الحث على الزواج

الحث على الزواج

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد اقتضت حكمة الحكيم الخبير سبحانه حفظ النوع البشري، وبقاء النسل الإنساني إعماراً لهذا الكون الدنيوي، وإصلاحاً لهذا الكوكب الأرضي، وقد شرع بحكمته – وهو أحكم الحاكمين – ما ينظم العلاقات بين الجنسين الذكر والأنثى، وكان مما شرعه الزواج بحِكَمِه وأحكامه، ومقاصده وآدابه، إذ الزواج ضرورة اجتماعية لبناء الحياة، وتكوين الأسر، وتنظيم أقوى الوشائج، وأوثق العلاقات، واستقامة الحال، وهدوء البال، وراحة الضمير، وأنس المصير، كما أنه أمرٌ تقتضيه الفطرة قبل أن تحثَّ عليه الشريعة، وتتطلبه الطباع السليمة، والفطر المستقيمة، إنه حصانة وابتهاج، وسكن وأنس واندماج، كم خفف هماً، وأذهب غماً، به تتعارف القبائل، وتقوى الأواصر، وفيه الراحة النفسية، والطمأنينة القلبية، والتعاون على أعباء الحياة الاجتماعية، ويكفيه أنه آية من آيات الله الدالة على حكمته، والداعية إلى التفكر في عظيم خلقه، وبديع صنعه {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم:21)، وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء)) رواه البخاري برقم (1806)، ومسلم برقم (1400).

والزواج سنة من سنن المرسلين: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً}(الرعد:38)، وحثَّ عليه نبينا صلى الله عليه وسلم، ورغَّب فيه فعن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل نهياً شديداً، ويقول: ((تزوجوا الودود الولود، فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة))"1، يقول الإمام أحمد رحمه الله: "ليست العزوبة من الإسلام في شيء، ومن دعاك إلى غير الزواج دعاك إلى غير الإسلام"2.

وإن نعيم الحياة ومتعتها لا تكون إلا في بيت سعيد، وزواج سعيد، وسعادة البيت لا يحققها إلا دين صحيح، وخلق سمح، وأدب رفيع، ينضم إلى ذلك صفاء الود، والحفظ المتبادل بين القرينين في الحضور والغيبة، بيت سعيد ظاهره الحشمة والمهابة، وباطنه العفاف والصيانة، وهو بذلك ينشر السعادة في المودة، والصلة بين الأقارب والأصهار، ووشائج القربى، وعلائق المصاهرة بين الآل والأرحام.

ولهذه المصالح وغيرها كان للزواج أهمية عظمى في الكتاب والسنة؛ حيث أوجبا على المسلمين الاهتمام بشأنه، وتسهيل أمره، والتعاون على تحقيقه، ومنع من يريد تعويقه أو تأخيره.

وإذا كانت هذه شذرة في مكانة الزواج وآثاره، وتلك بعض حكمه وأسراره؛ فما بال كثير من الناس يشكو ويتبرم، وما بال المشكلات الاجتماعية تزداد وتتفاقم، والأدواء الأسرية تكثر وتتعاظم، حتى أضحى أمر الزواج من كونه قضية شرعية، وضرورة بشرية؛ إلى مشكلة اجتماعية خطيرة تحدق بمجتمعاتنا المسلمة.

والمشكلة تكمن في عزوف الكثير من الشباب والشابات عن الزواج إما بسبب إكمال الدراسة النظامية، أو لتأمين المستقبل من الناحية المادية، أو لظن البعض أنه غير قادر على تكوين الحياة الزوجية والأسرية، وكيف أيها المحب لو علمت أن المصطفى صلى الله عليه وسلم عاتب من عزف عن الزواج من أجل التعبد والتفرغ للعبادة، فضلاً عن التفرغ لأمر من أمور الدنيا فقد جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: "جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم، فلما أُخبروا كأنهم تقالوها، فقالوا: أين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما أنا فإني أصلي الليل أبداً، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً، فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ((أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله أني لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني))" رواه البخاري برقم (4776)، ومسلم برقم (1401).

