Share |

رسائل عاجلة

إضاءات للمسافرين

الشيخ محمد صالح المنجد

 

عناصر الخطبة:

1.    السياحة في الشرع ومعانيها.

2.    السياحة في العصر الحاضر.

3.    التوبة الفاسدة.

4.    التحذير من المخالفات الشرعية في السفر وصورها.

5.    السفر لنية النكاح المؤقت أو غشيان السحرة.

6.    التحري في الطعام ونهي الشريعة عن التشبع بما لم يعط العبد.

7.    من أحكام السفر.

 

إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

أما بعد:

السياحة في الشرع ومعانيها

فقد ورد ذكر السياحة في القرآن في قوله تعالى: {فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ} (التوبة: من الآية2)، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((سياحة أمتي)) [رواه أبو داود برقم (2127)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (2093)]، وكذلك في أقوال الصحابة كعائشة رضي الله عنها، وفي أقوال أهل العلم.

قال ابن القيم: "فسرت السياحة بالصيام، وفسرت بالسفر في طلب العلم، وفسرت بالجهاد، وفسرت بدوام الطاعة". [حادي الأرواح:59]

وقال الشيخ السعدي -رحمه الله-: والسياحة هي السفر في القربات: كالحج والعمرة، والجهاد، وطلب العلم وصلة الأقارب.. ونحو ذلك.[تفسير السعدي (353)].

وقال الإمام ابن عبد البر -رحمه الله-: "كانوا يعدون السياحة: صيام النهار، وقيام الليل".[التمهيد لابن عبد البر (21/225)].

ورحل الأئمة سيراً على الأقدام -في بعض الأحيان- حاملين كتبهم على ظهورهم؛ للاستفادة والإفادة، لم تكن السياحة عندهم لهواً ولا لعباً ولا تفلتاً من الأحكام الشرعية، وانحلالاً من ضوابط الدين، وإنما كانت رحلة في الأرض يبتغون بها فضلاً من الله ورضواناً من أفضال الدنيا والآخرة.

السياحة في العصر الحاضر

 وأما السياحة اليوم فإنها شيء عظيم في العالم، حتى قدر عدد السواح سنوياً بتسعمائة مليون من البشر، وازدهرت صناعتها بمليارات الدولارات، ولها دعايات، فهذه تأخذك إلى الشواطئ، وهذه إلى الرحلات البرية والبحرية والمنتجعات والأسواق والملاهي ودور العرض السينمائي.. ونحو ذلك من أنواع الفقرات التي تتضمنها هذه البرامج التي تقوم لها الدعايات، ويقترض عليها الناس من البنوك الربوية وغيرها.

وتتهيأ نفوس الأسر بعد الامتحانات أين الوجهة، وإلى أين المسير؟ وحلقات النقاش النسائية عبر شبكة الإنترنت: أين ستكون وجهتكم في هذه الصيفية؟.

عباد الله

يلاحظ في هذه الإجازة أن شهر رمضان سيكون في آخرها، وقد يوطن بعضهم عزمه على أن يذهب في الأرض في أمور قد لا تحمد عقباها في الآخرة، ليختم رحلته بعد ذلك برمضان في مكة، وصيام هذا الشهر، ويقولون: توبة تمحو ما قد سبق.

التوبة الفاسدة

عباد الله

إن قضية النية بالتوبة قبل الذنب توبة فاسدة، وقد قال إخوة يوسف عليه السلام: {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً} (يوسف: من الآية9) افعلوا هذه الجريمة أولاً، {يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ} (يوسف: من الآية9) فتغيرون الحال والمسار، بعد الجريمة تتوبون وتصبحون من الصالحين، {اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ}، فقدموا العزم على التوبة قبل صدور الذنب؛ تسهيلاً لفعله، وإزالة لشناعته، وليشجع بعضهم بعضاً؛ ولذلك قال العلماء: إن تبييت التوبة قبل الذنب توبة فاسدة، وإنما التوبة الصحيحة هي التي تكون بعد وقوع الذنب، بشروطها من: الإقلاع، والندم، والعزم على عدم العود، وإعادة الحقوق، ولا يجوز لإنسان مسلم أن يقول: أذنب ثم أتوب، وهذه تمحو الذنوب، وكم من أناس لعب بهم الشيطان بناء على هذا الأساس، وقال: اعملوا ما شئتم، ثم اغسلوها بصيام رمضان أو توبة أو عمرة.. ونحو ذلك.

