Share |

بحوث ومقالات / مقالات

الرياضة المشروعة

 

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيد ولد آدم، محمد بن عبد الله المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه الغر الميامين.

 أما بعد:

فإن الإسلام دين رضيه الله للإنسان، وحببه إلى نفوس الناس وجعل اتباعه شرف في الدنيا وعزة ورفعة، وفي الآخرة فلاح وفوز ونجاة، وهو دين شامل لكافة جوانب الحياة، فمن المعتقد السليم إلى العبادة الصحيحة الخالصة، إلى الأخلاق العالية والسمات الرفيعة، ولم يغفل الإسلام جوانب الاحتياجات النفسية والبدنية، بل أمر في كثير من الأدلة الشرعية بممارسة جوانب مهمة في حياة الإنسان، تنمي عقله، وتقوي جسمه، وتعينه على الدفاع عن نفسه، ومن تلك الأمور الرياضة البدنية والسباحة والرماية ونحو ذلك مما به قوة الجسم وكمال الجسد..

وسنقف في موضوعنا هذا مع قضية الرياضة والتدرب على بعض الممارسات الرياضة التي بها نماء البدن وقوة الجسد..

ثبت في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: بينا الحبشة يلعبون عند النبي-صلى الله عليه وسلم- بحرابهم دخل عمر، فأهوى إلى الحصى فحصبهم بها، فقال: (دعهم يا عمر)..

ألفاظ أخرى للحديث:

عن عروة بن الزبير قال: قالت عائشة: والله لقد رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقوم على باب حجرتي والحبشة يلعبون بحرابهم في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يسترني بردائه لكي أنظر إلى لعبهم ثم يقوم من أجلي حتى أكون أنا التي أنصرف فاقدروا قدر الجارية الحديثة السن حريصة على اللهو1.

وعن عائشة زوج النبي -­صلى الله عليه وسلم- قالت: دخل الحبشة المسجد يلعبون فقال لي: (يا حميراء أتحبين أن تنظري إليهم؟) فقلت: نعم، فقام بالباب وجئته فوضعت ذقني على عاتقه فأسندت وجهي إلى خده، قالت: ومن قولهم يومئذ أبا القاسم طيباً، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (حسبك) فقلت: يا رسول الله لا تعجل، فقام لي ثم قال: (حسبك) فقلت: لا تعجل يا رسول الله، قالت: ومالي حب النظر إليهم ولكني أحببت أن يبلغ النساء مقامه لي ومكاني منه2..

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: دخل عمر والحبشة يلعبون في المسجد فزجرهم عمر -رضي الله عنه-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (دعهم يا عمر فإنما هم بنو أرفدة)3.

 

معاني المفردات:

(بحرابهم) جمع حربة وهي رمح صغير عريض النصل.

(فأهوى) أي قصد.

(فحصبهم) أي رماهم بها.

قوله: (دعهم) أي اتركهم.

شرح الحديث:

من الشجاعة والدين تعلم السبق والرمي والسباحة، وسائر أنواع الرياضة البدنية، والمؤمن القوي الشجاع أحب إلى الله من المؤمن الضعيف الجبان، ولن يدفع الله غائلة الأعداء، ويحفظ الدين والكرامة والحقوق إلا بالعزائم الماضية، والنفوس الأبية، والسواعد القوية؛ ولذلك يأمر الإسلام بالمسابقة، ويحث على الرمي، ويأذن في الرهان، ومصارعة الأقران، ويرخص في لعب الحبشة بالحراب يوم دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- المدينة، ويوم العيد في المسجد، ومنع الرسول -صلى الله عليه وسلم- الفاروق من الإنكار عليهم؛ لأن صنيعهم من العبادة المأذون بها في المسجد، وقد كانت السيدة عائشة تنظر إليهم، ونبي الله -صلى الله عليه وسلم- يسترها ويطأطئ لها كتفه حتى شبعت وانصرفت، وسابق بين الخيل المضمرة لمسافة خمسة أو ستة أميال، والتي لم تضمر لمسافة ميل أو أكثر، وكان يسابق على قدميه، ويصارع الأبطال فيصرعهم.

قالت عائشة رضي الله عنها: "سابقني النبي -صلى الله عليه وسلم- فسبقته فلبثنا حتى إذا أرهقني اللحم سابقته؛ فسبقني، فقال: (هذه بتلك)4.