وقد يزداد الأمر سوءاً حين يكون هذا العزوف من فتاة شابة بحجة إكمال الدراسات العليا، أو أخذ الوظيفة المثلى، أو الحصول على فتى الأحلام الذي رسمته لنفسها؛ إما عن أضغاث أحلام، أو صور أفلام الغرام، وما تكون اليقظة منها إلا عندما يفوتها قطارها، ويذهب ريعان شبابها، وكم من صرخات للنساء تنادي بأعلى صوتها وتقول: "خذوا شهاداتي، وكل مراجعي، وأسمعوني كلمة ماما"، وإحداهن تقول والبكاء يقطع أحشاءها:

لقد كنت أرجو أن يقال طبيبة      فقد قيل مـاذا نالني من مقالها

فقل للتي كانت ترى فيَّ قـدوة     هي اليوم بين الناس يرثى لحالها

وكل مناها بعض طفل تضمـه     فهــل ممكن أن تشتريه بمالها

أختاه: لو أن المرء منا يدرك ما يتمنى لقلت لك: امض على ما تودين أن يكون لك، لكن الأمر ما قال الشاعر:

ما كل ما يتمنى المرء يدركه         تجري الرياح بما لا تشتهي السفن

الصغير يكبر، والجديد يقدم ويبلى، والعمر يمضي، والشيخوخة تقبل، فاحذري أختي المسلمة: حتى لا تقعي في شباك العنوسة، وتندمي ولات حين مندم.

عباد الله: إن مما يؤسى له أن يقوم بعض أولياء الأمور بعضل بناته، وإرغامهن على العزوف عن الزواج، وصرف أنظارهن عن التفكير فيه طمعاً في أموالهن وأرزاقهن مما وهبه الله لهن، فليعلم كل أب أن هذا العمل مما يغضب الله تعالى عليه، وأنه مسئول أمام الباري جل وعلا يوم القيامة عن هذا العمل، فلتستعد لذلك أيها الظالم لأبنائه، ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((ما من عبدٍ يسترعيه الله رعية يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرَّم الله عليه الجنة)) رواه مسلم برقم (142)، وفي رواية للبخاري من حديث معقل بن يسار رضي الله عنه: ((ما من عبد يسترعيه الله رعية فلم يحطها بنصحه إلا لم يجد رائحة الجنة)) رواه البخاري برقم (6731).

وغلاء المهور وارتفاعها يعدُّ أحد الأسباب التي جعلت بين الشاب والزواج عائقاً وسداً منيعاً، فيا أرباب البنات اتقوا الله في بناتكم، ويسروا ولا تعسروا، وإذا جاءكم من ترضون له ديناً وخلقاً فزوجوه كما أخبر بذلك الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم بقوله: ((إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه؛ إلا تفعلوا تكن فتنةٌ في الأرض، وفسادٌ عريض))3 رواه الترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

وقد أبانت شريعتنا الغراء؛ المنهج الواضح في هذه القضية المهمة فجاءت بتيسير أمور الزواج، والحث على الاقتصاد فيه، وذلك لأن المهر في الزواج يا عباد الله وسيلة لا غاية، والمغالاة فيه لها آثار سيئة على الأفراد والمجتمعات، لا تخفى على العقلاء من تعطيل الزواج، أو الانتقال إلى الزواج من مجتمعات أخرى مخالفة للمجتمعات المحافظة مما له عواقب وخيمة، ورب لذة ساعة تعقبها حسرات إلى قيام الساعة يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "ألا لا تغالوا صدقة النساء فإنها لو كانت مكرمة في الدنيا، أو تقوى عند الله؛ لكان أولاكم بها النبي صلى الله عليه و سلم، ما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم نكح شيئاً من نسائه، ولا أنكح شيئاً من بناته؛ على أكثر من ثنتي عشرة أوقية"4، وزاد ابن ماجة "وإن الرجل ليثقل صدقة امرأته حتى يكون لها عداوة في نفسه"5.

عباد الله أيها المسلمون:

اعلموا أن للزواج فوائد طيبة، وعواقب محمودة، وآثار حسنة يجنيها الأفراد والمجتمعات، وكم من الفوائد التي قد غفل عنها الكثير، وإليكم بعضاً منها:

– أن الزواج امتثال لأمر الله تعالى، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، وإحياء لتلك السنة الكونية التي أرادها الله تعالى، وأمر بها عباده، ومعلوم أن امتثال أوامر الله ورسوله فيه سعادة الدنيا والآخرة.

– في النكاح حصول الأجر والثواب بالقيام بحقوق الزوجة والأولاد، والإنفاق عليهم قال صلى الله عليه وسلم: ((إنك لن تنفق نفقة تبتغي بها وجه الله إلا أُجرت عليها حتى ما تجعل في فم امرأتك)) رواه البخاري برقم (56).

– الحفاظ على النوع الإنساني، فبالزواج يستمر بقاء الإنسان ويتكاثر إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولقد نوه القرآن الكريم إلى هذا الحكمة الاجتماعية البالغة حين قال: {وَاللّهُ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً وَجَعَلَ لَكُم مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ}(النحل:72)، وهذه سنة الله ولن تجد لسنة الله تبديلاً.

