Share |

دروس / حديث

الأعمال التي يستحق صاحبها اللعن

 

الحمد لله رب العالمين، إله الأولين والآخرين، وجامع الناس ليوم الدين، والصلاة والسلام على محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

معلوم عند المسلمين أن أعمال بني آدم تنقسم إلى قسمين:

-         قسم يحبه الله تبارك وتعالى، ويرضاه وهي القربات.

-    وقسم لا يرضاه الله تبارك وتعالى ولا يحبه، بل تكون سبباً في سخط الرب جل وعلا على صاحب هذه الأفعال، ويكون حينئذ على خطر عظيم.

وربما أوصلت بعض هذه الأعمال التي لا يحبها الله تبارك وتعالى صاحبها إلى لعنة الله تبارك وتعالى، واللعن هو: "الإبعاد والطرد من الخير"، وقيل "الطرد والإبعاد من الله، ومن الخلق السب والدعاء"1؛ وقال الجرجاني رحمه الله: "اللعن من الله هو إبعاد العبد بسخطه، ومن الإنسان الدعاء بسخطه"2، ولخطورة ذلك أحببنا أن نتعرف في هذا الموضوع على بعض الأعمال التي من عملها كان من الملعونين، نسأل الله ألا نكون منهم، وأن يجنّبنا سبلهم بمنِّه وكرمه.

ومن أبرز الأعمال التي يستحق صاحبها اللعن ما يلي:

أولاً: فعل المعاصي عموماً، والكفر، والتمرد على الله رب العالمين، وكذلك النفاق: وأولهم وقائدهم إبليس لعنه الله قال الله تبارك وتعالى: {لَّعَنَهُ اللّهُ وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا}(سورة النساء:118)، وقال سبحانه: {وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ}(سورة الحجر:35)، ولعن إبليس يجوز وبخاصة إذا أتى إلى الإنسان في الصلاة يريد إشغاله فيها، والأفضل التعوذ منه لحديث أبي الدرداء رضي الله عنه قال: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعناه يقول: ((أعوذ بالله منك، ثم قال: ألعنك بلعنة الله ثلاثاً))، وبسط يده كأنه يتناول شيئاً، فلما فرغ من الصلاة قلنا: يا رسول الله قد سمعناك تقول في الصلاة شيئاً لم نسمعك تقوله قبل ذلك، ورأيناك بسطت يدك، قال: ((إن عدو الله إبليس جاء بشهاب من نار ليجعله في وجهي فقلت: أعوذ بالله منك ثلاث مرات ثم قلت: ألعنك بلعنة الله التامة فلم يستأخر ثلاث مرات، ثم أردت أخذه والله لولا دعوة أخينا سليمان لأصبح موثقاً يلعب به ولدان أهل المدينة)) رواه مسلم برقم (542)، وقال الله تعالى في الذين ماتوا على الكفر عياذاً بالله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ}(سورة البقرة:161)، ولعن المنافقين فقال تبارك وتعالى: {وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ َالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ}(سورة التوبة:68) لأنهم من جملة الكفرة.

ومن جملة من استحق اللعن اليهود لأنهم عرفوا الحق لكنهم لم يتبعوه بل كفروا به قال الله تبارك وتعالى عنهم: {وَلَمَّا جَاءهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ}(سورة البقرة:89)، وقال: {قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُم بِشَرٍّ مِّن ذَلِكَ مَثُوبَةً عِندَ اللّهِ مَن لَّعَنَهُ اللّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ}(سورة المائدة:60)، فهؤلاء اليهود هم من شر خلق الله تعالى لأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه قال الله: {مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً}(سورة النساء:46)، ولأنهم ينقضون مواثيقهم: {فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ لَعنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ وَلاَ تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}(سورة المائدة:13)، وقال تعالى: {وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ}(سورة البقرة:88)، ولأنهم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد فعن عائشة رضي الله عنها: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في مرضه الذي مات فيه: ((لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مسجداً)) قالت: "ولولا ذلك لأبرزوا قبره غير أني أخشى أن يتخذ مسجداً" رواه البخاري برقم (1265) و(1324)؛ ومسلم برقم (529)، ولأن الله لما حرم عليهم شحوم الميتة؛ اكتالوها فباعوها وأكلوا ثمنها، والله تبارك وتعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر رضي الله عنه يقول: "قاتل الله فلاناً ألم يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله اليهود حُرِّمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها)) رواه البخاري برقم (3273)؛ ومسلم برقم (1582).

