حلق تحفيظ القرآن وأثرها على طلاب المدارس

حلق تحفيظ القرآن وأثرها على طلاب المدارس

 

الحمد لله  نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}1، {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}2، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً}3 أما بعد:

فإن خير الحديث كلام الله، وخير الهدي هدي محمد – صلى الله عليه وسلم -، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة, وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها المسلمون عباد الله: اتقوا الله – تعالى -، واشكروا نعمته عليكم بإنزال هذا القرآن الكريم إليكم، أنزله الله – تعالى – نوراً تستبصرون به، وعلماً تهتدون به، ودليلاً تستندون إليه كما قال الله – عز وجل -: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا * فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَاعْتَصَمُواْ بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا}4، اللهم اجعلنا من هؤلاء، واجعل كتابك نوراً لنا في حياتنا، وفي قبورنا، وفي محشرنا يا رب العالمين، إنه كتاب مبارك في تلاوته، مبارك في منهجه، مبارك في آثاره، مبارك في تأثيره، صادق في أخباره، عادل في أحكامه؛ كما قال الله – عز وجل -: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}5، وقال – تعالى -: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}6، وقال – تعالى -: {فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُم بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا}7، وقال – تعالى -: {الَر * كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ * اللّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ}8، إن هذا القران كلام الله – عز وجل -، تكلم به الحقيقة، وسمعه جبريل من عند الله – عز وجل-، ثم ألقاه إلى قلب النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -، والآيات في بيان عظمة القران وفضله كثيرة معلومة، تقرؤونها في كتاب الله، أما الأحاديث:

   فعن أمير المؤمنين عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: ((خيركم من تعلم القران وعلمه))9، فتعلمه وانتفع به، وعلمه غيره ونفع به.

   وعن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: ((الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القران ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران))10.

   وعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: ((مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأترجة ريحها طيب، وطعمها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة لا ريح لها، وطعمها حلو، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة ريحها طيب، وطعهما مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة ليس لها ريح، وطعمها مر))11.

   وعن عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: ((من قرأ حرفاً من القرآن فله حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول آلم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))12.

   وقال النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – لأبي سعيد بن المعلا: ((لأعلمنك أعظم سورة في القرآن (يعني الفاتحة)، قال: لأعلمنك أعظم سورة في القران (يعني الفاتحة) الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني، والقرآن الذي أوتيته))13.

   وقال النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((اقرأوا الزهراوين البقرة وآل عمران فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن أصحابهما، اقرأوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة (يعني السحرة))14.

   وقال النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((اقرؤوا سورة البقرة في بيوتكم فإن الشيطان لا يدخل بيتاً يقرأ فيه سورة البقرة))15.

   وصح عنه – صلى الله عليه وسلم – في آية الكرسي: ((أن من قرأها في ليلة لم يزل عليه من الله حافظ، ولا يقربه شيطان حتى يصبح))16.

   و قال الملك للنبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم -: ((ابشر بنورين قد أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لم تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته))17.

   وعن عقبة بن عامر – رضي الله عنه – أن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – قال: ((ألم تر آيات أنزلت الليلة لم ير مثلهن: “قل أعوذ برب الفلق” و”قل أعوذ برب الناس“))18.

       وأمر النبي – صلى الله عليه وسلم – عقبة أن يقرأ بهما، ثم قال: ((ما سأل سائل بمثلهما، ولا استعاذ مستعيذ بمثلها))19.

فاتقوا الله يا عباد الله، وعظموا هذا القرآن واحترموه، وأكثروا من قراءته وتعاهدوه كما أمر بذلك النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – حيث قال: ((تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفلتاً من الإبل في عقلها))20.

أيها المؤمنون عباد الله: اغتنموا الأجر العظيم في تلاوة القران، وتعلم القرآن، وتدبر القرآن، والعمل بما جاء في القرآن، ثم اتلوا القران حق تلاوته عملاً، وصدقوا أخباره، واعتبروا بقصصه، وامتثلوا أوامره، وانزجروا عن نواهيه؛ لتنالوا بركته، وتسعدوا بآثاره؛ نسأل الله – عز وجل – أن يجعلنا من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته يا رب العالمين.