– البعد عن الوقوع في الفواحش والمنكرات التي حرَّمها الله عز وجل، فإن الشاب تتهيج غريزته مع فوران شبابه وطيشه، فيكون عندها على خطر مقحم، بل على استعداد أن يقع في شباك الرذيلة والدعارة – إلا من رحم الله – فإذا تزوج أمن – بإذن الله – من ذلك، ونجا بنفسه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من تزوج فقد استكمل نصف الإيمان، فليتق الله في النصف الباقي))6.

– الزواج مجلبة للمال والرزق الحلال قال الله تعالى: {وَأَنكِحُوا الْأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}(النور:32)، قال ابن عباس رضي الله عنهما: "رغبهم في التزويج وأمرهم به (الأحرار والعبيد)، ووعدهم عليه الغنى إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله"، وعن ابن مسعود رضي الله عنه: "التمسوا الغنى في النكاح يقول الله تعالى: {إِن يَكُونُوا فُقَرَاء يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ}"7، واسمع لهذا الحديث الذي سيطْمَئِنُّ له قلبك، ويقر به قرارك، وترتاح إليه نفسك فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف))8.

– تكثير أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فبالكثرة تقوى الأمة، وتُهاب بين الأمم، وتكتفي بذاتها عن غيرها إذا استعملت طاقتها فيما وجهها إليه الشرع المطهر، إضافة إلى تحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر الأنبياء يوم القيامة))9.

– المحافظة على الأنساب، فيفتخر الأبناء بانتسابهم إلى آبائهم، لأن في هذا النسب اعتباراً ذاتياً، وكرامة عالية يتعامل المجتمع فيما بينه بالمعاملات الحسنة التي يسودها الاحترام والتعاون، وصلة الأرحام.

– سلامة المجتمع من الانحلال والفساد الاجتماعي، والاتصال المحرم بين الذكور والإناث لإشباع الغريزة الجنسية التي جُبل البشر على الميل إليها، وحب إشباعها، وما يترتب على ذلك من شيوع الأمراض الجنسية الخطيرة التي أجمعت عليها كل المجامع الصحية العالمية بأنها نتيجة لانتشار الرذيلة والفساد.

– في النكاح تكوين الأمة، وتعريف الناس بعضهم ببعض، فإن الصهر شقيق النسب قـال تعـالى: {وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاء بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً}(الفرقان:54).

– "السكن الروحي والنفسي الذي تنمو به روح المودة والرحمة، والألفة بين الزوجين، فالزوج حين يفرغ من عمله ويعود إلى منزله، ويجتمع بأهله وأولاده؛ ينسى الهموم التي اعترته في نهاره، ويتلاشى التعب الذي كابده في سعيه وجهاده، وكذلك المرأة حين تجتمع مع زوجها، وتستقبل شريك حياتها، وصدق الله العظيم حين صور هذه الظاهرة بأبلـغ بيان، وأجمـل تعبير {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}(الروم:21)"10.

والله المسؤول وحده أن يوفقنا جميعاً إلى ما يحبه ويرضاه، وأن يعصمنا مما يسخطه ويأباه، إنه أعظم مسؤول، وأكرم مأمول، وصلوا وسلموا رحمكم الله على النبي المصطفى، والرسول المجتبى، والحبيب المرتضى، كما أمركم بذلك ربكم جل وعلا فقال تعالى قولاً كريماً: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.


1 مسند أحمد برقم (12634)، وقال الأرناؤوط وآخرون: صحيح لغيره، انظر مسند الإمام أحمد بن حنبل (20/63) لأحمد بن حنبل، المحقق: شعيب الأرناؤوط وعادل مرشد وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى (1421هـ-2001م).

2 المغني لابن قدامة (7/334).

3 سنن الترمذي برقم (1084)، وابن ماجة برقم (1967)، وحسنه الألباني في مشكاة المصابيح برقم (3090).

4 سنن الترمذي برقم (1114)، وصححه الألباني في مشكاة المصابيح برقم (3204).

5 ابن ماجة برقم (1887)، وقال الشيخ الألباني:حسن صحيح انظر المشكاة برقم (3204).

6 المعجم الأوسط للطبراني برقم (7647)، وحسنه الألباني في الجامع الصغير برقم (11093).

7 تفسير ابن كثير (6/51).

8 سنن النسائي برقم (1655)، والنسائي برقم (3218)، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب برقم (1308).

9 مسند أحمد برقم (12634)، وجاء في تحقيق المسند للأرناؤوط وغيره: صحيح لغيره، وهذا إسناد قوي، انظر المسند (20/63).

10 نقلاً من كتاب النكاح ثمراته وفوائده لمحمد بن علي العرفج (ص17).