ثانياً: الذبح لغير الله تبارك وتعالى، ومن لعن الوالدين، وإيواء من أحدث حدثاً، والحدث يشمل من أحدث في الدين مثل البدع، ويشمل ما أحدث في الأرض على جهة الإفساد والله أعلم، وتغيير منار الأرض، وتولية الإنسان غير مواليه، وعمل قوم لوط، ودلالة الأعمى على غير السبيل وذلك لحديث أبي الطفيل عامر بن واثلة رضي الله عنه قال: كنت عند علي بن أبي طالب فأتاه رجل فقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يُسِرُّ إليك؟ قال: فغضب وقال: ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يسر إلي شيئاً يكتمه الناس؛ غير أنه قد حدثني بكلمات أربع، قال: فقال ما هن يا أمير المؤمنين؟ قال: ((لعن الله من لعن والده، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى محدثاً، ولعن الله من غيَّر منار الأرض)) رواه مسلم برقم (1978)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من غيَّر تخوم الأرض، ولعن الله من كمه الأعمى عن السبيل، ولعن الله من سب والده، ولعن الله من تولى غير مواليه، ولعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، ولعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط، ولعن الله من عَمِلَ عَمَلَ قوم لوط))3.

ثالثاً: أذية الله ورسوله صلى الله عليه وسلم: قال الله تبارك وتعالى -: {إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُّهِينًا}(سورة الأحزاب:57).

رابعاً: الكذب والظلم: قال الله تعالى: {فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(سورة آل عمران:61)، وقال: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُواْ نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(سورة الأعراف:44)، وقال الله تبارك وتعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(سورة هود:18).

خامساً: التعامل بالربا وأكله، والشهادة عليه وكتابته: فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: لا تصلح سفقتان في سفقة، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله، وشاهده وكاتبه))4، وعنه رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله آكل الربا وموكله، وشاهديه وكاتبه، قال: وقال ما ظهر في قوم الربا والزنا إلا أحلوا بأنفسهم عقاب الله عز وجل))5.

سادساً: بيع الخمر وشربها، وحملها، وعصرها: فعن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الخمر وشاربها، وساقيها وبايعها، ومبتاعها وعاصرها، ومعتصرها وحاملها، والمحمولة إليه))6، وعنه رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله الخمر ولعن شاربها، وساقيها وعاصرها، ومعتصرها وبائعها، ومبتاعها وحاملها، والمحمولة إليه وآكل ثمنها))7.

