Share |

كلمات / منوعات

صلاتك في الميزان

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا الكريم، وعلى آله وصحبه أما بعد:

فقد أمر الله تعالى بالصلاة والمحافظة عليها بخشوعها وإقامتها قال تعالى: {حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ}(البقرة:238) قال الشيخ عبد الرحمن السعدي: "يأمر بالمحافظة على الصلوات عموماً، وعلى الصلاة الوسطى (وهي العصر) خصوصاً، والمحافظة عليها أداؤها بوقتها وشروطها، وأركانها وخشوعها، وجميع ما لها من واجب ومستحب، وبالمحافظة على الصلوات تحصل المحافظة على سائر العبادات، وتفيد النهي عن الفحشاء والمنكر خصوصاً إذا أكملها كما أمر بقوله: {وقوموا لله قانتين} أي: ذليلين خاشعين؛ ففيه الأمر بالقيام والقنوت، والنهي عن الكلام، والأمر بالخشوع، هذا مع الأمن والطمأنينة"1.

ومن هذا النقل يتبين لنا عِظَمُ مكانة الصلاة، ومنزلتها في الدين، فما حال صلاتنا في الميزان، وهل هي من التي يثقل بها الميزان؟ أم من التي يخف بها نسأل الله العافية؟.

كثير من الناس قد فرَّط في هذه الشعيرة العظيمة التي هي عمود الدين كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((رأس الأمر الإسلام، وعموده الصلاة))2 فأصبحت الصلاة عندهم مجرد عادة من العادات، فلا اهتمام بأوقاتها، ولا بأركانها، ولا بمستحباتها، فضلاً عن الخشوع فيها، فيا ترى ماذا بقي له من صلاته بعد كل هذا الإهمال، ثم تراه بعد ذلك يتبجح ويقول: إنه من المصلين بل من المحافظين عليها، فيا سبحان الله أين هو من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ((إن الرجل لينصرف وما كتب له إلا عشر صلاته، تسعها، ثمنها، سبعها، سدسها، خمسها، ربعها، ثلثها، نصفها))3 قال الإمام أبو محمد العيني: "المعنى: أن الناس تختلف أحوالهم في ثواب صلواتهم على حسب حالاتهم في إقامتها، فمنهم من يحصل له ثواب عشر صلاة، ومنهم تسعها، ومنهم ثمنها إلى نصفها، فالرجل السعيد أن يحصل له ثواب كلها"4، وقال الإمام شمس الحق: "بل قد لا يكتب له شيء من الصلاة، ولا تقبل أصلاً كما ورد في طائفة من المصلين"5، وقال إمام الحرمين رحمه الله تعالى: "انظر أيها العاقل هل وجهت قط صلاة من صلواتك إلى السماء كمائدة بعثتها إلى بيوت الأغنياء"6، وقال الوراق: "ما فرغت قط من صلاة إلا استحيت حين فرغت منها أشد من حياء امرأة فرغت من الزنا"7.

والمؤسف أن بعض المصلين قد جعل صلاته وقتاً لمراجعة حسابات متجره، وبعضهم جعلها وقتاً للتخطيط للمشاريع، وما أن تنتهي الصلاة حتى يكون قد أكمل مشروعه وحساباته، ويخرج من الصلاة ولم يعقل منها شيء.

فينبغي عليك أيها المصلي رعاك الله أن تستشعر قيمة الصلاة، أن تسعى لكي تثقل بها موازينك حتى لا تكون هذه الصلاة وبالاً عليك، واحذر السرقة منها فإنها أسوأ أنواع السرقة فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته))، قالوا: يا رسول الله وكيف يسرقها؟ قال: ((لا يتم ركوعها، ولا سجودها))8 قال سلمان الفارسي: "الصلاة مكيال، فمن وفَّى وُفِّي له، ومن طفَّف فقد علمتم ما قال الله في المطففين"9.

