يا من بدنياه اشتغل

يا من بدنياه اشتغل!

 

الحمد لله الذي عرَّف أوليائه غوائل الدنيا وآفاتها، وكشف عن عيوبها وعوراتها، حتى نظروا في شواهدها وآياتها، ووزنوا بحسناتهم سيئاتها، فعلموا أنه يزيد منكرها على معروفها، ولا يفي مرجوها بمخوفها، ولا يسلم طلوعها من كسوفها، ولكنها في صورة امرأة مليحة تستميل الناس بجمالها، ولها أسرار سوء قبائح تهلك الراغبين في وصالها، ثم هي شحيحة بإقبالها، وإذا أقبلت لم يؤمن شرها ووبالها، إن أحسنت ساعة أساءت سنة، وإن أساءت مرة جعلتها سنة، فدوائر إقبالها على التقارب دائرة، وتجارة بنيها خاسرة بائرة، أما بعد:

فمن تفكر بعواقب الدنيا أخذ الحذر، ومن أيقن بطول الطريق تأهب للسفر، ما أعجب أمرك يا من يوقن بأمر ثم ينساه، ويتحقق ضرر حال ثم يغشاه! {وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ} (37) سورة الأحزاب.

عبد الله: تغلبك نفسك على ما تظن ولا تغلبها على ما تستيقن، أعجب العجائب سرورك بغرورك، وسهوك في لهوك عما قد خبئ لك، تغتر بصحتك وتنسى دنو السقم، وتفرح بعافيتك غافلاً عن قرب الألم، لقد أراك مصرع غيرك مصرعك، وأبدى مضجع سواك -قبل الممات- مضجعك، وقد شغلك نيل لذاتك عن ذكر خراب ذاتك:

يا من بدنياه اشتغل الموت يأتي بغتة

 

 

وغره طول الأمل والقبر صندوق العمل

 

 

كأنك لم تسمع بأخبار من مضى فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم

 

 

ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر محاها مجال الريح بعدك والقبر!

 

 

فيا من شغله متاعه، عمله، سلطانه، بيته، ماله، ولده، زوجه، دنياه، انتبه قبل فوات الأوان، واحذر الدنيا فهي –والله- متاع، فكم رأيت صاحب منزل ما نزل لحده حتى نزل! وكم شاهدت والي قصر وليه عدوه لما عزل! فيا من كل لحظة إلى هذا يسري وفعله فعل من لا يفهم لو لا يدري.

وكيف تنام العين وهي قريرة؟

 

ولم تدر من أي المحلين تنزل؟1

 

إخواني: الدنيا غرارة غدارة خداعة مكارة، تظن مقيمة وهي سيارة، ومصالحة وقد شنت الغارة:

نح نفسا عن القبيح وصنها لا تثق بالدنيء فما أبقت الدنيا إنما جئتها لتستقبل الموت ستخلي الدنيا وما لك إلا وسيبقى الحديث بعدك فانظر

 

 

وتوق الدنيا ولا تأمننها لحي وديعة لم تخنها وأسكنتها لتخرج عنها ما تبلغت أو تزودت منها خير أحدوثة تكون فكنه2

 

 

إخواني: اعلموا وفقنا الله وإياكم وجميع المسلمين لما يحبه ويرضاه أن كثرة ذكر الموت تردع عن المعاصي وتلين القلب القاسي، وتذهب الفرح بالدنيا وزينتها وزخارفها ولذاتها.

نسأل الله تعالى أن يجنبنا غوائل الدنيا وزلَاتها، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


1 صيد الخاطر لابن الجوزي (1/15).

2 المدهش لابن الجوزي: دار الكتب العلمية – بيروت: ط2، 1985م (1/174).