Share |

إدارة المسجد / التحفيظ

أخطاء من قارئ القرآن

 

في زمان كثر فيه الكلام، وتعددت فيه الكتابات، وتنوعت في أرجائه الخطابات؛ يحن قلب المؤمن إلى كلام لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، يحن إلى تنزيل حكيم من رب عظيم، يحن إلى كلام لا ريب فيه، كلام مبارك مبين، إنه كلام رب العزة والملكوت، الكتاب الذي يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، يقول جل في علاه عن الجن حين سمعوا القرآن: {قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ}(الأحقاف:30)، وقد قال الله جل وعلا: {إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا}(الإسراء:9).

ومع ما في هذا الكتاب الكريم من خير لقارئه في الدنيا والآخرة فإن الشرع قد حث على قراءته والتزود منه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ}(فاطر: 29-30)، وأخبر صلى الله عليه وسلم أن كل حرف يقرأه المسلم له به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، فكم في القرآن من حسنات غفل عنها الكثير، وكم من الأجور ما أدركها إلا من وفقه الله القدير فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها، لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف))1.

وبُشر النبي صلى الله عليه وسلم بالقرآن الكريم، وبفضله العظيم فجاء في الحديث: ((أبشر بنورين أوتيتهما لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، لن تقرأ بحرف منهما إلا أعطيته)) رواه مسلم برقم (806).

وكما أن القرآن دستور حياة، ونور هداية في الدنيا؛ فهو أيضاً نور في الآخرة، وشفيع لأصحابه يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم فعن أبي أمامة الباهلي رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه، اقرؤوا الزهراوين البقرة وسورة آل عمران فإنهما تأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو كأنهما غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف تحاجان عن أصحابهما، اقرؤوا سورة البقرة فإن أخذها بركة، وتركها حسرة، ولا تستطيعها البطلة)) رواه مسلم (804).

ولأجل هذا الخير الكبير، والثواب الجزيل؛ يقبل المسلمون على كلام الله عز وجل، لكن مع قراءتهم له فإنه لا بد أن يتنبهوا إلى أخطاء قد يقع فيها قارئ القرآن، نذكر بعضها هنا على سبيل التنبيه والتذكير للمؤمنين، ومن هذه الأخطاء:

1-  أن يقرأ القارئ القرآن بلا تدبر، ويهذه هذَّ الشعر، وما لهذا أنزل القرآن الكريم، إنما أنزل للتدبر والوقوف عند معاني الآيات، وتأثر القلوب بها، يقول الله جل في علاه: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ}(ص:29)، وقال رجل لابن مسعود رضي الله عنه: إني لأقرأ المفصل في ركعة، فقال عبد الله: "هذاً كهذ الشعر، إن أقواماً يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم، ولكن إذا وقع في القلب فرسخ فيه نفع" رواه البخاري برقم (4756)، ومسلم برقم (822) واللفظ له.

2-  ومن الأخطاء العظيمة عند قراءة القرآن؛ قراءته رياء وسمعة، وهذا مما لا ينتبه له الكثير إلا من رحم الله؛ فيقرأ القرآن ليقال قارئ فليس له أجر ما قرأ؛ وليس له في الآخرة من خلاق، لأنه لم يخلص لله تعالى، بل أراد بقراءته ثناء الناس، وقد وجد ما أراد: {مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(هود:15-16)، وكما في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((إن الله تبارك وتعالى إذا كان يوم القيامة ينزل إلى العباد ليقضي بينهم، وكل أمة جاثية؛ فأول من يدعو به رجل جمع القرآن، ورجل يقتتل في سبيل الله، ورجل كثير المال، فيقول الله للقارئ: ألم أعلمك ما أنزلت على رسولي؟ قال: بلى يا رب، قال: فماذا عملت فيما علمت؟ قال: كنت أقوم به آناء الليل، وآناء النهار، فيقول الله له: كذبت، وتقول له الملائكة: كذبت، ويقول الله: بل أردت أن يقال: إن فلاناً قارئ، فقد قيل ذاك - وذكر بقية الثلاثة - ثم قال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تسعر بهم النار يوم القيامة))2.