إن الصلاة بقيامها وركوعها، وسجودها وأذكارها، وجميع حركاتها؛ هي عبادة لله تعالى تعني الانقياد الكامل، والطاعة التامة، والاستسلام لله رب العالمين بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه مدى الحياة، وفي جميع الأزمنة والأمكنة10، فانظر لحالك في الصلاة أيها المصلي، ومن أي الأصناف أنت؟

قال ابن القيم رحمه الله: "والناس في الصلاة على مراتب خمسة:

أحدها: مرتبة الظالم لنفسه، المفرط، وهو الذي انتقص من وضوئها، ومواقيتها، وحدودها، وأركانها.

الثاني: من يحافظ على مواقيتها وحدودها وأركانها الظاهرة ووضوئها؛ لكن قد ضيع مجاهدة نفسه في الوسوسة، فذهب مع الوساوس والأفكار.

الثالث: من حافظ على حدودها وأركانها، وجاهد نفسه في دفع الوساوس والأفكار فهو مشغول بمجاهدة عدوه لئلا يسرق صلاته، فهو في صلاة وجهاد.

الرابع: من إذا قام إلى الصلاة أكمل حقوقها وأركانها وحدودها، واستغرق قلبه مراعاة حدودها وحقوقها لئلا يضيع شيئاً منها، بل همه كله مصروف إلى إقامتها كما ينبغي، وإكمالها وإتمامها قد استغرق قلب شأن الصلاة وعبودية ربه تبارك وتعالى فيها.

الخامس: من إذا قام إلى الصلاة قام إليها كذلك، ولكن مع هذا قد أخذ قلبه ووضعه بين يدي ربه عز وجل ناظراً بقبله إليه، مراقباً له، ممتلئاً من محبته وعظمته، كأنه يراه ويشاهده، وقد اضمحلت تلك الوساوس والخطرات، وارتفعت حجبها بينه وبين ربه، فهذا بينه وبين غيره في الصلاة أفضل وأعظم مما بين السماء والأرض، وهذا في صلاته مشغول بربه عز وجل، قرير العين به.

فالقسم الأول معاقب، والثاني محاسب، والثالث مكفر عنه، والرابع مثاب، والخامس مقرب من ربه؛ لأن له نصيباً ممن جُعلت قرَّة عينه في الصلاة، فمن قَرَّت عينه بصلاته في الدنيا قَرَّت عينه بقربه من ربه عز وجل في الآخرة، وقَرَّت عينه أيضاً به في الدنيا، ومن قَرَّت عينه بالله قَرَّت به كل عين، ومن لم تَقَر عينه بالله تعالى؛ تقطعت نفسه على الدنيا حسرات"11، وقال بعض العلماء: "يحتاج المصلي إلى أربع خصال حتى ترفع صلاته: حضور قلب، وشهود عقل، وخضوع أركان، وخشوع الجوارح" فمن صلى بلا حضور قلب فهو مصلٍ لاهٍ، ومن صلى بلا شهود عقل فهو مصلٍ ساهٍ، ومن صلى بلا خضوع الأركان فهو مصلٍ جافٍ، ومن صلى بلا خشوع الجوارح فهو مصلٍ خاطئ، ومن صلى بهذه الأركان فهو مصلٍ وافٍ"12.

وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: أتى رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله حدثني بحديث واجعله موجزاً، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ((صل صلاة مودع فإنك إن كنت لا تراه فإنه يراك))13 قال الشيخ عبد الرحمن السعدي رحمه الله: "الوصية الأولى:تتضمن تكميل الصلاة، والاجتهاد في إيقاعها على أحسن الأحوال، وذلك بأن يحاسب نفسه على كل صلاة يصليها، وأنه سيتم جميع ما فيها من واجب، وفرض، وسنة، وأن يتحقق بمقام الإحسان الذي هو أعلى المقامات، وذلك بأن يقوم إليها مستحضراً وقوفه بين يدي ربه، وأنه يناجيه بما يقوله من قراءة وذكر ودعاء، ويخضع له في قيامه وركوعه، وسجوده وخفضه ورفعه.