التحذير من المخالفات الشرعية في السفر وصورها

عباد الله

إن الترفيه عن الأهل والأولاد في المباح يؤجر عليه الإنسان، وإن التطواف في الأرض؛ لينظر ماذا خلق الله فيها عبادة، وإن الفرار من الحر إلى الأماكن الباردة مباح، ولكن ينبغي التنبه إلى ما يعتري السفر من أنواع المخالفات الشرعية.

فهناك إنفاقات رهيبة، حتى ذكر في سعر وقيمة شراء تذاكر هذا العام، للناس في هذا البلد، الذين يريدون السفر سياحة باثنين وعشرين ملياراً من الريالات، وعلى العبد أن يفكر جيداً قبل أن ينفق في أي شيء سينفق؟ وهل هذه النفقة محمودة عند الله؟ إلى أين الوجهة، هل هي إلى مكان طيب، أو إلى مكان خبيث؟ وماذا يوجد في تلك الوجهة التي يريد العبد السفر إليها؟ وكم ستكلف هذه الرحلة؟ وهل هو يملك المال أم سيقترضه؟ وكيف سيقترضه؟ فإن بعض الناس يجمعون إلى الحرام الذي يريدون الذهاب إليه حراماً آخر وهو الاقتراض بالربا.

عباد الله

هنالك أسفار كثيرة، فمن الناس من يترك أهله ويسافر مع أصحابه، فيضيع الأولاد، ويشق على الأهل الفراق، ولكنه يريد أن يتسلى، ويرفه عن نفسه كما يقول، ولا تحلو السفرة إلا مع هذه الشلة، و((كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)).[رواه أبو داود برقم (1694)، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (4481)].

والسفر مهما كان، حتى لو كان برفقة العيال فيه نوع من المشقة، قال عليه الصلاة والسلام: ((السفر قطعة من العذاب، يمنع أحدكم نومه وطعامه وشرابه، فإذا قضى أحدكم نهمته -يعني: حاجته من السفر-، فليعجل إلى أهله)) يعني: الرجوع [رواه البخاري برقم (1677)، ومسلم برقم (3554)].

قال ابن عبد البر: "وفي هذا الحديث: دليل على أن طول التغرب عن الأهل لغير حاجة من دين أو دنيا لا يصلح ولا يجوز، وأن من انقضت حاجته لزمه الاستعجال إلى أهله الذين يقوتهم؛ مخافة ما يحدثه الله بعده فيهم".[التمهيد لابن عبد البر (22/36)].

وكذلك تكون النوازع في الأسفار عند الشباب الذين لم يتزوجوا أيضاً، فيريدون الفرار من هاهنا وهاهنا، فعلى الشاب أن يسأل نفسه: إلى أين المسير؟ وماذا سيشاهد؟.