سابعاً: الوشم والنمص وتغيير خلق الله تبارك وتعالى، ووصل الشعر، وتوصيله، والتصوير، وتفليج الأسنان من أجل التجمل والحسن: فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: ((لعن الله الواشمات والمتوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله)) فبلغ ذلك امرأة من بني أسد يقال لها "أم يعقوب" فجاءت فقالت: إنه بلغني أنك لعنت كيت وكيت، فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن هو في كتاب الله؟ فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول، قال: لئن كنت قرأتيه لقد وجدتيه، أما قرأت {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا}(سورة الحشر:7)، قالت: بلى، قال: فإنه قد نهى عنه، قالت: فإني أرى أهلك يفعلونه، قال: فاذهبي فانظري، فذهبت فنظرت فلم تر من حاجتها شيئاً، فقال: لو كانت كذلك ما جامعتنا"8 رواه البخاري برقم (4604)، وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ((لعن الله الواشمات، والمستوشمات، والمتنمصات، والمتفلجات للحسن؛ المغيرات خلق الله تعالى)) ما لي لا ألعن من لعن النبي صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله {وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ}(سورة الحشر:7) إلى {فَانتَهُوا})) رواه البخاري برقم (5587)، وعنه رضي الله عنه قال: "لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله، ما لي لا ألعن من لعنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في كتاب الله؟" رواه البخاري برقم (5599)، وعن عائشة رضي الله عنها: أن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها، فتمعط شعر رأسها؛ فجاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له فقالت: إن زوجها أمرني أن أصل في شعرها، فقال: ((لا إنه قد لُعِن المُوصِلات)) رواه البخاري برقم(4909)، وعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة)) رواه البخاري برقم (5589)، وعن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: "لعن النبي صلى الله عليه وسلم الواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، ونهى عن ثمن الكلب وكسب البغي، ولعن المصورين" رواه البخاري برقم (5032)، والواشمات هي كما قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "الواشمات جمع واشمة بالشين المعجمة وهي التي تشم، والمستوشمات جمع مستوشمة وهي التي تطلب الوشم"9؛ وقال: "قال أبو داود في السنن: "الواشمة التي تجعل الخيلان في وجهها بكحل أو مداد، والمستوشمة المعمول بها"10، وقيل: "الواشمات: جمع واشمة من الوشم وهو غرز إبرة أو مسلة ونحوهما في ظهر الكف أو المعصم أو الشفة وغير ذلك من بدن المرأة حتى يسيل منه الدم، ثم يحشى ذلك الموضع بكحل أو نورة أو نيلة؛ ففاعل هذا واشم وواشمة، والمفعول بها موشومة، فإن طلبت فعل ذلك فهي مستوشمة، وهو حرام على الفاعل والمفعول بها باختيارها، والطالبة له، فإن فُعِلَ بطفلة فالإثم على الفاعلة لا على الطفلة لعدم تكليفها حينئذ"11، وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "المتنمصة التي تطلب النِّمَاص، والنامصة التي تفعله، والنماص إزالة شعر الوجه بالمنقاش، ويسمى المنقاش منماصاً لذلك، ويقال: إن النماص يختص بإزالة شعر الحاجبين لترفيعهما أو تسويتهما، قال أبو داود في السنن: النامصة التي تنقش الحاجب حتى ترقه"12، وقال السندي رحمه الله: "المتنمصات النمص نتف الشعر، والتفلج التكلف لتحصيل الفلجة بين الأسنان باستعمال بعض الآلات، وقوله: للحسن متعلق بالمتفلجات فقط، أو بالكل؛ المغيرات أي: خلق الله"13، وقال الحافظ وابن عبد البر رحمهما الله: "الواصلة أي التي تصل الشعر سواء كان لنفسها أم لغيرها، والمستوصلة: أي التي تطلب فعل ذلك، ويفعل بها"14، وقال النووي رحمه الله: "أما الواصلة فهي التي تصل شعر المرأة بشعر آخر، والمستوصلة التي تطلب من يفعل بها ذلك، ويقال لها: موصولة، وهذه الأحاديث صريحة في تحريم الوصل، ولعن الواصلة، والمستوصلة مطلقاً، وهذا هو الظاهر المختار، وقد فصله أصحابنا فقالوا: إن وصلت شعرها بشعر آدمي فهو حرام بلا خلاف سواء كان شعر رجل أو امرأة، وسواء شعر المحرم والزوج وغيرهما بلا خلاف لعموم الأحاديث، ولأنه يحرم الانتفاع بشعر الآدمي وسائر أجزائه لكرامته، بل يدفن شعره وظفره وسائر أجزائه، وإن وصلته بشعر غير آدمي فإن كان شعراً نجساً وهو شعر الميتة، وشعر ما لا يؤكل إذا انفصل في حياته؛ فهو حرام أيضاً للحديث، ولأنه حمل نجاسة في صلاته وغيرها عمداً، وسواء في هذين النوعين المزوجة وغيرها من النساء، والرجال، وأما الشعر الطاهر من غير الآدمي فإن لم يكن لها زوج ولا سيد فهو حرام أيضاً، وإن كان فثلاثة أوجه: أحدها: لا يجوز لظاهر الأحاديث، والثاني: لا يحرم، وأصحها عندهم إن فعلته بإذن الزوج أو السيد جاز وإلا فهو حرام"15.

ثامناً: السرقة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه: عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)) رواه البخاري برقم (6401) و(6414)؛ ومسلم برقم (1687).

تاسعاً: التحليل: فعن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((لعن الله المحلل والمحلل له))16، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ألا أخبركم بالتيس المستعار؟)) قالوا: بلى يا رسول الله، قال: ((هو المحلل، لعن الله المحلل والمحلل له))17 قال صاحب عون المعبود رحمه الله: "المحلل من التحليل وهما بمعنى أي الذي تزوج مطلقة غيره ثلاثاً بقصد أن يطلقها بعد الوطء ليُحل المطلق نكاحها، قيل سمي محللاً لقصده إلى التحليل، والمحلل له بفتح اللام الأولى أي: الزوج الأول، وهو المطلق ثلاثاً"18.

