Share |

دروس / فقه

أثر الإكراه على الأحكام الشرعية

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد:

فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها ولا يؤاخذ الإنسان إلا بما فعله مختاراً ذاكراً غير مكره ولا ناس ولا مضطر، وهذا من تمام الدين ويسر الشريعة ومراعاتها لمصالح الناس الآنية والمستقبلية، ومن المسائل التي عنيت بها الشريعة الإسلامية مسألة الإكراه وأثره على الأحكام الشرعية، وهو ما سيتم التطرق إليه في هذا الدرس.

الإكراه في اللغة جاء من الفعل: "كَرَهَ"، والاسم: "الكَرهُ" ويراد به كل ما أكرهك غيرك عليه، بمعنى: أقهرك عليه، وأما "الكُرْه" فهو المشقـة، يُقال: قمت على كُرْهٍ، أي: على مشقة.1

أما في الاصطلاح فقد عرفه المناوي بأنه: "حمل الغير على ما يكرهه بالوعيد الشديد"2، وعرفه البركتي بأنه: "إجبار أحد على أن يعمل عملاً بغير حق من دون رضاه بالإخافة"3، أما السرخسي فقد عرف الإكراه بقوله: "الإكراه اسم لفعل يفعله المرء بغيره فينتفي به رضاه أو يفسد به اختياره من غير أن تنعدم به الأهلية في حق المكره أو يسقط عنه الخطاب"4.

ومن خلال هذه التعاريف يبدو أن المعنى فيها متقارب من حيث إن المكلف يضطر إلى الفعل بسبب ضغط لا يقوى على رده، وبعبارة أخرى أن الأمر المشترك بين العبارات المتقدمة تقيد الإكراه بوجود مؤثر خارجي يلجئ من خلاله الفرد إلى فعل شيء لا يريد فعله، فإذا زال هذا المؤثر، فلا بد أن يعود المكلف إلى أصل العمل، ولذا قال الفقهاء بأن فعل المُكرَه لا ينسب إليه وإنما ينسب للمُكرِه.5

المكره غير مؤاخذ في ما يقول ويفعل:

يقول الله سبحانه وتعالى: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} (106) سورة النحل،

ولذلك لما اشتد العذاب على عمار بن ياسر وأصحابه من قبل كفار قريش وأكره -رضي الله عنه وعن أبيه- وقال كلمة الكفر وتلفَّظ بها وقلبه مطمئنٌ بالإيمان؛ أَسقط الشرع تأثير هذا اللفظ بوجود الإكراه؛ فدل على أن الإكراه يُفْسِد ويمنع المؤاخذة، وهذا أصل عند العلماء.

وقصة عمار بن ياسر معروفة مشهورة وقد روى العوفي عن ابن عباس أن هذه الآية: {مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ} نزلت في عمار بن ياسر حين عذبه المشركون حتى يكفر بمحمد -صلى الله عليه وسلم- فوافقهم على ذلك مكرهاً، وجاء معتذراً إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله هذه الآية.

وعن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي صلى الله عليه وسلم وذكر آلهتهم بخير ثم تركوه، فلما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما وراءك؟) قال: شر يا رسول الله ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير قال: (كيف تجد قلبك؟) قال: مطمئن بالإيمان، قال: (إن عادوا فعد)6.

لذلك قال الإمام ابن العربي -رحمه الله- في تفسيره لهذه الآية: إنها أصلٌ عند أهل العلم في إسقاط المؤاخذة عن المكره؛ لأنه إذا لم يؤاخذ بالردة وهي أعظم ما يكون فمن باب أولى ألا يؤاخذ على غيرها.7

ومما يدل على عدم المؤاخذة على أفعال المكره ما ثبت عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)8.

أحوال الإكراه من جهة الوقوع وعدمه:

الإكراه في الحقيقة له حالتان:

الحالة الأولى: أن يُجعل الشخص تحت الألم ويحس بالألم، فهذه الحالة لا يُشك أنه صار فيها مكرهاً.

الحالة الثانية: أن يُهَدد بشيء، فهناك صورتان:

الصورة الأولى: يُهدد، ويكون تحت نار العذاب مثل أن يُخنق ووجد ألم الخنق، وغلب على ظنه أنه إذا استمر الخنق مات وهلك، فهذا مكرَه، ولا نقول: انتظر حتى تصير في الغرغرة أو تقارب الموت؛ لأنه إذا صار في الغرغرة قد لا يستطيع أن يتكلم؛ ولذلك قالوا: لا يشترط في الضرورة والإلجاء أن يصير إلى حد الهلاك، بل يكفي غلبة الظن كما قرره ابن جزي في قوانين الأحكام وبعض أئمة التفسير في آيات الميتة.