عبد الله

لو أخذت أهلك معك فستعرضهم لرؤية ماذا؟ وستذهب بهم إلى أين؟ قد يكون المقصد طيباً فتؤجر، وقد يكون ما يحصل لهم من الفرجة، وما يحصل لهم من إدخال السرور عليهم طاعة تؤجر عليه، وقد يكون في ذلك صلة رحم تؤجر عليها، أو دعوة إلى الله، فلماذا ننسى أن يكون المسافر المسلم داعية إلى الله أينما حل وارتحل؟ وكثير من الذين يسافرون في الإجازات الصيفية كانت لهم آثار محمودة في الأماكن التي يذهبون إليها من تعليم ودعوة ونصح وقدوة لمن حلوا بينهم في الأماكن التي ذهبوا إليها، ولكن ما يكون من اطلاع الأهل والأولاد على أشياء من عقائد الأقوام الفاسدة في الأماكن المختلفة من الأرض، أو أنواع من المنكرات التي تذهب الأخلاق وتدمرها، إنه شيء في غاية السوء، فبدلاً من سماع الأذان؛ إذا بسماع ما فيه معصية لله يدق ويعزف، وبدلاً من أن يواظب الإنسان على الصلوات في سفره، وأن يحضر الجمعة والجماعات؛ إذا بها تضيع تباعاً، ويحصل نقص في الدين بالسفر؛ ولذلك ورد في أدعية المسافر: ((اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى)) [رواه مسلم برقم (2392)]، ويقول المودع له: ((استودع الله دينك)) [رواه الترمذي برقم (3364)، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير برقم (957)]، فلماذا يقول: استودع الله دينك؟ لأن الدين قد ينقص في السفر؛ ولذلك يذكره ويعظه حتى لا يقل دينه في هذا السفر.

وكذلك فإن من خالط الناس في أرجاء الأرض، يجد في العالم اليوم انحلالاً أخلاقياً ضخماً؛ ولذلك كان لا بد من المحافظة على الأولاد، والوالدان عليهم مسئولية عظيمة في هذا، قال محمد بن الحسين السلمي -رحمه الله-: "استأذنت أمي إلى الحج فتجهزت وخرجت. فقالت أمي: توجهت إلى بيت الله فلا يكتبن عليك حافظاك شيئاً تستحي منه يوم القيامة"[سير أعلام النبلاء (17/249)]، إذاً: انتبه من كتابة الحافظين عن يمينك وشمالك، انتبه لهذا الأمر.

وإن مما تقع عليه الأعين من المشاهد مشاهد العري، وكذلك ما يحدث أحياناً من بعض النساء من ترك الحجاب والتهاون فيه أثناء السفر، وكأن الدين هنا غير الدين هناك، أليس ربنا واحداً -سبحانه وتعالى- أينما حللنا وارتحلنا؟ أليست شريعته واحدة ختم بها الأديان، وأنزلها لأهل الأرض عامة؟ {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} (الأنبياء:107).

فكيف تختلف الأحكام الشرعية، وكيف تحدث المخالفات، ويترك الإنسان ما كان متمسكاً به من أحكام الدين إذا سافر؟

ومن العجب العجاب أنهم يقولون: بأن هنالك إنفاقاً من السياح على السحرة والمشعوذين، فيكون من أغراض بعضهم في الأسفار غشيان هؤلاء، وقد ذكرت الإحصاءات: أن النساء يدفعن ما بين أربعمائة إلى ألف وخمسمائة دولار للسحرة والمشعوذين في بعض الأسفار، أي: بمعدل المرأة الواحدة.

عباد الله

مع ذهاب كثير من الطلاب للابتعاث، ربما يذهب بعض الأهل إلى ولدهم؛ لتمضية الإجازة معه، والوصية هي: الالتزام بحبل الله المتين أينما حللنا وارتحلنا، وإذا رأى الإنسان في الأرض قطعاً متجاورات من نخيل وأعناب فإنه يسبح ربه، فإن الأراضي ليست واحدة.

وكذلك فقد نهانا نبينا صلى الله عليه وسلم عن دخول ديار المعذبين فقال في الحديث الصحيح: ((لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم، إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم))، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل" [رواه البخاري برقم (3129)، ومسلم برقم (5293)]، غز السير عليه الصلاة والسلام وأسرع؛ مخافة لحوق العذاب في بقعة نزلت فيها لعنة الله، وحلَّ بها غضبه؛ ولذلك لا يجوز الذهاب إليهم للفرجة في بقعة نزل بها عذاب الله كمساكن ثمود.