عاشراً: وسم الحيوانات، والتمثيل بها: فعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: مرَّ ابن عمر بفتيان من قريش قد نصبوا طيراً وهم يرمونه، وقد جعلوا لصاحب الطير كل خاطئة من نبلهم؛ فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، فقال ابن عمر: "من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن من اتخذ شيئاً فيه الروح غرضاً))" رواه مسلم برقم (1958)، وعن جابر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم مرَّ عليه حمار قد وُسم في وجهه فقال: ((لعن الله الذي وسمه)) رواه مسلم برقم (2117)، وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((لعن الله من مثَّل بالحيوان))19، وعن سعيد بن جبير رضي الله عنه قال: خرجت مع ابن عمر رضي الله عنهما في طريق من طرق المدينة، فرأى فتياناً قد نصبوا دجاجة يرمونها لهم كل خاطئة، فقال: من فعل هذا، وغضب فلما رأوا ابن عمر تفرقوا، ثم قال ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله من يمثل بالحيوان))20.

الحادي عشر: تشبه الرجال بالنساء والعكس: فعن عكرمة عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حجاج: ((لعن الله المتشبهين من الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال))21.

الثاني عشر: الرشوة: فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله الراشي والمرتشي في الحكم))22.

الثالث عشر: زيارة النساء للمقابر: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لعن الله زوارات القبور))23، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور، والمتخذين عليها المساجد والسرج"24 .

الرابع عشر: كتم العلم من العلماء: قال الله تبارك وتعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ}(سورة البقرة:159).

هذا ما تيسر جمعه في هذا المقام.

مع ملاحظة أنه لا يجوز للمسلم أن يشهد على شخص معين باللعنة أو أن يحكم عليه بها إلا ما شهد به النبي صلى الله عليه وسلم؛ حتى لو اقترف هذا الشخص بعض الأعمال التي تكون سبباً في اللعن؛ وذلك لأن لعن المعين لا يجوز، ولأن المسلم ليس بطعَّان، ولا لعَّان، ولا فاحش بذيء كما قال ذلك النبي صلى الله عليه وسلم25.

فلا يجوز إذن لعن المعين مطلقاً حتى ولو كان كافراً إلا إذا مات على الكفر - عياذاً بالله تعالى -، والعلة في ذلك - والله أعلم - أنه ربما هداه الله تعالى إلى الإسلام، أما معنى اللعن فهو الطرد من رحمة الله تبارك وتعالى، وأما عدم تخصيص شخص معين باللعن فجائز لقول الله: {أَلاَ لَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}(سورة هود:18)، وقال الله تبارك وتعالى: {فَنَجْعَل لَّعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ}(سورة آل عمران:61) قال النووي رحمه الله: "لا يجوز لعن أحد بعينه مسلماً كان أو كافراً، أو دابةً إلا من علمنا بنص شرعي أنه مات على الكفر، أو يموت عليه؛ كأبي جهل وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام كلعن الواصلة والمستوصلة، والواشمة والمستوشمة، وآكل الربا وموكله، والمصورين والظالمين، والفاسقين والكافرين، ولعن من غير منار الأرض ومن تولى غير مواليه، ومن انتسب إلى غير أبيه ومن أحدث في الإسلام حدثاً أو آوى محدثاً وغير ذلك مما جاءت به النصوص الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان، والله أعلم"26، ومن لعنه الله تبارك وتعالى فقد ضل وخاب وخسر ولن تجد له نصيراً قال الله تبارك وتعالى -: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا}(سورة النساء:52)، وقال: {أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ}(سورة محمد:23).

نسأل الله تعالى أن يوفقنا لرضاه، وأن يجنبنا أسباب سخطه، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على البشير النذير والسراج المنير نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.


1 لسان العرب (13/387) لمحمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، دار صادر - بيروت، ط1؛ والنهاية في غريب الأثر (4/511)؛ مختار الصحاح (612) للعلامة محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون - بيروت 1415هـ - 1995م.

2 التعريفات (247) لعلي بن محمد بن علي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي - بيروت، ط1 1405هـ.

3 رواه أحمد في المسند برقم (2817) ورقم (2915)؛ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (3462) للإمام محمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف - الرياض.

