الإنصات للحوار 

 

 

الإنصات للحوار 

الحمد لله وكفى ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمةً للعالمين وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد :

ينبغي على المسلم أن يحرص على مكارم الأخلاق ، وأن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه ، فينصت لحديثهم ينصتوا لحديثه ، ويشعر من يحاوره بأهميته ، وحري بالمحاور أن يقبل على صاحبه إذا تحدث ويشرق له بمحياه …… الخ

والكتاب والسنة زاخران بالنصوص الداعية إلى الخلق الكريم، ومن جملة ذلك : الإنصات للآخرين واستماع كلامهم، وكذلك في كلام السلف- رحمهم الله- وفي مجادلاتهم ومناظراتهم .

أولاً : تأملات مع آية من القرآن العظيم :

 قال تعالى حاكياً حكمة لقمان لابنه،و منها :

{وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} (19) سورة لقمان.. قال ابن كثير- رحمه الله- :

قال تعالى: ( واغضض من صوتك ) أي لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه ولهذا قال: ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) وقال مجاهد وغير واحد : إن أقبح الأصوات لصوت الحمير أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه ، ومع هذا هو بغيض إلى الله ، وهذا التشبه في هذا بالحمير يقتضي تحريمه وذمه وغاية الذم، لأن رسول الله   قال : ( ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه )1.

قال القرطبي- رحمه الله- : ( في الآية دليل على تعريف قبح رفع الصوت في المخاطبة والملاحاة بقبح أصوات الحمير ، لأنها عالية .

وهذه الآية أدب من الله- تعالى- بترك الصياح في وجوه الناس تهاوناً بهم ، أو بترك الصياح جملة ، وكانت العرب تفخر بجهارة الصوت الجهير وغير ذلك ، فمن كان منهم أشد صوتاً كان أعز ، ومن كان أخفض كان أذل . فنهى الله- سبحانه وتعالى- عن هذه الخلق الجاهلية بقوله : ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير )2.

قال سيد قطب- رحمه الله- :

( والغض من الصوت فيه أدب وثقة بالنفس واطمئنان إلى صدق الحديث وقوته وما يزعق أويغلط في الخطاب إلا سيء الأدب أو شاك في قيمة قوله أو قيمة شخصيته ، يحاول إخفاء هذا الشك بالحدة والغلطة والزعاق !

والأسلوب القرآني يرذل هذا الفعل ويقبحه في صورة منفردة محتقرة بشعة حين يعقب عليه بقوله: ( إن أنكر الأصوات لصوت الحمير ) فيرسم مشهد مضحك يدعو إلى الهزء والسخرية ، مع النفور والبشاعة . ولا يكاد ذو حس يتصور هذا المشهد المضحك من وراء التعبير المبدع ثم يحاول شيئاً من صوت هذه الحمير)3 .قال عبد الرحمن بن السعدي- رحمه الله- :

 واقصد في مشيك واغضض من صوتك أدباً مع الناس ومع الله .(إن أنكر الأصوات ) أي أفظعها وأبشعها . ( لصوت الحمير ) . فلو كان في رفع الصوت البليغ فائدة ومصلحة لما اختص بذلك الحمار الذي قد علمت  خسته وبلادته )4.

ثانياً : اللباقة في الاستماع :

الناس يحبون الذي يستمع إلى حديثهم ويقال :(إنك إن أردت أن تكون متحدثاً لبقاً فكن مستمعاً لبقاً) . وهذا طبع من طباع البشر ، ونحن نتعلم من مواقف الرسول   ليس مجرد الاستماع ، وإنما إثارة المتحدث لكي يبسط الحديث ، ومن ذلك قصة جابر- رضي الله عنه- لما سأله وقال له : تزوجت .قال له   بكراً أم ثيباً ؟ قال : بل ثيباً . قال : (هلا بكراً تلاعبها وتلاعبك)5.

وانظر إلى أسلوب الرسول الرقيق في إثارة جابر للحديث : هلا بكراً تلاعبها هذا إذا كان في مجرد الكلام بين الناس ، فمن باب أولى الإنصات والاستماع في مسألة الحوار وفي مجال الخصومات والمرافعات .

ثالثاً : نماذج من حواره صلى الله عليه وسلم :

أ-حواره   مع عتبة بن ربيعة ( المشرك ) :

جاء عتبة حتى جلس إلى رسول الله   فقال : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السلطة ( يعني المنزلة الرفيعة ) في العشيرة ، والمكان في النسب ، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم ، وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ،وكفرت به من مضى من آبائهم ، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها ، قال رسول الله : ( قل يا أبا الوليد أسمع ) قال : إن كنت تريد مالاً جمعنا لك من أموالنا ، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا حتى لا نقطع أمراً دونك ، وإن كنت تريد ملكاً ملكناك علينا . حتى إذا فرغ عتبة ، ورسول الله    يسمع منه قال: ( قد فرغت يا أبا الوليد) ؟ قال : نعم ، قال ( فاستمع مني ) قال : افعل ، فقال :{بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. حم.تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ* كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًاعَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُون*) فصلت : 1 – 5 .