وأما المتاحف الأثرية في الأرض، فينبغي التنبه لما يكون فيها من تماثيل عارية، وربما صوروا أنبياء الله كعيسى، وأوليائه كمريم.. ونحو ذلك يعرضونها للناس.

وأيضاً فإنه لا يجوز زيارة الكنائس والمعابد الكفرية وأضرحة أهل الشرك؛ لئلا يقع في نفس المسلم شيء من الإعجاب، أو التعلق بها.

وليتنبه من يذهب للسياحة من عمليات الاحتيال الكثيرة التي فيها ذهاب الأموال، يستقبلونه من يوم خروجه من المطار؛ ليقع فريسة لعصابات متنوعة.

السفر لنية النكاح المؤقت أو غشيان السحرة

 

عباد الله

بعضهم يذهب في السفر زعماً أنه يريد نكاحاً، تارة يسمونه مصيافاً ومسفاراً، وهذه التسميات وإن تنوعت واختلفت، وقالوا: مسيار، وزواج الوناسة.. ونحو ذلك من أنواع الزواجات، فإن النكاح في دين الله معروف، شروطه معلومة، عقد مقدس، سماه الله: {مِيثَاقاً غَلِيظاً} (النساء: من الآية21)، الأصل فيه الاستدامة والاستمرار؛ ولذلك ليس في الدين نكاح مؤقت، ونكاح المتعة المؤقت حرام في دين الله؛ لأنه استئجار الفروج، واستئجار الفرج حرام.

عباد الله

الذين يذهبون لنكاح مؤقت قد يكون متفقاً عليه في العقد، أو شبه متفق عليه، لأن كل الأطراف يعلمون أن هذا السائح سيأتي؛ ليأخذ ابنتهم شهراً ثم يطلقها، شبه معروف، شبه متفق عليه، هذا تلاعب بأحكام الشريعة، ويؤدي إلى مفاسد كثيرة ومنها: تضييع الحمل والنسب، فإذا حملت يقول: وما أدراني أنه مني بعدما فارقها وتركها؟ فتعج كثير من البلدان بأولاد تركها سياح وسافروا، فلم يثبتوا لهم حتى النسب، فضلاً عن حق النفقة والتربية والمسئولية، قضاء نزوات وأوطار وشهوات.


 

عباد الله

إن ما يحدث من تسهيل للفاحشة وترويج لها في الصيف، تستعد له أنواع من هذه المجموعات التي تريد إيقاع الكبير والصغير في الفاحشة، ويوجد في بعض الفنادق عقود زواج عرفي ليس فيها ولي ولا شاهدان، تلاعب بالدين، وتحايل على شريعة رب العالمين، يريدون بها إسكات واعظ الله في القلب، وتسكين الضمير الذي قد يفور ويؤنب. ثم بعد ذلك ليحذر عبد الله المسافر من غشيان الحفلات الغنائية، والسهرات الحمراء، ومسابح الفنادق ذات التعري، والنوادي الصحية التي فيها كشف العورات، والتدليك بمنكراته، والمساج بما فيه ويحتويه، والاختلاط المحرم، فإنك مسئول عن سمعك وبصرك وأهلك وولدك.

وقد يتعرض لدعوة إلى المعصية، نزل بعض الصالحين في بلد، فإذا بالدرب الذي نزل فيه امرأة قد فتنت الناس، فعلمت بصلاحه فقالت: لأفتننه، ففاجأته بدخولها عليه، ثم تكشفت أمامه وقالت: هل لك في فراش وطي، وعيش رخي، فقال في الحال:

وكم ذي معاص نال منهن لذة
 

ومات فخلاها وذاق الداوهيا
  

تصرم لذات المعاصي وتنقضي
 

وتبقى تباعات المعاصي كما هيا
  

فيا سوأتا والله راء وسامع
 

لعبد بعين الله يغشى المعاصيا
  

فقامت عنه.[روضة المحبين (339)]

عباد الله

إن أسرار النزلاء والمسافرين قد ترصد من بعض هؤلاء الماكرين، وربما تكون هناك أياد خفية وكاميرات مخفية، وأشياء تأخذ من الأرقام والصور ما تأخذ.