4 رواه أحمد في المسند برقم (3725) وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره وهو قسمان: موقوف ومرفوع، المرفوع منه إسناده حسن رجاله ثقات رجال الشيخين غير سماك بن حرب فمن رجال مسلم، والموقوف منه إسناده حسن؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9220)، وفي صحيح الجامع برقم (5089).

5 رواه أحمد في المسند برقم (3809) وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9220)، وفي صحيح الجامع برقم (5089).

6 رواه أبو داود برقم (3674) للحافظ سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر؛ وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (839).

7 رواه أحمد في المسند برقم (5716) وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح بطرقه وشواهده؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9222)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5091).

8 أي ما صاحبتنا بل كنا نطلقها ونفارقها، انظر: المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج (14/107) لأبي زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، ط2، 1392هـ.

9 فتح الباري لابن حجر (10/372) للحافظ أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن أحمد بن حجر العسقلاني، تحقق: عبد العزيز بن عبد الله بن باز ومحب الدين الخطيب، رقم كتبه وأبوابه وأحاديثه وذكر أطرافها: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر.

10 فتح الباري لابن حجر (10/372).

11 عمدة القاري شرح صحيح البخاري (19/225) للعلامة بدر الدين العيني الحنفي؛ وقاله النووي في شرح مسلم (14/106).

12 فتح الباري لابن حجر (10/377).

13 حاشية السندي على النسائي (8/146) لأبي الحسن محمد بن عبد الهادي السندي المدني الحنفي.

14 فتح الباري لابن حجر (10/375)؛ التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (7/217) لأبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي، ‏محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية - المغرب، 1387هـ؛ والاستذكار (8/430) لابن عبدالبر،  تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية - بيروت، ط1، سنة النشر: 1421هـ - 2000م.

15 شرح النووي على مسلم (14/103).

16 رواه أبو داود برقم (2076) للحافظ سليمان بن الأشعث أبو داود السجستاني الأزدي، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد، دار الفكر؛ وصححه الألباني في صحيح أبي داود برقم (1527)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5101).

17 رواه ابن ماجة برقم (1936) للحافظ محمد بن يزيد أبو عبدالله القزويني، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر - بيروت؛ وحسنه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (4361)، وفي صحيح الجامع برقم (2596).

18 عون المعبود شرح سنن أبي داود (6/62) للعلامة محمد شمس الحق العظيم آبادي أبو الطيب، دار الكتب العلمية - بيروت، ط2، 1415هـ.

19 رواه النسائي برقم (4442) للحافظ الإمام أحمد بن شعيب أبو عبد الرحمن النسائي، تحقيق : عبدالفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية - حلب، ط2، 1406هـ - 1986م؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9244)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5113).

20 رواه أحمد في المسند برقم (5801)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري رجاله ثقات رجال الشيخين غير المنهال بن عمرو فمن رجال البخاري.

21 رواه أحمد في المسند برقم (3141)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط البخاري؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9231)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5100).

22 رواه أحمد في المسند برقم (9019)، وقال شعيب الأرناؤوط: صحيح لغيره وهذا إسناد حسن؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9224)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5093).

23 رواه أبو داود الطيالسي في مسنده برقم (2358) للإمام الحافظ سليمان بن داود أبو داود الفارسي البصري الطيالسي، دار المعرفة - بيروت؛ وأبو يعلى في مسنده برقم (5908)، وقال حسين سليم أسد: إسناده حسن، أحمد بن علي بن المثنى أبو يعلى الموصلي التميمي، تحقيق: حسين سليم أسد، دار المأمون للتراث - دمشق، ط1، 1404هـ - 1984م؛ والبيهقي في السنن الكبرى برقم (6996) للإمام الحافظ أحمد بن الحسين بن علي بن موسى أبو بكر البيهقي، تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز - مكة المكرمة 1414هـ - 1994م؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته برقم (9240)؛ وفي صحيح الجامع برقم (5109).

24 رواه الترمذي برقم (320)؛ وصححه ابن حبان في صحيحه برقم (3180)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح؛ والبيهقي في السنن الكبرى برقم (2170)؛ وضعفه الألباني في ضعيف الترمذي برقم (51).

25 رواه أحمد في المسند برقم (3948) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، وقال  شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح رجاله ثقات رجال الصحيح، تحقيق: شعيب الأرناؤوط وآخرون، مؤسسة الرسالة، ط2، 1420هـ - 1999م.

26 شرح النووي على مسلم (2/67).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01494