ثم مضى رسول الله    فيها يقرؤها عليه ، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها ، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليها يسمع منه ثم انتهى رسول الله    إلى السجدة منها فسجد ثم قال: ( قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك )6.

فقد اختار  الكلام المناسب في الموضع المناسب واختار أيضاً الصوت المناسب وحسن الإنصات مع الخصم ، وذلك كله من جوامع خلقه .

ب – حواره  مع الشاب المسلم الذي أستأذنه في الزنا :

عن أبي أمامة- رضي الله عنه- قال : أن فتىً شاباً أتى النبي  فقال : يا رسول الله ائذن لي بالزنا ، فأقبل القوم عليه فزجروه وقالوا مه مه ! فقال له : ( أدنه ) فدنا منه قريباً ، قال (أتحبه لأمك ) قال : لا والله ، جعلني الله فداءك ، قال ( ولا الناس يحبونه لأمهاتهم ) . قال)أفتحبه لأبنتك ) قال : لا والله يا رسول الله جعلني الله فداءك . قال (ولا الناس يحبونه لبناتهم ) قال : أفتحه لأختك ؟ قال نفس الكلام . قال ( أتحبه لعمتك ) قال نفس الكلام ، قال (أتحبه لخالتك ) قال : نفس الكلام .

قال : فوضع يده علي وقال ( اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه وحصّن فرجه ) .

قال : فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء )7.

رابعاً : بيان آداب الإنصات في الحوار :

قال الخطيب البغدادي- رحمه الله- : وهو يتحدث عن آداب المجادل والمحاور : ( ويستشعر في مجلسه  – أي المجادل – الوقار وحسن السمت ، وطول الصمت إلا عند الحاجة إلى الكلام .. ويكون كلامه يسيراً جامعاً بليغاً ، ولا يرفع صوته في كلامه عالياً فيشق حلقه، ويحمى صدره ويقطعه، وذلك من دواعي الغضب ، ولا يخفي صوته إخفاء لا يسمعه الحاضرون فلا يفيد شيئاً ، بل يكون مقتصداً بين ذلك .

وإذا وقع له شيء في أول كلام الخصم فلا يعجل بالحكم به، فربما كان في آخره ما يبين أن الغرض بخلاف الواقع له ، فينبغي أن يتثبت إلى أن ينقضي الكلام .

ويكون نطقه بعلم ، وإنصاته بحلم ، ولا يعجل إلى جواب ، ولا يهجم على سؤال ، ويحفظ لسانه من إطلاقه بما لا يعلم … )8

وتأمل ما يقع في زماننا من مناظرات ومجادلات بين طوائف مختلفة لمواضيع متنوعة تمس أصول الدين وعقائده وتشريعاته، سواء كان عبر القنوات الفضائية، أو عبر الأشرطة  السمعية، أو في الكتب والصحف وغير ذلك . لا تجد آداب الإنصات متحققة في الحوار بل العكس من ذلك إلا ما ندر .

(ومما يشين المحاور علو صوته من غير حاجة فالحجة الواهية لا يدعمها صوت مهما علا وارتفع ، والحجة الظاهرة غنية بذاتها عن كل صوت ، فالضجيج لا يستر العجز والهدوء لا يضيق الحق بل غالباً ما يميل الحضور مع صاحب الصوت الهادئ لموضوعيته وتناسق أفكاره ، حتى لو كانوا في الحجة سواء )9.

اللهم ألهمنـا رشدنا ، واعف عنا ، وارزقنا العلم النافع والأخلاق الفاضلة ، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . ونستغفر الله العظيم ونتوب إليه .


1 – تفسير القرآن العظيم لابن كثير ( 3 / 453) بتصرف .

2 – الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ( 7 / 49 ) بتصرف .

3 -في ظلال القرآن لسيد (5/790).

4 –  تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لابن السعدي ( 4/110) .

5 – متفق عليه من حديث جابر بن عبدالله .

6 – المعازي لابن إسحاق 1 / 313 من سيرة ابن هشام . قال الألباني وإسناده حسن إن شاء الله  . انظر فقه السيرة للغزالي ص 113 .

7 – أخرجه أحمد في المسند 5 / 256 – 257 . وانظر السلسلة الصحيحة للألباني 370 ج 1 ) .

8 – الفقيه والمتفقه آداب الجدال ( 2 / 25 ) بتصرف وحذف .

9 – كيف تحاور . د / طارق بن علي الحبيب . ( س 39 ) .