وتفطن في حال ولدك إذا فتح ثلاجة فندق فإذا فيها قوارير الخمر، ماذا سينطبع في ذهنه؟ وعندما يوجد هؤلاء المترنحين من السكارى في ساعة متأخرة من الليل يسيرون، ماذا سينطبع في ذهن الولد؟

التحري في الطعام ونهي الشريعة عن التشبع بما لم يعط العبد

عباد الله

أموال خيالية تنفق، وأيتام وجوعى وفقراء من المسلمين في الأرض يستغيثون فلا يغاثون؛ ولذلك يجب أن توجه الأموال إلى الناس الذين يحتاجونها.

وليحذر المسلم في ذهابه من الأطعمة المحرمة، فكثيراً ما تدهن بعض المقليات بدهن الخنزير، وكذلك يخلط ما يخلط، ويقلى ما يقلى بهذا؛ لرخصه عندهم، وليس القوم بذي ورع، ولا حرص على دينك وأحكام شريعتك، حتى ينقوا لك هذا من هذا؛ ولذا إذا عرف الإنسان أن هذا يحوي مشتقات خنزيرية أو ميتة، أو غلب على ظنه ذلك من مصعوق ومقتول بخنق أو كهرباء أو مسدس.. ونحو ذلك مما تقتل به الأنعام عندهم؛ زعماً منهم رحمة بها، وهي في الحقيقة تعذيب، فإن الرحمة أن تذبح الذبيحة على ما أمر به الله ورسوله، وكذلك فيه نفي الضرر عن آكلها، فإن احتباس الدم في الذبيحة، وأكلها على ما هي عليه يولِّد أضراراً كثيرة كما ثبت ذلك في الطب.


 

عباد الله

يتشبع بعض الناس بما لم يعط، ويتباهون في السياحات والأسفار، وخصوصاً عند النساء، ذهبنا وفعلنا وعملنا وتركنا.. ونحو ذلك، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) [رواه البخاري برقم (4818)، ومسلم برقم (3972)]، فليحذر عبد الله من التفاخر وأمة الله، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جاءته امرأته فقالت: "يا رسول الله، إن لي ضرة فهل عليَّ جناح إن تشبعت من زوجي غير الذي يعطيني؟ -تريد أن تتسامى وتتباهى عند ضرتها بشيء لم يحصل، وعطية غير مأخوذة من الزوج-، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور)) متفق عليه، فيتكثّر أمام الناس، ويتباهى بشيء لم يحصل، وهكذا مرض التباهي سرى إلينا حتى صرنا نفاخر بالدنيا، وقد أخبرنا الله تعالى عن ذلك: { وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ } (الحديد: من الآية20) .

عباد الله

يبقى المسلم معتزاً بدينه أينما ذهب، ولا يتشبه بكفار أينما حلَّ، وإنما يبقى عزيزاً بعقيدته، وتوحيده لربه، وتمسكه بشرعه، وإقامته لأحكام الدين وشعائره أينما حلَّ وارتحل: جواً وأرضاً.. براً وبحراً.. حضراً وسفراً يقيم شرع الله.

وتكون المرأة بحجابها داعية، بمظهرها للحجاب، ويكون المسلم أيضاً داعية ومذكراً بالصلاة، إذا قام يصلي في طائرة أو مطار أو أي مكان أدركته الصلاة فيه، ولو كان زاوية حديقة.

اللهم إنا نسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحب المساكين، وأن توفقنا لما تحب وترضى، وأن ترزقنا البر والتقوى، والتمسك بالعروة الوثقى..إنك سميع مجيب.

أقول قولي هذا، وأستغفر الله، وأتوب إليه، فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.