عباد الله إذا سمعتم الله – تعالى – يقول: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ}21، فاعبدوا الله مخلصين له الدين، وإذا سمعتم الله يقول: {قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}22 فآمنوا بالله ورسوله واتبعوه، وإذا سمعتم الله يقول: {وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَارْكَعُواْ مَعَ الرَّاكِعِينَ}23؛ فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واركعوا مع الراكعين في بيوت الله – عز وجل -، وإذا سمعتم الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}24  إلى قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}25 فامتثلوا ذلك، وصوموا صوماً حقيقياً، صوموا عن المحسوسات وعن المعقولات التي حرمها الله عليكم، وإذا سمعتم الله يقول: {فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ}26 فحجوا البيت إن استطعتم إليه سبيلاً، وإذا سمعتم الله يقول: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}27 فايقنوا إيقاناً تاماً لا شك فيه أن التمسك بالقرآن أقوم طريق، وأصح منهج، ولا يمكن لأي نظام أو قانون أن يكون مثل نظام  القران أو أحسن منه، وإذا سمعتم الله يقول: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}28 فاجتنبوا أكل المال بالباطل، وإن حكم لكم القاضي بذلك، وأنتم تعلمون أنه لا حق لكم فيها فلا تأكلوها، لا تقولوا: “إن القاضي حكم لنا” لأن ذلك لا ينجيكم عند الله – عز وجل -، وإذا سمعتم الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}29 فلا يسخر قوم من قوم، ولا نساء من نساء، لأن الله – تعالى – نهاكم عن ذلك، ولا يعير بعضكم بعضاً لأن هذا من التنابز بالألقاب.

وإذا سمعتم الله يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ}30 فتجنبوا الغيبة، وهي ذكر الإنسان بما يكره، فعن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ((أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم!! قال: ذكرك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته))31، إذا سمعتم الله يقول: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ}32، فأحسنوا إلى الوالدين بالبر في المال، والعمل، وغير ذلك من أنواع البر؛ وإذا سمعتم الله يقول: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}33 فاجتنبوا الربا، واكتفوا بما أحل الله لكم من البيع؛ وإذا سمعتم الله يقول: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً}34 فلا تقربوا الزنا، ولا تحوموا حول أسبابه وفتنه لأن الله – تعالى – نهاكم عن ذلك، وهكذا بقية أوامر القرآن ونواهيه، فلن تتلوه حق تلاوته إلا بإقامة ألفاظه، وتصديق أخباره، واتباع أحكامه على ما أراد الله – عز وجل-.

اللهم إنا نسألك في مقامنا هذا أن تجعلنا ممن يتلون كتابك حق تلاوته، يصدقون بأخباره، ويعملون بأحكامه، ويؤمنون بمتشابهه، ويحملونه على محكمه {هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ}35.

قلت ما سمعتم، وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله الذي عز فارتفع، وعلا فامتنع، وذل كل شيء لعظمته وخضع، لا راد لما خلق، ولا مغير لما أراد، وهو على كل شيء قدير، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وكان ربك قديراً، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله الله – تعالى – بين يدي الساعة بشيراً ونذيراً وداعياً إلى الله بإذنه وسراجاً منيراً صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان وسلم تسليماً كثيراً، أما بعد:

أيها المسلمون عباد الله: لقد سمعتم ما جاء في كتاب الله – عز وجل -، وإنه لكلام الله الذي يتلذذ المؤمن بقراءته وسماعه، أكثروا من قراءة القرآن، واجعلوا لكم حزباً معلوماً لا يفوتكم كل يوم، لأنكم لو تركتم النفوس هكذا مرسلة لكسلت، ونسيت وتهاونت، ولكن الإنسان إذا جعل له شيئاً معيناً يتلوه كل يوم لتنضبط تلاوته كان في ذلك خيراً كثيراً.