3-  عدم الاستمرار في قراءة كتاب الله عز وجل، فقد ينقطع عنه، ولا يقرأه إلا بعد فترة، والله تعالى يقول: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}(الفرقان: 30)، فتمر الشهور ولم يختم البعض القرآن الكريم، وقد يأتي شهر رمضان فينشغل البعض، ولا يختم القرآن حتى في شهر القرآن، والله المستعان.

4-  عدم التأثر بالقرآن والخشوع عند تلاوته، ناسياً أو متناسياً هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فقد كان يبكي عند سماع كلام الله تعالى جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: "قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((اقرأ عليَّ القرآن)) قال: فقلت يا رسول الله أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: ((إني أشتهي أن أسمعه من غيري))، فقرأت النساء حتى إذا بلغت {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا} (النساء:41)، رفعت رأسي أو غمزني رجل إلى جنبي فرفعت رأسي؛ فرأيت دموعه تسيل" رواه البخاري برقم (4306)، ومسلم برقم (800) واللفظ له، وهذا شأن الصالحين ممن آتاهم الله تعالى العلم بكتابه المبارك: {قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}(الإسراء:107-109).

5-  الجهر بالقراءة مما قد يسبب إزعاج الآخرين، فيشوش المجاهر بالقراءة على مصلٍ، أو على قارئ آخر، وهذا الأمر قد نبه عليه النبي صلى الله وسلم فعن أبي سعيد رضي الله عنه قال: "اعتكف رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، فسمعهم يجهرون بالقراءة، فكشف الستر، وقال: ((ألا إن كلكم مناج ربه، فلا يؤذين بعضكم بعضاً، ولا يرفع بعضكم على بعض في القراءة))، أو قال ((في الصلاة))"3.

6-   ومن الأخطاء عدم الالتزام بآداب التلاوة من التطهر، واستعمال السواك، والاستعاذة بالله عند القراءة، والتغني بالقرآن، وغيرها من آداب التلاوة المعروفة، والتي ينبغي لقارئ القرآن الحرص عليها تعظيماً لكلام الجبار جل في علاه.

7-  ومن أخطر الأخطاء عدم العمل بما يقرأ، فقد يقرأ المرء القرآنَ والقرآنُ يلعنه كما روي عن أنس رضي الله عنه أنه قال: "رب تال للقرآن والقرآن يلعنه"4 يقول العلامة ابن باز رحمه الله تعالى: "المعنى أن في القرآن ما يقتضي ذمه ولعنه؛ لكونه يقرأ القرآن وهو يخالف أوامره، أو يرتكب نواهيه، يقرأ كتاب الله وفي كتاب الله ما يقتضي سبه وسب أمثاله؛ لأنهم خالفوا الأوامر، وارتكبوا النواهي؛ هذا هو الأقرب"5.

وقد تجد ممن يقرأ كتاب الله من يكذب، أو يغتاب، أو يتجسس، أو يعق أبويه، أو غير ذلك من الأمور التي حذر منها الله في كتابه الكريم، فكيف سيكون من هذا حاله يوم القيامة، يوم يأتي وخصيمه القرآن الكريم.

هذه بعض التنبيهات لقارئ القرآن حتى ترتج الدنيا بالتلاوات الصادقة التي يحبها الله ويرضاها، ويرفع بها تاليها ومستمعها، ويكتب العزة لمن عمل بها؛ إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل اللهم على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.


1 سنن الترمذي (2910)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (6469).

2 سنن الترمذي (2382)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (1713).

3 سنن أبي داود (1332)، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (2639).

4 التذكرة في الوعظ (1/81) لعبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي، تحقيق: أحمد عبد الوهاب فتيح، دار المعرفة - بيروت، ط. الأولى 1406هـ- 1986م.

5 مجموع فتاوى العلامة عبد العزيز بن باز رحمه الله (26/61)، أشرف على جمعه وطبعه: محمد بن سعد الشويعر.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.0327