 

الخطبة الثانية:

الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، أشهد أن لا إله إلا الله الحي القيوم، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الأمين، صلى الله عليه وعلى أصحابه، وذريته الطيبين، وأزواجه، وخلفائه الميامين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمد، اللهم صل وسلم عليه ما توالى الليل والنهار، اللهم صل وسلم عليه إلى يوم الدين.

من أحكام السفر

عباد الله

ينبغي لمن أراد السفر أن يعرف أحكامه، وحكم السفر أصلاً بحكم الشيء الذي أنشئ من أجله: فقد يكون سفراً واجباً كمن لم يحج فاستطاع الحج، وقد يكون سفراً مستحباً كطلب العلم، وقد يكون سفراً مباحاً كالترفيه عن الأهل بالمباح، والترويح عن النفس، وكذلك الفرار من الحر، وقد يكون محرماً إذا كان قصده المعصية.

فإذا سافر العبد فعليه أن يحفظ التوحيد،وفي بلد واحد من بلدان العالم الإسلامي يوجد أكثر من ألف ضريح داخل المساجد، وقد قال عليه الصلاة والسلام: ((لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا)) [رواه البخاري برقم (417)، ومسلم برقم (826)]، قال العلماء: إذا كان المسجد مبنياً على القبر فإن الصلاة فيه محرمة، وهي باطلة، ويجب هدمه؛ لأنه ما أقيم على تقوى من الله ورضوان، مسجد بني على قبر، إذا كان القبر أولاً يزال المسجد، وإذا كان المسجد أولاً ثم أدخل الميت فيه فدفن ينبش وينقل إلى المقبرة، ويبقى المسجد، ولا يجوز دفن الموتى في المساجد بأي حال من الأحوال.

وأما الصلاة فإن كان في الطائرة مكان يمكنك أن تصلي فيه صلاة تامة، تستقبل فيها القبلة، وتكبر، وتركع، وتسجد، فصل حيث يدخل وقت الصلاة، وإن لم يوجد وخشيت أن يخرج الوقت قبل هبوط الطائرة، فإن كانت الصلاة مما يجمع إلى ما بعدها كالظهر أو المغرب، ويمكن أن تهبط الطائرة قبل خروج الثانية كالعصر والعشاء فأخر الصلاة، واجمعها إلى الثانية، وصلها في الأرض إذا نزلت، حتى تتمكن من القيام واستقبال القبلة، وإن كانت -أي: الطائرة- لا تهبط إلا بعد خروج وقت الثانية -يعني: العصر أو العشاء-، فصل في الطائرة على حسب استطاعتك، تستقبل القبلة إذا استطعت، وتصلي قائماً وتركع إذا استطعت، وإلا تومئ بالركوع وأنت قائم، فقد يمنع المسافر من القيام لمطبات جوية، أو عند إقلاع وهبوط.. ونحو ذلك، ويسجد إن استطاع، وإلا يومئ بالسجود جالساً.

وكثير من الناس إذا سافروا ودخلوا الفنادق لا يسألون عن القبلة، وإنما يجتهد، فإذا كان في المكان مسلمون وثقات يسألون فلا يجوز الاجتهاد. متى يجتهد في القبلة؟ إذا لم يوجد من يسأله، أما إذا دخل بلداً فإنه يستدل على القبلة بمحاريب المساجد، وسؤال الثقات ممن فيها، ممن يصلون، فإذا لم يجد اجتهد، ويوجد من الآلات اليوم في تحديد القبلة ما يغني عن الاجتهاد أيضاً، وإن تحري القبلة مطلوب، ولا يعتد بخبر الكافر في اتجاه القبلة، بل لا بد من سؤال من يعتد بخبره شرعاً، وإذا صلى باجتهاد، واجتهاده في محله، فإنه لا يعيد الصلاة ولو أخطأ القبلة: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة: من الآية286).