أيها المؤمنون: إن لكم أبناء وبنات صغار، فحثوهم على الالتحاق بحلق المساجد في تحفيظ القران، فإن ذلك والله خير لهم ولكم، فإن التلاوة وحفظ القرآن ذخر عظيم، وهو أفضل من الدراهم والدنانير، لأن هؤلاء الأطفال بل هؤلاء الصغار من ذكور وإناث إذا حفظوا القرآن سهل عليهم حفظه في حال الصغر، وبقي في أذهانهم لا ينسونه إلا أن يشاء الله، وإن لكم بذلك أجراً عظيماً، عبد الله وإنك لتحس بأنهم خير من الذين لم يحفظوا القرآن سواء كان ذلك في أخلاقهم أو في هيئاتهم، أو في عباداتهم، أو في دروسهم النظامية، وأما ما يمليه الشيطان على بعض الناس من أن هؤلاء اشتغلوا بحفظ القرآن؛ فإنهم ينشغلون به عن دروسهم النظامية فإن هذا من وحي الشيطان، ولقد كذبهم الشيطان، إننا نسمع من المدرسين في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية أن الذين التحقوا بحلق تحفيظ القرآن في المساجد خير من غيرهم في الأدب والنظام، والمحافظة على الدروس، وهم أيضاً يمتازون على غيرهم عند الاختبار، واسألوهم إن شئتم أيها الإخوة، فألحقوا أبناءكم وبناتكم في حلق تحفيظ القرآن في المساجد حتى لا تضيع أوقاتهم سدى، وحتى لا يتعودوا على البطالة، وحتى لا يصحبوا من لا خير في صحبتهم، بل هي السم الناقع أسال الله – تعالى – أن يعينني وإياكم على تأديب أنفسنا، وتأديب  أهلينا، وعلى المحافظة على أخلاقهم، وعلى عباداتهم إنه على كل شئ قدير، ولقد ثبت عن النبي – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – أنه قال: ((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية يؤسسها هو بنفسه، وعلم ينتفع به، وولد صالح يدعو له))36، وإن أقرب الأولاد الى الصلاح هم الذين حفظوا كتاب الله – عز وجل – فهذا ما يعينهم أعني التحاقهم بحلقات تحفيظ القران مما يعينهم على الصلاح، وبالتالي على الدعاء لآبائهم وأمهاتهم إذا ماتوا وانقطعت أعمالهم.

اللهم اجعلنا صالحين مصلحين، اللهم أصلحنا وأصلح لنا وأصلح بنا  يا رب العالمين، واعلموا أيها الإخوة أن خير الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، فعليكم باتباع السنة، لا تخرجوا عنها، عليكم باتباع السلف الصالح من الصحابة ومن تبعهم بإحسان لا تخرجوا عن طريقهم ولا عن منهجهم، فإن من شذ شذ في النار، وأكثروا من الصلاة والسلام على نبيكم محمد – صلى الله عليه وعلى آله وسلم – امتثالا لأمر الله، وقضاء لحق رسول الله، واحتساباً لثواب الله قال الله – عز وجل -: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}37‘ وقال النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما صح عنه: ((أنه من صلى عليه مرة واحدة صلى الله عليه بها عشراً))38، اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد – صلى الله عليه وسلم -، اللهم ارزقنا محبته واتباعه ظاهراً وباطناً، اللهم توفنا على ملته، واحشرنا في زمرته, اللهم اسقنا من حوضه، وأدخلنا في شفاعته، اللهم اجمعنا به في جنات النعيم مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يا رب العالمين، اللهم ادفع عنا الوباء والربا والزنا والزلازل والمحن وسوء  الفتن ما ظهر منها وما بطن، عن بلدنا هذا خاصة وعن بلاد المسلمين عامة يا رب العالمين، اللهم أصلح ولاة أمور المسلمين، اللهم أصلح الراعي والرعية، وارحم الأمة المحمدية يا رب العالمين، إنك على كل شئ قدير {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}39، {رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}40،  {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}41 والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


 


1 سورة آل عمران (102).

2 سورة النساء (1).

3 سورة الأحزاب(70-71).

4 سورة النساء (174-175).

5 سورة ص (29).

6 سورة الإسراء (9).

7 سورة الفرقان (52).

8 سورة إبراهيم (1-2).