الصورة الثانية: لو هُدِّد ولم يُفعل به شيء، ففيه خلاف، جاء عن أحمد ما يدل على أنه ليس بمكره؛ ولذلك لما وقعت فتنة خلق القرآن، امتنع -رحمه الله- وأصرّ على قول الحق، وذاق ما ذاق من الصبر على السنة والحق.9

أحوال الإكراه من جهة الإلجاء وعدمه:

إذا وصف الإنسان بكونه مكرهاً فهناك حالتان:

الحالة الأولى: أن يكون مكرهاً على وجهٍ لا يمكن بحالٍ أن ينصرف عنه إلى غير المطلوب منه، وهذا يسميه العلماء: الإكراه التام، والإكراه الملجئ، بمعنى: أن يوقع الشيء الذي يُطلب منه ولا يستطيع أن ينفك عنه بحال، وذكروا لذلك مثالاً: لو أن شخصاً رُبطت يداه وكتف ولم يستطع الحركة، ثم رُمي على غيره فمات، فإنه قد قتل غيره بدون اختيار، والإكراه في هذه الحالة ملجئ وتام؛ لأنه ليس للشخص أي حيلة في دفع ما طُلِب منه وما أكره عليه.

الحالة الثانية: الإكراه الناقص، حيث يكون عنده نوع اختيار ويطلب منه شيء ويهدد بشيء، ولا يكون فيه إكراه إلا إذا كان الشيء الذي يُهدد به ويقهر به مؤلماً ومضراً، أو متلفاً لجزء من أجزاء بدنه، أو لماله، أو لولده، أو لمصلحة من مصالحه، بشرط أن تكون هذه المصلحة فواتها أعظم من الطلاق.10

الإكراه في الأقوال:

قال ابن رجب -رحمه الله-: اتفق العلماء على صحته وأن من أكره على قول محرم إكراهاً معتبرًا أن له أن يفتدي نفسه، ولا إثم عليه، والإكراه متصور في سائر الأقوال، فمتى أكره على قول من الأقوال لم يترتب عليه حكم من الأحكام وكان لغوًا. 11

شروط الإكراه:

ولم يجعل العلماء هذه التقسيمات هي القول الفيصل، وإنما وضعوا شروطاً للإكراه كأساس في وقوعه وتتمثل بالآتي:

1.   قدرة المكرِه على تحقيق ما هدد به بولاية أو تغلب أو فرط هجوم.

2.   عجز المكرَه عن دفعه بهرب أو استغاثة أو مقاومة.

3.   ظنه أنه إن امتنع عما أكره عليه أوقع به المتوعد.

4. كون المتوعد مما يحرم تعاطيه على المكرِه، فلو قال ولي القصاص للجاني: طلقها وإلا اقتصصت منك، لم يكن إكراهاً.

5.   أن يكون عاجلاً، فلو قال: طلقها وإلا قتلتك غداً، فليس بإكراه.

6.   أن يكون معيناً، فلو قال: اقُتلْ زيداً أو عمراً، فليس بإكراه.

7.   أن يحصل بفعل المكره عليه التخلص من المتوعد به، فلو قال: اقُتلْ نفسك وإلا قتلتك، فليس بإكراه.

8.   يشترط في الإكراه على كلمة الكفر طمأنينة القلب بالإيمان، فلو نطق معتقداً بها كفر.

قال الماوردي: والأحوال الثلاثة الأولى يأتي مثلها في الطلاق، ولا يشترط في الطلاق التورية بأن ينوي غيرها على الأصح، وفي شرح المهذب: نص الشافعي على أن من أكره على شرب خمر أو أكل محرم يجب أن يتقيأ إذا قدر.

 أمر السلطان، هل يكون إكراهاً؟

اُختلِف في أمر السلطان، هل ينزل منزلة الإكراه؟ على وجهين أو قولين:

أحدهما: لا، وإنما الإكراه بالتهديد صريحاً كغير السلطان.

والثاني: نعم؛ لعلتين:

إحداهما: أن الغالب من حاله السطوة عند المخالفة.

والثاني: أن طاعته واجبة في الجملة فينتهض ذلك شبهة.