ويؤذن المسافر للصلاة ويقيم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام للمسافرين: ((فإذا حضرت الصلاة: فليؤذن لكم أحدكم، وليؤمكم أكبركم)) [رواه البخاري برقم (595)،  ومسلم برقم (1081)].

والمسافة التي تقصر فيها الصلاة عرفية، فكل ما كان سفراً عرفاً تقصر فيه الصلاة: حددها بعضهم بمسيرة الإبل يومين قاصدين -ثمانية وأربعين ساعة-، وعلى البعير المتاع. والراكب كم يقطع؟ فقدروها بنحو من ثمانين كيلو متراً.

وإذا سافر جاز له القصر والجمع، وجاز له الفطر في رمضان، ولكن في هذا الصيف يأتي رمضان كاملاً في الإجازة، فربما يفكر بعض الناس بالفطر وهو مسافر، ولا حرج عليه في ذلك، ولكن هل سيقضي بعد العودة أم لا؟ فإن بعض الناس تراكمت عليهم رمضانات؛ لأنهم يسافرون في الإجازات، ويفطرون في رمضان، ثم لا يقضون، وهذا أمر في غاية الخطر، فإن هذا ركن من أركان الدين.

وكذلك يجوز المسح على الجوربين ثلاثة أيام بلياليها -اثنين وسبعين ساعة-، من أول مسح بعد الحدث، وتسقط الرواتب في السفر إلا راتبة الفجر، وأما النوافل الأخرى: كصلاة الضحى، وقيام الليل، وتحية المسجد، فإنها تصلى حتى للمسافر، وكذلك عموم النافلة.

وإذا صلى المسافر خلف إمام يتم لزمه الإتمام، ما دام الإمام مقيماً لزم المسافر خلفه الإتمام، وجمع المسافر للصلاتين أفضل إن كان سائراً، وإن كان نازلاً في مكان فالأفضل عدم الجمع ويجوز الجمع، وإن أدرك ركعتين من الرباعية مع الإمام المقيم لزمه الإتمام أربعاً، وكثير من الناس يكتفون بهما ويقول: أنا مسافر، وقد دلت السنة على وجوب إتمام المسافر خلف المقيم.

ولا تسقط الجمعة عن المسافر إذا كان في مكان تقام فيه، ولم يكن عليه مشقة في الحضور؛ لقوله تعالى: {إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا} (الجمعة: من الآية9) فدخل في الآية عند بعض أهل العلم، ولا تجمع العصر إلى الجمعة؛ لأن الجمع في السنة ورد بين الظهر والعصر، والجمعة ليست ظهراً.

عباد الله

جمهور العلماء لا يبيحون الترخص في السفر لمن سافر سفر معصية، ويقولون: كيف يكافأ على سفر المعصية بإباحة الرخص له؟

وليتذكر هذه الأدعية العظيمة التي وردت: ((إذا خرج الرجل من بيته فقال: بسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، يقال حينئذ: هديت وكفيت ووقيت فتتنحى عنه الشياطين)) [رواه أبو داود برقم (4431)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (499)]، فمن ذهب لسفر المعصية لو قال: بسم الله، توكلت على الله، فهل تتنحى عنه الشياطين، فيكون كالهازئ ذاهب لمعصية ويقول الذكر.

وكذلك إذا ركب في دعاء الركوب لا ينسى المسلم قوله: {سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا} (الزخرف: من الآية13) أي: ذلل، (لنا هذا) أي: وسيلة السفر، {وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ} (الزخرف: من الآية13) أي: ما كنا مطيقين للركوب على هذه الدابة أو هذه الوسيلة لولا أن سخرها الله لنا، وذللها لنا، {وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ} (الزخرف:14) أي: يتفكر في رجوعه إلى الله.

((اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى)) [سبق تخريجه]، فكيف يسافر لمعصية ويقول في دعاء السفر: ((البر والتقوى))؟ ((ومن العمل ما ترضى)) فكيف سيقول: ومن العمل ما ترضى وهو ذاهب لعمل لا يرضى؟

عبد الله

إن قولك: ((اللهم أنت الصاحب في السفر)) يعني: الحافظ والمعين، ((والخليفة في الأهل)) أي: أعتمد عليك في حفظهم في غيبتي أن تلم شعثهم، وتداوي سقمهم، وتحفظ دينهم ومالهم وأنفسهم، ((الخليفة في الأهل)) خليفة، وعندما يقول: ((وعثاء السفر)) والمشقة والشدة، ويستعيذ من الأضرار البدنية في الوعثاء، والشدة والأشياء النفسية وهي: ((كآبة المنظر)) تغير النفس في حزن أو خوف ونحو ذلك، ويسأل ربه أن يقلبه إلى أهله سليماً.

وأيضاً جاء في رواية صحيحة عند مسلم: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر يتعوذ من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، والحور بعد الكور -يعني: النقصان بعد الزيادة، سواء نقص الإيمان أو غير ذلك-، ويستعيذ من دعوة المظلوم، وسوء المنظر في الأهل والمال" [رواه مسلم برقم (2393)].

لماذا يكبر إذا صعد مرتفعاً من الأرض؟ لأن النفس عند الارتفاع تصاب بشيء من الزهو والعجب، فيناسب أن يذكر نفسه بقوله: الله أكبر، الكبرياء لله، وإذا نزل والنفس تكره الانخفاض ومحل الضيق فيشرع فيه التسبيح؛ لأنه من أسباب الفرج؛ ولذلك لما صار يونس في بطن الحوت تحت الماء، قال ذلك الدعاء العظيم: {لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ} (الأنبياء: من الآية87).

ودعاء نزول المنزل كذلك؛ لأن كلمات الله التامات لا تنقضي، ويدعو الإخوان لصاحبهم: ((أستودعك الله الذي لا تضيع ودائعه)) [رواه ابن ماجه برقم (2815)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (958)]، يدعو المسافر للمقيم بهذا، وأما المقيم يقول كما هو معروف: ((أستودع الله دينك وأمانتك))  [سبق تخريجه] أي: ما وضع عندك من الأمانات من الله، أو من أحد من خلقه، ((وخواتيم عملك))؛ لأن بعض الناس قد يقضى عمره في السفر.

وليستحضر عبد الله النية الصالحة، والاستخارة، والتوبة، وقضاء الدين، وترك نفقة للأهل، واختيار الرفيق الصالح، وتوديع الأصحاب، والسفر صباح الخميس إن تيسر، والأدعية والأذكار، وإذا كانوا ثلاثة أمّروا واحداً، والتحلي بالصبر، وخدمة الرفقاء، كما جاء في أدعية وآداب السفر عن السلف -رحمهم الله-.

اللهم إنا نسألك أن تحفظنا في حلنا وترحالنا، أحينا مسلمين، وتوفنا مؤمنين، وألحقنا بالصالحين غير خزايا ولا مفتونين، نسألك السعادة في الدنيا والآخرة.

اللهم إنا نسألك أن تغنينا من فضلك، اغننا بحلالك عن حرامك، وبفضلك عمن سواك، اقض ديوننا، واشف مرضانا، واستر عيوبنا، وارحم موتانا.

اللهم فرج كروبنا، اللهم نفِّس عنا يا أرحم الراحمين، اللهم إنا نسألك أن تحفظنا وأولادنا وأهلينا، اللهم إنا نسألك النجاح والفلاح في الدنيا والآخرة.

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً.

اللهم إنا نسألك أن تحفظنا في بلادنا يا رب العالمين، آمنّا في الأوطان والدور، وأرشد الأئمة وولاة الأمور، واغفر لنا يا عزيز يا غفور، من أراد بلدنا بسوء فامكر به، ومن أراد أن يعكر علينا أمننا وإيماننا فابطش به، اللهم ثبت علينا الأمن والإيمان يا رحمن.

سبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.02795