وكان ركانة رجلاً شديداً لا يصرع، فصارعه النبي -صلى الله عليه وسلم- وصرعه، ويذكر أنه صارع في مكة على مائة شاة، فغلب المصارع ورد عليه غنمه؛ وكان يعجبه من أتباعه الشديد القوي الذي لا يصرع ولا يغلب ولا يأذن في الجهاد، إلا لمن عرف بطولته، ورأى فيه صحة وقوة. وأذن مرة لأحد الفتيان في القتال، فقال آخر: وأنا يا رسول الله؟ فرآه صغيراً ولم يجزه، فقال: أنا أصرع فلاناً الذي أذنت له، فأمره أن يصارعه، ولما غلبه أذن له في القتال وأجازه؛ ومر بقوم ينتضلون فقال: (ارموا بين إسماعيل فإن أباكم كان رامياً، ارموا وأنا مع فلان)، فكف القوم أيديهم كرامة له صلى الله عليه وسلم حتى قال: (ارموا وأنا معكم كلكم)5.

نصيحـة لطلبة العلم:

نصيحة لطلبة العلم وفقهاء الدين أن يأخذوا بحظهم الوافر من الرياضة البدنية، وأن لا يكونوا كالكباش التي لا تأكل إلا لتسمن ثم تذبح، ولن يستطيع أحد أن يكف عن نفسه الأذى، ويقف في وجوه الأعداء يناصر الحق، ويحارب الباطل، إلا إذا كان قوي الجسم والعزيمة، وما كان الذين يقاتلون في سبيل الله إلا من العلماء الأجلاء، ومن حملة الشريعة؛ كعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبي عبيدة، وأمثالهم، فهم الشجعان والعلماء والعباد في آن واحد.

وكذلك كان كثير من الأئمة، وسادات العلماء يحملون السلاح، ويثبتون عند الكفاح، ويسارعون إلى النجدة إذا سمعوا الجلبة والصياح، وإذا ذهب زمن القوس والفرس، فهذا زمن المدفع والدبابة، ولا يليق بكل أحد التريض بالرقص والدنس، وما يخل بالمروءة، أو يخالف الشريعة، كسباحة العرايا، واختلاط الرجال بالنساء في شواطئ البحر، وحيضان السواحل، وغير ذلك.

ومن ملح التنكيت: أن طالباً قال لملاح السفينة وهما في البحر: أتعرف النحو؟ فقال: لا، قال: فقد ضاع نصف عمرك؛ وبعد قليل هبت الزوبعة، وثار البحر، وأوشكت السفينة أن تتحطم، فقال الملاح للطالب: وهل تعرف السباحة؟ قال: لا، قال: فقد ضاع عمرك كله"6.

ما يدل عليه الحديث:

1. عناية الإسلام بالرياضة البدنية، وأنه يقرها ويأمر بها، ويجعلها من التفسير لقوله: {وَأَعِدُّواْ لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ} سورة الأنفال(60) وليس ما كان منها معروفاً هو المأذون فيه فقط، وأنه يحل غيره، ولكن القمار والمراهنة التي بها تقع العداوة والبغضاء وتذهب الأموال في غير مستحقها هو المحرم المحظور، وما دون ذلك من السباق والمراماة، فغير ممنوع بالطيارات والسيارات والدراجات والسفن البحرية، ومثل اللعب بالحراب والسهام اللعب بالسيوف والبنادق، ومثل المصارعة رفس الكرة والضرب بالصولجان، وكل ما يلحق بذلك، وسباق الخيل الذي تقع عليه مراهنة المتفرجين لا يحل شرعاً لما فيه من الإسراف، ولدخوله في القمار والميسر الذي نهى الله عنه بقوله: {إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ} سورة المائدة(90).

2. يدل الحديث على إعجاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بلعب الحبشة بالحراب، ما أقره في المسجد إلا ليراه العرب فيتعلمون، وكل ما حدث من الخير فقد سبق الإسلام إليه، وقد كان في الحرم النبوي للصحابة-رضي الله عنهم- المدرسة الحربية، والنظام العسكري، ومنه تخرج القواد المشاهير، والأبطال المغاوير..

3.   أن اللعب بالحراب سنة ولأن في ذلك عدة للقاء العدو وليتدرب الناس فيه.

4.   أن من تأول فأخطأ لا لوم عليه؛ لأنه لم يوبخ عمر إذ كان متأولاً.

5.   جواز مثل هذا اللعب في المسجد إذا كان فيما يشمل الناس لعبه..

وغير ذلك من الفوائد التي يمكن استخلاصها من هذا الحديث، والله وحده نسأل أن يوفقنا لطعته وأن يجنبنا معصيته، وأن يرزقنا الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً..


1 رواه البخاري ومسلم، واللفظ له.

2 رواه النسائي في الكبرى،  وهو صحيح كما في الرد المفحم(1/ 114). للألباني.

3 رواه أحمد والنسائي، وقال شعيب الأرنؤوط في تعليقه على المسند: "صحيح وهذا إسناد حسن"..

4 رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني في صحيح أبي داود، رقم(2248).

5 رواه البخاري.

6  للمزيد يراجع: إصلاح المجتمع(343- 344) للبيحاني.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.01321