ويعينه على هذا المقصد الجليل توطين نفسه على ذلك من غير تردد، ولا كسل قلبي، ويستحضر في كل صلاة أنها صلاة مودع، كأنه لا يصلي غيرها، ومعلوم أن المودِّع يجتهد اجتهاداً يبذل فيه كل وسعه، ولا يزال مستصحباً لهذه المعاني النافعة، والأسباب القوية؛ حتى يسهل عليه الأمر، ويتعود ذلك، والصلاة على هذا الوجه تنهى صاحبها عن كل خلق رذيل، وتحثه على كل خلق جميل؛ لما تؤثره في نفسه من زيادة الإيمان، ونور القلب وسروره، ورغبته التامة في الخير"14

نسأل الله تعالى أن يرزقنا الخشوع في صلاتنا، وأن يثقل بها موازيننا إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم على نبينا وآله وصحبه، والحمد لله رب العالمين.


1 تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان (1/106) لعبد الرحمن بن ناصر بن السعدي المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، ط. الأولى 1420هـ -2000م.

2 رواه الترمذي (2616)، وصححه الألباني في إرواء الغليل برقم (413)، المكتب الإسلامي - بيروت، ط. الثانية 1405 هـ - 1985م.

3 رواه أبو داوود (796)، وحسنه الألباني في صحيح سنن أبي داوود (3/382) برقم (761)، مؤسسة غراس للنشر والتوزيع - الكويت، ط. الأولى 1423هـ - 2002م.

4 شرح سنن أبي داود (3/455) لبدر الدين العينى، المحقق: أبو المنذر خالد بن إبراهيم المصري، مكتبة الرشد - الرياض - ط. الأولى 1420 هـ -1999م.

5 عون المعبود شرح سنن أبي داود (3/3) لمحمد شمس الحق العظيم آبادي، دار الكتب العلمية - بيروت - ط. الثانية 1995م.

6 فيض القدير شرح الجامع الصغير (2/333) لعبد الرؤوف المناوي، المكتبة التجارية الكبرى - مصر - الطبعة الأولى - 1356.

7 فيض القدير شرح الجامع الصغير (2/333).

8 رواه أحمد (11138)، وحسنه محققو المسند (18/90).

9 سنن البيهقي الكبرى (2/291) برقم (3401) تحقيق: محمد عبد القادر عطا، مكتبة دار الباز - مكة المكرمة 1414هـ - 1994م.

10 الخشوع في الصلاة لعبد الله بن جار الله آل جار الله.

11 الوابل الصيب من الكلم الطيب (38-39) لابن القيم، تحقيق: محمد عبد الرحمن عوض، دار الكتاب العربي - بيروت، ط. الأولى 1405- 1985م.

12 الخشوع في الصلاة لعبد الله بن جار الله آل جار الله.

13 رواه الطبراني في المعجم الأوسط برقم (4427) لأبي القاسم سليمان بن أحمد الطبراني، تحقيق: طارق بن عوض الله بن محمد، ‏عبد المحسن بن إبراهيم الحسيني، دار الحرمين - القاهرة 1415هـ، وحسنه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3350) مكتبة المعارف - الرياض، ط. الخامسة.

14 بهجة قلوب الأبرار وقرة عيون الأخيار في شرح جوامع الأخبار لعبد الرحمن بن ناصر السعدي.

©جميع الحقوق محفوظة لموقع إمام المسجد 2004
ويحق لمن شاء أخذ ما يريد من مواد هذا الموقع بشرطين : الأول : عزو ما يأخذ إلى موقع إمام المسجد www.alimam.ws ، الثاني : الأمانة في النقل وعدم التغيير في النص المنقول ولا حذف شيء منه ، والله الموفق .
0.44765