسي بهذه الآية: {ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء}"20، وقال معروف الكرخي: سمعت عمي معروفاً يقول: كلام العبد فيما لا يعنيه خذلان من الله - تعالى -"21، فكانت حياة معروف - رحمه الله - ذكر وتسبيح وتهليل قال الحسن بن منصور: كان حجام يأخذ من شارب معروف، وكان معروف يُسبّح، فقال الحجام: لا يتهيأ أخذ الشارب وأنت تسبح، فقال معروف: أنت تعمل وأنا لا أعمل؟

موت التقيّ حياة لا نفاد لها          قد مات قوم وهم في الناس أحياء

"وكان خالد بن معدان يسبح في اليوم أربعين ألف تسبيحة سوى ما يقرأ من القرآن، فلما مات ووضع على سريره ليغسل جعل يشير بأصبعه ويحركها يعني بالتسبيح"، نعم إن كرم الله وحكمته أن مَن عاش على شيء مات عليه، و((من مات على شيء بعثه الله عليه))22.

وقال ابن القيم - رحمه الله -: "وحضرت شيخ الإسلام ابن تيمية مرة صلى الفجر، ثم جلس يذكر الله - تعالى - إلى قريب من انتصاف النهار، ثم التفت إلي وقال: "هذه غدوتي ولو لم أتغد الغداء سقطت قوتي" أو كلاماً قريباً من هذا، وقال لي مرة: "لا أترك الذكر إلا بنية إجمام نفسي وإراحتها، لأستعد بتلك الراحة لذكر آخر" أو كلاماً هذا معناه"23.

وهذا الجنيد - رحمه الله - يقول عنه ابن كثير - رحمه الله -: كان له "في كل يوم ثلاثمائة ركعة، وثلاثين ألف تسبيحة، ولما حضرته الوفاة جعل يصلي ويتلو القرآن، فقيل له: لو رفقت بنفسك في مثل هذا الحال، فقال: لا أحد أحوج إلى ذلك منى الآن، وهذا أوان طي صحيفتي"24.

وهذا يعقوب بن يوسف بن أيوب أبو بكر المطوعي يقول عنه ابن كثير - رحمه الله -: "وكان ورده في كل يوم قراءة قل هو الله أحد إحدى وثلاثين ألف مرة، أو إحدى وأربعين ألف مرة"25.

أيها المسلمون: قال ابن القيم - رحمه الله -: "إن للذكر من بين الأعمال لذة لا يشبهها شيء، فلو لم يكن للعبد من ثوابه إلا اللذة الحاصلة للذاكر، والنعيم الذي يحصل لقلبه؛ لكفى به، ولهذا سميت مجالس الذكر رياض الجنة، قال مالك بن دينار: وما تلذذ المتلذذون بمثل ذكر الله - عز وجل - فليس شيء من الأعمال أخف مؤنة منه، ولا أعظم لذة، ولا أكثر فرحة وابتهاجاً للقلب"26.

عباد الله: لقد "كان حكيم بن حزام - رضي الله عنه - يقف بعرفة ومعه مئة بدنة مقلدة، ومئة رقبة، فيعتق رقيقه فيضج الناس بالبكاء والدعاء، ويقولون: ربنا هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فاعتقنا"27، فاعتقوا أنفسكم - عباد الله - بذكر ربكم مقتفين في ذلك آثار سلفكم في هذا الطريق الوضاء فـ((كل الناس يغدو فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها))28 .

فليكن لك أيها المسلم الحبيب في سيرة هؤلاء الرجال الأفذاذ قدوة حسنة، {وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ}29.

أخيرا عبد الله: "من عرف ما يطلب هان عليه كل ما يبذل"30.

والحمد لله رب العالمين.


1 سورة الأحقاف (35).

2 حلية الأولياء (ج5/ص211).

3 سورة الأنبياء (90).

4 سورة الصافات (143-144).

5 تفسير السعدي (1/707).

6 سورة ص (17-18).

7 جامع العلوم والحكم (1/446).

8 رواه البخاري برقم (3238)، ومسلم برقم (2796) واللفظ للبخاري.

9 رواه البخاري برقم (5948).

 10رواه مسلم برقم (7033).

11 رواه الترمذي في سننه برقم (3434)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي برقم (3434).

12 التذكرة الفخرية لبهاء الدين الإربلي (1/3).

13 انظر حلية الأولياء (ج1/ص200)، ولطائف المعارف (ج1/ص299).

14 انظر جامع العلوم والحكم (1/446).

15 المنتظم (ج4/ص71).

16 جامع العلوم والحكم محقق (44/17).

17 جامع العلوم والحكم (1/445).

18 سورة الرعد (28).

19 القرآن منهاج حياة (1/448).

20 جامع العلوم والحكم (1/446).

21 غذاء الألباب شرح منظومة الآداب لمحمد بن أحمد بن سالم السفاريني الحنبلي (1/54).

22 رواه الحاكم في المستدرك برقم (7872)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (283).

23 الوابل الصيب (1/63).

24 البداية والنهاية (11/114).

25 البداية والنهاية (11/84).

26 الوابل الصيب (1/110).

27 لطائف المعارف (ج1/ص299).

28 رواه مسلم برقم (556).

29 سورة آل عمران (41).

30 لطائف المعارف (ج1/ص299).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.03517