Share |

رسائل عاجلة

إلحق بالقافلة

 

الحمد لله غافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، إمام التائبين، وسيد الأوابين، وقدوة الناس أجمعين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين، من لم تفارقهم التوبة حتى جاءهم اليقين، ولم تتركهم الأوبة في أي حين، فصلاة الله وسلامه عليهم أجمعين، ما تاب تائب وما اتصل أنين، وما ازداد عدد المنيبين والمستغفرين، أما بعد:

فإلى كل من لا يزال في بحار التيه غارق، وإلى كل صاحب معصية سابق، وعن أمر ربه مارق، إلى كل من غرته الحياة وزينتها، وألهته الدنيا عن ضرتها، ونسي السكرات وفجئتها، إلى كل من غفل عن قدرة الله - تعالى - عليه، وتمادى في معصية من أمر الدنيا والآخرة يرجع إليه، إلى كل أولئك نقول: اسمعوا إلى ربكم الرحيم الرحمن، الذي وسعت رحمته كل شيء، اسمعوا إليه وهو يدعو عباده إلى التوبة والقرب منه مع أنه هو الغني وهم الفقراء يقول - سبحانه وتعالى -: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}1، قال الإمام السعدي - رحمه الله تعالى -: "يخبر - تعالى - عباده المسرفين (أي المكثرين من الذنوب) بسعة كرمه، ويحثهم على الإنابة قبل أن لا يمكنهم ذلك، فقال: (قل) يا أيها الرسول، ومن قام مقامه من الدعاة لدين الله مخبراً للعباد عن ربهم (يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم) باتباع ما تدعوهم إليه أنفسهم من الذنوب، والسعي في مساخط علام الغيوب (لا تقنطوا من رحمة الله) أي لا تيأسوا منها فتلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وتقولوا قد كثرت ذنوبنا، وتراكمت عيوبنا؛ فليس لها طريق يزيلها، ولا سبيل يصرفها؛ فتبقون بسبب ذلك مصرين على العصيان، متزودين ما يغضب عليكم الرحمن، ولكن اعرفوا ربكم بأسمائه الدالة على كرمه وجوده، واعلموا (إن الله يغفر الذنوب جميعاً) من الشرك والقتل، والزنا والربا، والظلم وغير ذلك من الذنوب الكبار والصغار (إنه هو الغفور الرحيم) أي: وصفة المغفرة والرحمة وصفان لازمان ذاتيان لا تنفك ذاته عنهما، ولم تزل آثارهما سارية في الوجود، مالئة للموجود، تسح يداه من الخيرات آناء الليل والنهار"2.

فما أجمله من خطاب يخاطب الله - تعالى - به أهل الذنوب والتقصير، فلم يطردهم من رحمته؛ بل يدعوهم إلى مغفرته، وكل ذلك لأنه اتصف بوصف لازم أنه هو الغفور الرحيم.

إنه قد كان أناس وقعوا فيما يبعدهم عن ربهم، لكنهم سرعان ما شعروا بالضيق، وأحسوا بالضنك، فلم يهنأ لهم عيش، ولم يهدأ لهم بال؛ إلا بالقرب من العظيم ذي الجلال، فلحقوا بقوافل التائبين، وانضموا إلى جماعة المنيبين، نظروا إلى ذنوبهم فرأوها عظيمة، ونظروا إلى رحمة الله فرأوها أعظم، فلم يغلبهم اليأس، بل استبشروا برحمة الله - تعالى - التي وسعت كل شيء {وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ}3، وبادروا بالحسنات حتى يمحو الله بها السيئات {وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ }4، فهم يعلمون أن رحمة الله قريب ممن أحسن وعمل عملاً صالحاً، فذلك أولى بالرحمة من الله - تعالى -، وأقرب من عفوه ومغفرته {إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ}5.

ومهما كان الذنب، ومهما عظمت المعصية؛ فإن صاحبها إذا أقبل بقلب منكسر، ونفس تائبة مستغفرة، فتاب وآمن وعمل صالحاً؛ فإن الله - تعالى - يبدل لهم السيئات حسنات {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا * إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا}6.

إن قافلة التائبين قد ردد فيها الحادي ((إن الله - عز وجل - يبسط يده بالليل؛ ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار؛ ليتوب مسيء الليل، حتى تطلع الشمس من مغربها))7.

قد تحط القافلة رحلها ليتفرق أصحابها كل مشغول بخطاب ربه له وهو يقول: ((يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي، يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئاً؛ لأتيتك بقرابها مغفرة))8.

أخي الحبيب إلحق بالقافلة فما زال في الوقت متسع، فلعل قاطع طريق يمنعك من اللحاق بها {وَجَاءتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ}9، فلا ينفع عندها الندم، ولا نظر عندها للألم {حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ}10.

إن هذه القافلة لا تشترط على من انضم إليها ألا يقع في هفوة، وألا تكون منه كبوة، لكنها تشترط عليه سرعة الأوبة، والاستعجال في التوبة {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُواْ أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُواْ اللّهَ فَاسْتَغْفَرُواْ لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ اللّهُ وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ}11.

ما بالك بقافلة كل أهلها يبكون؟ ومما اقترفوا يفرون؟ وإلى ربهم يلجئون؟ وفي ليلهم ونهارهم يستغفرون؟ ومن عذاب الله وجلون؟ فعلى أي صورة تأتيهم المنون؟ الجواب: على أحسن ما يكون!.

فالحق بالركب، وكن مع التائبين {وَسَارِعُواْ إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}12.

اللهم تقبل توبتنا، واغسل حوبتنا، وأصلح فساد قلوبنا، واغفر لنا ما قدمنا وما أخرنا.. آمين.


 

1 سورة الزمر (53).

2 تفسير السعدي (1/727).

3 سورة الأعراف (156).

4 سورة هود (114).

5 سورة الأعراف (56).

6 سورة الفرقان (68-70).

7 مسلم (4954).

8 الترمذي (3463) بلفظه، وأحمد (20499)، والدارمي(2669)، وصححه الألباني في صحيح الترمذي (3/175).

9 سورة ق (19).

10 سورة المؤمنون (99-100).

11 سورة آل عمران (135).

12 سورة آل عمران (133).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.08521