قال الرافعي -رحمه الله-: ومقتضى ما ذكره الجمهور صريحاً ودلالة: أنه لا ينزل منزلة الإكراه. قال: ومثل السلطان في إجراء الخلاف: الزعيم والمتغلب؛ لأن المدار على خوف المحذور من مخالفته.12

كلام المكره لغو:

قال ابن القيم رحمه الله: كلام المكره كله لغو لا عبرة به، وقد دل القرآن على أن من أكره على التكلم بكلمة الكفر لا يكفر، ومن أكره على الإسلام لا يصير به مسلماً، ودلت السنة على أن الله سبحانه تجاوز عن المكره فلم يؤاخذه بما أكره عليه، وهذا يراد به كلامه قطعاً، وأما أفعاله ففيها تفصيل، فما أبيح منها بالإكراه فهو متجاوز عنه كالأكل في نهار رمضان والعمل في الصلاة ولبس المخيط في الإحرام ونحو ذلك، وما لا يباح بالإكراه فهو مؤاخذ به كقتل المعصوم وإتلاف ماله وما اختلف فيه كشرب الخمر والزنا والسرقة، هل يحد به أو لا؟

فالاختلاف هل يباح ذلك بالإكراه أو لا؟

فمن لم يبحه حده به، ومن أباحه بالإكراه لم يحده، وفيه قولان للعلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد.

الفرق بين الأقوال والأفعال المكره عليها:

الفرق بين الأقوال والأفعال في الإكراه: أن الأفعال إذا وقعت لم ترتفع مفسدتها بل مفسدتها معها، بخلاف الأقوال فإنها يمكن إلغاؤها وجعلها بمنزلة أقوال النائم والمجنون، فمفسدة الفعل الذي لا يباح بالإكراه ثابتة بخلاف مفسدة القول فإنها إنما تثبت إذا كان قائله عالماً به مختاراً له، وقد روى وكيع عن ابن أبي ليلى عن الحكم بن عتيبة عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: قالت امرأة لزوجها: سمني فسماها الظبية فقال: ما قلت شيئا قال: فهات ما أسميك به قالت: سمني خلية طالقاً قال: أنت خلية طالق، فأتت عمر بن الخطاب، فقالت: إن زوجي طلقني، فجاء زوجها فقص عليه القصة فأوجع عمر رأسها، وقال لزوجها: خذ بيدها وأوجع رأسها.

فهذا الحكم من أمير المؤمنين بعدم الوقوع لما لم يقصد الزوج اللفظ الذي يقع به الطلاق بل قصد لفظاً لا يريد به الطلاق، فهو كما لو قال لأمته أو غلامه: إنها حرة وأراد أنها ليست بفاجرة، أو قال لامرأته: أنت مسرحة أو سرحتك ومراده تسريح الشعر، ونحو ذلك، فهذا لا يقع عتقه ولا طلاقه بينه وبين الله تعالى وإن قامت قرينة أو تصادقا في الحكم لم يقع به.13

هذه بعض الأحكام المتعلقة بالإكراه وأثره على بعض الأحكام الشرعية، ونسأل الله تعالى أن يوفقنا إلى ما يحب ويرضى، والحمد لله رب العالمين.


1 لسان العرب- لابن منظور الأفريقي المصري: دار صادر – بيروت، ط1، مادة كره: (13/534).

2 التعريفات: علي بن محمد بن علي الجرجاني: دار الكتاب العربي – بيروت- ط1، 1405هـ: (1/50).    

3 القواعد الفقهية: ص 188.    

4 المبسوط- لأبي بكر محمد بن أبي سهل السرخسي (7/269).    

5 المصدر نفسه: (7/269).

6 رواه الحاكم في المستدرك (3362)، قال الذهبي في التلخيص: على شرط البخاري ومسلم.

7 شرح زاد المستقنع - الشيخ الشنقيطي، نقلاً عن الشبكة الإسلامية.

8 رواه ابن ماجه في السنن (2045)، وابن حبان في صحيحه (7219)، وهو حديث صحيح.

9 شرح زاد المستقنع - الشيخ الشنقيطي، نقلاً عن الشبكة الإسلامية.

10 المصدر السابق.

11 جامع العلوم والحكم: لابن رجب الحنبلي: دار المعرفة – بيروت:ط1، 1408هـ (1/377).

12 الأشباه والنظائرللسيوطي (1/368).

13 زاد المعاد، لابن القيم (5/182).

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.0592