9 صحيح البخاري (4/1919) برقم (4739)؛ وسنن أبي داود (1/460) برقم (1452)؛ وسنن الترمذي (5/173) وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ السلسلة الصحيحة (3/167) برقم (1173)؛ وصحيح أبي داود (1/272) برقم (1289).

10 صحيح مسلم (1/549) برقم (798)؛ ومسند أحمد بن حنبل (6/266) برقم (26339)، وقال شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح على شرط مسلم.

11 صحيح البخاري (5/2070) برقم (5111 وصحيح مسلم (1/549) برقم (797).

12 سنن الترمذي (5/175) برقم (2910)، وصححه، وبعضهم صححه موقوفاً. السلسلة الصحيحة (3327).

13 صحيح ابن حبان ( 3/56) برقم (777).

14 صحيح مسلم (1/553) برقم (804)؛ ومسند أحمد بن حنبل (5/251) برقم (22211)، وقال شعيب الأرناؤوط: حديث صحيح رجاله ثقات رجال الشيخين؛ الجامع الصغير وزيادته (1/205) برقم (2045)، قال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (1165) في صحيح الجامع.

15 الجامع الصغير وزيادته (1/205) برقم (2050)، وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (1170) في صحيح الجامع.

16 صحيح البخاري (4/ 1914) برقم (4723)؛ وصحيح ابن خزيمة (4/91) برقم (2424).

17 صحيح مسلم (1/554) برقم (806)؛ وسنن النسائي (2/138) برقم (912).

18 صحيح مسلم (1/558) برقم (814)؛ وسنن النسائي (2/158) برقم (953)، ولفظه: “لن تقرأ شيئاً أبلغ عند الله من قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس”.

19 سنن الدارمي (2/554) برقم (3440)، وإسناده حسن لأن فيه محمد بن عجلان، قال الحافظ: صدوق إلا أنه اختلطت عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة، مات سنة ثمان وأربعين. تقريب التهذيب (1/496 )، وقال الذهبي: وثقه أحمد وابن معين، وقال غيرهما: سيء الحفظ، قال الحاكم: خرج له مسلم ثلاثة عشر حديثاً كلها في الشواهد، وتوفي (138) الكاشف (2/200) أبو عبدالله الذهبي الدمشقي، تحقيق: محمد عوامة، دار القبلة للثقافة الإسلامية, مؤسسة علو – جدة، ط1، سنة النشر1413هـ- 1992م.

20 صحيح مسلم (1/545) برقم (719)؛ وشعب الإيمان (2/333) برقم (1961)؛ وصحيح الترغيب والترهيب (2/84) برقم (1447).

21 سورة البينة (5).

22 سورة الأعراف (158).

23 سورة البقرة (43).

24 سورة البقرة (183).

25 سورة البقرة (185).

26 سورة آل عمران (97).

27 سورة الإسراء (9).

28 سورة البقرة (188).

29 سورة الحجرات (11).

30 سورة الحجرات (12).

31 صحيح مسلم (4/2001) برقم (2589)؛ وسنن أبي داود (2/685) برقم (4874)؛ وسنن الترمذي (4/329) برقم (1934)؛ والجامع الصغير وزيادته (1/9) برقم (86)؛ (1/764) برقم (7636)، وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (4187) في صحيح الجامع.

32 سورة البقرة (83).

33 سورة البقرة (275).

34 سورة الإسراء (32).

35 سورة آل عمران (7).

36 سنن الترمذي (3/660) برقم (1376)، وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح؛ وسنن النسائي (6/251) برقم (3651)؛ وصححه الألباني في الجامع الصغير وزيادته (1/80) وصحيح الجامع برقم (793).

37 سورة الأحزاب (56).

38 سنن أبي داود (1/199) برقم (523)؛ وسنن الترمذي (5/586) برقم (3614)؛ وإرواء الغليل (1/259) برقم (242)؛ والجامع الصغير وزيادته (1/62) برقم (615)، وقال الشيخ الألباني: صحيح انظر حديث رقم (613) في صحيح الجامع.

39 سورة الأعراف (23).

40 سورة الحشر (10).

41 سورة البقرة (201).